نجحت هبة القدس في إلزام الاحتلال بالتراجع الكامل عن إجراءات الأمنية في الأقصى ومحيطه. وشكل مشهد انسحاب جنوده وهم «يقلون» كاميراتهم الذكية وأبوابهم الإلكترونية اعترافاً صريحاً منه بالهزيمة.

كتب كثيرون عن هذه المواجهة الظافرة، وأجمعوا على أنه من أهم أسباب هذا الانتصار توافر قيادة حازمة تمسكت بتحقيق كامل مطالب المنتفضين ورفضت أنصاف الحلول من موقع إدراكها أن هذا يعني تسليماً بحق الاحتلال في السيادة على الأقصى وتمرير مشروع تقسيمه زمانياً ومكانياً.

ومنذ ذلك الوقت، كان واضحاً أن الاحتلال لن يغلق باب محاولاته في تجسيد مشروعه تجاه مدينة القدس وأهلها، على جبهات متعددة تبدأ بمواصلة حملات التهويد مروراً بهدم المنازل الفلسطينية وصولاً إلى  إفراغ المدينة من أصحابها.. ولو بالتقسيط.

مكنت أسس اتفاق أوسلو وآلياته الاحتلال من تركيز البحث في تسليم السلطة الفلسطينية مناطق التجمعات السكانية الفلسطينية باستثناء القدس عبر نبضات تسليم توقفت عندما رأت تل أبيب أن هموم هذه التجمعات قد أزيحت عن كاهلها وأنيطت أكلاف إدارة شؤونهم بالدول المانحة.

أما مدينة القدس الشرقية فقد وضعت في الأساس في مرمى خطط منهجية لتهويدها وبشكل متسارع ـ وكررت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خطابها المعروف بأن القدس ستبقى موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل بتسوية سياسية وبدونها. لذلك، وعند كل جولة تفاوضية جديدة كانت تل أبيب تطلق حزمة جديدة من العطاءات الاستيطانية وفي القدس تحديداً.. وهي رسالة واضحة إلى المفاوض الفلسطيني بأن القدس ستبقى خارج البحث. وكان هذا الموضوع هو السبب الرئيس في فشل قمة «كامب ديفيد» صيف العام 2000.

ومع أن الإدارات الأميركية كانت تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية تجاه مستقبل القدس الشرقية ولم تضغط بعكس هذا الاتجاه، إلا أن تل أبيب تستند في دعم رؤيتها إلى تجسيد وقائع عملية على الأرض تجعل من هذه الرؤية واقعاً يصعب التراجع عنه.

لذلك، بدأت في السنوات الأخيرة في وضع الخطط وإقرار المشاريع في الكنيست بما يؤدي إلى زيادة عدد اليهود في المدينة وتقليل عدد سكانها الفلسطينيين.

وتعمل في الوقت نفسه على عزل القدس الشرقية عن محيطها في الضفة وتوسيع حدود ما يسمى بـ«القدس الكبرى» بشكل متواز مع تصعيد حملات هدم منازل الفلسطينيين وترحيل أصحابها عن المدينة. لكن الذي لا يقل خطراً عن الإجراءات الاحتلالية المذكورة يكمن في سياسة الاحتلال في اضعاف المجتمع المقدسي عبر استهداف منظمات المجتمع المحلي الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وهو يدرك أن تفريغ المجتمع المحلي من هذه المنظمات يضعف من قدرة المقدسيين على مواجهة مخططاته.

ولهذا السبب، لجأ مؤخراً إلى وضع الكثير من المؤسسات الوطنية والضميرية المقدسية على لائحة الإرهاب، وأغلق مكاتبها ويطالب بإحالة نشطائها إلى المحاكم الإسرائيلية. والسبب معروف وهو دور هذه المنظمات والمؤسسات في إدارة المعركة ضد الاحتلال إبان هبة القدس احتجاجاً على الإجراءات الأمنية الإسرائيلية في الأقصى ومحيطه.

تنفيذ هذا المخطط بدأ عملياً منذ اندلاع انتفاضة الاستقلال بداية خريف العام 2000، والتفاف شرائح المجتمع الفلسطيني ومؤسساته حول أهدافها، ونشاط منظمات المجتمع المحلي في فعاليات الانتفاضة وتعزيز الصمود في مواجهة الاحتلال واعتداءاته المتواصلة.

خلاصة القول إن تل أبيب تمتلك مشروعها المحدد والواضح تجاه مدينة القدس وبما يخدم أهدافها التوسعية. بالمقابل، تفتقد الحالة الفلسطينية برنامجها الموحد إن كان على صعيد حماية القدس من التهويد أو على صعيد مستقبل الأراضي الفلسطينية برمتها بما يضمن التقدم باتجاه تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.

وفي الوقت الذي يرى فيه الاحتلال في قدوم إدارة ترامب معيناً له على تحقيق مشاريعه، لايزال المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية يراهن على دور «إيجابي» لهذه الإدارة في عملية التسوية. مع أن الزيارات الأميركية المتعددة إلى رام الله أوضحت بشكل لا لبس فيه أن إدارة ترامب لا تملك رؤية واضحة تجاه التسوية أو أن كل ما ترفعه من عناوين يدور حول صفقة إقليمية تبدأ بالتطبيع الرسمي العربي مع الاحتلال ولا تنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة.

لذلك، جرى التحذير مراراً من مخاطر استمرار هذا الرهان، وتمت الدعوة بدلاً من ذلك إلى تحكيم المجتمع الدولي في الصراع مع الاحتلال وفق بوصلة قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وعلى اعتبار أننا على أعتاب انعقاد دورة جديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الفرصة متاحة كي تتقدم القيادة الرسمية الفلسطينية برزمة من مشاريع القرارات تبدأ بطلب منح فلسطين العضوية العاملة في الأمم المتحدة، والتقدم بشكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الاحتلال بما يخص الاستيطان وحملات التهويد وهدم المنازل والاعتقال والتضييق على الفلسطينيين في حياتهم ومعاشهم، وهي إجراءات تتناقض مع القانون الدولي في السياسة والحقوق، وهو ما يستدعي طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه الوطنية وتجسيدها.

السير في هذا الاتجاه يؤدي بالضرورة إلى خلق واقع مختلف في الميدان والسياسة.. وهو ما يدفع للحديث عن مساوئ السياسة الفلسطينية الرسمية في تعاملها مع المقاومة الشعبية ومع فعاليات الانتفاضة الشبابية التي اندلعت في تشرين الأول أكتوبر من العام 2015. وكان مؤسفاً التمسك بالتنسيق الأمني مع الاحتلال بدلاً من التصدي لإجراءات الاحتلال بحق شبان الانتفاضة وحملات الإعدام الميداني التي تمارس ضدهم، وبدلاً من ممارسة واجبها في حماية هؤلاء الشباب من موقع مسؤوليتها الوطنية واستلامها إدارة الشأن العام في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي الاتجاه ذاته، من الضروري التأكيد على أنه لم يفت الوقت كي تتكثف الجهود لإنهاء الانقسام، بدلاً من الإغراق في الإجراءات الجهوية التي تعمقه وتعرقل المساعي لاستعادة الوحدة، والتوقف عن إطلاق الشروط والشروط المضادة وكأن المعركة محصورة بين خصمين منفردين ولا يتأذى بسببها الشعب الفلسطيني وقضيته.

وبخصوص المصالحة، رأى مراقبون أن عقدتها الأساسية لا تكمن فقط في تمترس كل من طرفي الانقسام بشروطه، بل تجاوزت ذلك باتجاه إنتاج المزيد من الشروط المتبادلة على حساب العودة لقرارات الإجماع الوطني وعلى نحو خاص قرارات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني التي عقدت في بيروت بداية العام الجاري؛ واستكمال اجتماع اللجنة ووضع الآليات الضرورية لإجراء الانتخابات رئاسية ومجلس وطني شامل بحضور الجميع، والبدء بتشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة لإنهاء الانقسام.