قد لا نضيف جديداً إذا ما قلنا أن القيادة الفلسطينية ومشروعها السياسي يعانيان أزمة جديدة، برزت ملامحها بشكل جلي بعد ثلاثة تطورات:

• الأول: النصر الذي حققه الشعب الفلسطيني في إنتفاضة القدس والأقصى على حكومة نتنياهو، وأبرز، كأحد الإستخلاصات، أن بإمكان الحالة الفلسطينية أن تلحق الهزائم التراكمية في مواجهة الإحتلال، إذا ما إعتمدت سياسة المجابهة ووفرت ضروراتها. إنتصار الأقصى، أبرز قوة الشارع الفلسطيني، وكشف، بالمقابل، ضعف السياسة الرسمية في رهاناتها الفاشلة على مشروع أوسلو.

• الثاني: خلو حقيبة الوفد الأميركي إلى رام الله من أية مشاريع وإقتراحات، سوى زرع الأوهام، كما قال المراقبون، وسوى الضغط على القيادة الرسمية، لوقف كل التحركات السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي، واللجوء إلى سياسة إنتظارية قاتلة، لحين تستطيع إدارة ترامب التفرغ لقضية الشرق الأوسط، في ظل إنشغالها بملفات دولية أخرى تعتبرها أكثر أهمية من الملف الفلسطيني. دون أن تحمل دعوات الإنتظار هذه أية إشارات توحي بأن الإدارة الأميركية سوف تقدم حلاً خارج مشروع ترامب لـ «الحل الأقليمي»، أي تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، تمهيداً لحل للقضية الفلسطينية، لا يرقى إلى مستوى الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره وقيام دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران (يونيو) 67، وضمان حق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات بموجب القرار 194.

الثالث: هو فشل القيادة الرسمية بدعوة المجلس الوطني (القديم) لإجتماع عاجل في رام الله، قبل الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ والإجماع الوطني، الذي تبدى في مشاورات بيروت، والذي جاءت عناوينه في بيان اللجنة التنفيذية (12/8) بضرورة التحضير لمجلس وطني جديد، ليس فقط في بنيته، بل وكذلك بسياساته التي تعيد الإعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني، وتطوي صحفة مشروع أوسلو وارتهاناته وإلتزاماته، وصفحة بروتوكول باريس الإقتصادي، وما يلحقه بالمصالح الوطنية للشعب الفلسطيني من كوارث وطنية.

هذه التطورات الثلاثة، إن أكدت شيئاً مهماً، فهو أن الأزمة التي تعيشها القيادة الفلسطينية سببها تمسكها بمشروع أوسلو، بكل ما يمليه عليها من إلتزامات نحو الجانب الإسرائيلي، على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب. وسببها أيضاً إنسياقها مع بعض المحاور العربية، المتجاوبة مع السياسات الأميركية، وإستعدادها للإستماع إلى «نصائح» هذه المحاور والأخذ بها. وسببها أخيراً، وليس آخراً، مماطلتها وتلكؤها في تطبيق ما يتم الإتفاق عليه وطنياً، إن في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، أو في المجلس المركزي للمنظمة، أو في اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني، أو ما جاء مؤخراً في بيان اللجنة التنفيذية في 12/8/2017، بإعتباره تعبيراً عن التوافق الوطني بشأن مجمل قضايا الملف الوطني الفلسطيني.

 

 

*   *   *

 

مرة أخرى يتوجب القول إن إعتماد السياسة الحالية ليس إلا الوصفة الجيدة لإلحاق الخسائر الفادحة بالقضية والحقوق الفلسطينية، وتفعيل الوقت، في إطار السياسة الإنتظارية، ضد هذه القضية وضد هذه الحقوق.

ومرة أخرى يتوجب القول إن هذه السياسة قادت، فيما قادت إليه، إلى إلحاق الأذى بموقع القيادة الرسمية الفلسطينية وإضعاف نفوذها في عيون الرأي العام الفلسطيني، وتراجع شعبيتها في الشارع.

هذا ما تؤكده إستطلاعات الرأي التي تجريها في المناطق الفلسطينية مراكز الإستطلاع، وهذا ما أكدته هتافات الجماهير الغاضبة في إنتفاضة القدس والأقصى المظفرة.

كذلك يتوجب القول إن هذه السياسة من شأنها أن تضعف أكثر فأكثر من موقع المؤسسات الفلسطينية، ومن تقدير المجتمع الفلسطيني لها. خاصة وأن حالة شبه إجماع تلف الشارع الفلسطيني باتت ترى فشل الرهان على السياسات الراهنة، وضرورة الخروج منها نحو سياسات بديلة وجديدة يوفرها البرنامج الوطني الموحد.

ولا داعي للإسترسال لنقول إن الدعوة لعقد مجلس وطني فلسطيني قديم قوبلت من الشارع بإستهزاء شديد، لأن الشارع فقد الثقة بالصيغ القديمة ويريد تجديد المؤسسة، أي تجديد صيغتها وتجديد برنامجها.

وبالتالي بات على القيادة الرسمية أن تحسم الأمر بين خيارين: خيار الإلتزام بالسياسة الأميركية، وإستمرار حالة الإهتراء في المؤسسة الفلسطينية، وتراجع ثقة الشارع بها أكثر فأكثر، أو خيار العودة إلى البرنامج الوطني، الذي كانت إنقلبت عليه في 13/9/1993 ووقعت بديلاً منه إتفاق أوسلو: البرنامج الوطني الذي أخذ يستعيد عناوينه في وثائق الإجماع الوطني الفلسطيني، (مؤتمر القاهرة ـــــ الوفاق الوطني 2006 ـــــ المجلس المركزي 2015 ـــــ اللجنة التنفيذية 12/8/2017) والتي ما زالت حبراً على ورق ومعطلة بقرار فوقي من قبل القيادة الرسمية.

*   *   *

ما لا يطمئن، في خضم هذا النقاش، أن بعض التصريحات الرسمية لا تخفي إستمرار رهانها على الدور الأميركي، كالقول مثلاً إن الوفد الأميركي تعهد بتقديم رؤيته للحل خلال فترة لا تتجاوز الأشهر الأربعة. بينما تؤكد تصريحات البيت الأبيض عكس ذلك تماماً، وتنفي نفياً قاطعاً أن يكون الوفد قد تقدم بتعهد مماثل.

وهذا يعني أن الإلتزام بالخيار الأميركي مازال هو السائد لدى الدوائر القيادية الفلسطينية، وأن الرهان على الدور الأميركي مازال هو القائم. رغم أن تصريحات عدة تأتي من هنا وهناك، على لسان أعضاء في المطبخ الفلسطيني (الذي نصب نفسه بديلاً للهيئات الشرعية) ومستشاري هذا المطبخ، والمروجين لسياساته، لا تتوقف عن إنتقاد سياسة الحكومة الإسرائيلية، وتتهمها بنسف أسس الحل الذي تراهن عليه. ما يكشف مدى التناقض في مواقف القيادة الرسمية، وما يكشف مدى الضعف الذي يسيطر على تفكير القيادة الرسمية، وحجم الأزمة التي تعيشها السياسة المعتمدة من قبل القيادة الرسمية الفلسطينية.

إنتصار إنتفاضة القدس والأقصى حمل إلينا دروساً ثمينة، يفترض الواجب الوطني أن نتعلمها وأن نمسك بها:

• الإختلال بالتوازن في القوة بيننا وبين الإحتلال، يمكن التغلب عليه بتنظيم الشارع وتعبئته، وباللجوء إلى المقاومة الشعبية الشاملة.

• بإمكاننا على الدوام أن نفرض القضية الفلسطينية على جدول أعمال الحالة العربية، الشعبية والرسمية معاً، وأن نحشر الحالة العربية الرسمية إذا ما سلكنا طريق الإنتفاضة والمقاومة الشعبية ضد الإحتلال والإستيطان.

• بإمكاننا أن نجتذب التأييد العالمي، في قارات العالم كلها، إذا رفعنا قضيتنا مرة أخرى، من قضية تفاوضية إلى قضية نضال شعب من أجل حقه في الحياة والكرامة الوطنية.

وهذا طريقه، كما قالت اللجنة التنفيذية (12/8) إعادة تحديد العلاقة مع إسرائيل بإعتبارها إحتلالاً إستيطانياً إستعمارياً وعملاً عدوانياً يومياً ضد شعبنا وأرضنا. التصدي للإحتلال والإستيطان والإستعمار والعدوان عمل مشروع طريقه المقاومة والإنتفاضة الشعبية.

• وبإمكاننا أيضاً أن نحيّد الدور الأميركي، كما تمّ تحييده في إنتفاضة القدس والأقصى.

• وأخيراً، وليس أخراً، بإمكاننا أن نرغم نتنياهو على التراجع خطوة خطوة إلى الوراء، والتسليم، خطوة خطوة، بالحقوق الوطنية.

• مرة أخرى .. المقاومة والإنتفاضة هما السبيل.

• مرة أخرى .. لا مخرج من الأزمة السياسية إلا ببرنامج  الفعل في الميدان .. وفي تدويل القضية والحقوق.