كرّست القرارات التي اتخذتها الحكومة التركية (25/8)، بشأن الاستخبارات المنحى التسلطي الذي يوغل فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ الاستفتاء على الإصلاحات الدستورية في نيسان/ أبريل الماضي، التي نقلت البلاد من نظام حكم برلماني إلى نظام رئاسي.

وكانت الحكومة أقرّت مرسومين؛ أُلحق بموجب أحدهما «جهاز الاستخبارات الوطنية» بالرئيس أردوغان، بعدما كان تابعاً لرئاسة الوزراء، فيما ستقود رئاسة الاستخبارات هيئة جديدة أطلق عليها «مجلس تنسيق المخابرات الوطنية»، مع منح أردوغان صلاحيات ترؤسها، وذلك في إطار توسيع سلطاته وإحكام قبضته على مؤسسات وأجهزة الدولة.

تطويع الاستخبارات

ورأى مراقبون أنّ ربط جهاز المخابرات بالرئيس التركي، يعتبر محاولة منه لتطويع هذا الجهاز وتحويله إلى أداة بين يديه، يستخدمها كما يشاء، بموجب قانون الطوارئ الذي فُرض بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو من العام الماضي.

وبحسب المرسوم، ينبغي الحصول على إذن من الرئيس أردوغان للتحقيق مع رئيس المخابرات الوطنية. كما يتعين الحصول على موافقة الرئيس على أي طلب متعلق برئيس المخابرات، وهو حالياً هاكان فيدان، للإدلاء بشهادة في المحكمة.

كما أقيل أكثر من 900 موظف حكومي، بموجب المرسوم الثاني، بينهم موظفون في وزارات الدفاع والخارجية والداخلية إضافة إلى موظفين عسكريين. كما جردت السلطات التركية عشرة جنرالات متقاعدين من رتبهم. وفي المقابل، أعاد المرسوم مئات الموظفين الآخرين إلى وظائفهم في الأجهزة الأمنية وسلك القضاء بعد وقفهم عن العمل بشبهة الاتصال بشبكة غولن.

وكمثال آخر على تعزيز سيطرة أردوغان على المؤسسات العامة، قام شخصياً باختيار عمداء الجامعات، للمرة الأولى منذ صدور مرسوم الطوارئ المثير للجدل في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وستفتح التغييرات القانونية المستحدثة الباب أيضاً أمام تحقيقات مع نواب برلمانيين في مزاعم ارتكاب جرائم، قبل أو بعد انتخابهم. وجاءت هذه الإجراءات ضمن سلسلة من التدابير لتطبيق تعديلات أيدها الناخبون في الاستفتاء الماضي بهدف تعزيز سلـــطات أردوغان وإنشاء رئاســـة تنفيذية. وستسري معظم تلك التعديلات بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2019.

ورأت مصادر تركية أنّ صدور قرار بطرد المئات من الموظفين بالتزامن مع القرار المتعلق بالمخابرات، يعكس حالة من التوجس ما زالت مستمرة لدى السلطات التركية، ويوحي بأن طبيعة التحديات التي قد تواجه نظام الحكم في أنقرة، داخلياً وخارجياً، ربما باتت تتطلب إشراف أردوغان شخصياً على أنشطة الاستخبارات وسياسات رئيسها.

ولفت مراقبون إلى أن إشراف الرئيس التركي على جهاز المخابرات يرتبط بإدارة عدد من الملفات الخارجية، منها ملف حزب العمال الكردستاني وامتداداته في شمال العراق وسوريا. وأضاف هؤلاء أن الجهاز مسؤول أيضاً عن «العلاقات المشبوهة» التي نسجتها تركيا في السنوات الأخيرة مع الجماعات المتطرفة، بما في ذلك داعش والنصرة. وعليه، فإن أردوغان يريد الإمساك به عن قرب لإدارة شبكة العلاقات هذه بما يخدم الأجندة التركية المقبلة.

القضاء على التعددية

واعتبرت أوساط سياسية تركية أن الإجراءات التي تتخذها حكومة حزب العدالة والتنمية تثبت أن أردوغان والحزب الحاكم يشعران بضعف بنية النظام السياسي الذي يتعرض لمزيد من الانتقادات الداخلية والخارجية، ناهيك عن حالة الفوضى التي تشوب سياسة تركيا الخارجية، والتي جعلتها في حالة توتر مع أغلب العواصم الإقليمية والعالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا وبقية الحلفاء الأطلسيين، فضلاً عن معظم الدول المجاورة لها.

ورأت تلك الأوساط أن أردوغان، ورغم حملات التطهير التي خاضتها حكومته داخل الأجهزة الحكومية المدنية والعسكرية والأمنية، ورغم تمرير الاستفتاء الدستوري، ولو بأغلبية ضئيلة (51,3 %)، فإنه مستمرّ بالإيحاء للأتراك والعالم بأن البلاد عرضة لاحتمالات الانقلاب على حكمه، ومن خلال أجهزة الدولة نفسها.

غير أن مصادر أخرى معارضة اعتبرت أن أردوغان وفريقه الحاكم يعملان على «تطهير» مؤسسات الدولة من أي صوت معارض، وذلك من خلال الاتهام بالانتماء إلى ما يطلق عليه اسم «الكيان الموازي»، حسب الوصف الرسمي الذي يطلق على تيار الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، والذي تحمله السلطة التركية مسؤولية محاولة الانقلاب، أو من خلال الاتهام بالانتماء إلى، أو العلاقة مع، حزب العمال الكردستاني.

وشدّدت المصادر على أن هذه الاتهامات تطلق «جزافاً» من دون أي سند قانوني، وأن حالات الطرد الجماعي تنفذ دون أي رقابة قانونية، بما يبعد تركيا أكثر فأكثر عن تحقيق شروط الاقتراب من عضوية تركيا للاتحاد الأوروبي.

وذهب ناشطون أتراك إلى حدّ اعتبار أن القرارات الجديدة هي جزء من سياق كامل للقضاء على الاختلاف والتنوع والتعدد السياسي والحقوقي والإعلامي في البلاد. وسبق وأن اتهمت الروائية التركية أليف شفق، الرئيس أردوغان بأنه يقود البلاد إلى نفق مظلم لا نهاية له، وقالت إن أسلوبه في الحكم زاد استبداداً مع مرور الوقت.

تقييد الحريات

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة، قامت السلطات بطرد أو تعليق مهمات أكثر من 140 ألف موظف، لاتهامهم بالارتباط بغولن. كما اعتقل أكثر من 50 ألف شخص بينهم صحافيون بموجب قانون الطوارئ. كما جرت حملة تطهير واسعة في صفوف الجيش أيضاً، فتم إقصاء 149 من الجنرالات والأميرالات يمثلون نصف الضباط من هذه الرتب.

وبموجب أحد المرسومين الجديدين أُغلقت ست مؤسسات، بينها ثلاث وسائل إعلام في جنوب شرقي تركيا، على غرار وكالة «دجلة» للأنباء، ومقرها دياربكر ذات الغالبية الكردية. وقبلها، أغلقت العشرات من وسائل الإعلام بينها صحف وشبكات تلفزيون، في حملة أثارت قلق المنظمات الحقوقية والهيئات الأوروبية على حرية الصحافة والحريات العامة في عهد أردوغان، وخصوصاً بعد تطبيق حال الطوارئ المعمول بها. يذكر أنّ تركيا تشغل المرتبة 155 من أصل 180 في «لائحة 2017» لحرية الصحافة التي تضعها منظمة «مراسلون بلا حدود».

وإثر ذلك، واجه أردوغان انتقادات غربية حادة بسبب انتهاك حقوق الإنسان ومصادرة الحريات، بعد أن اعتمدت السلطات التركية بشكل لافت على أساليب القمع والاعتقالات لترهيب خصوم الرئيس وإسكات معارضيه!!.

 

المعارضة التركية تتحدى أردوغان بـ«مؤتمر من أجل العدالة»

عقد زعيم حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي)، كمال كليتشدار أوغلو، مؤتمراً من أجل العدالة (26/8)، استمر لأربعة أيام للتنديد بالانتهاكات المنسوبة للرئيس رجب طيب أردوغان.

وعقد المؤتمر في ساحة مكشوفة في محافظة جاناكالي (شمال غرب)، وشمل كل يوم جلسات تطرقت إلى مختلف انتهاكات حقوق الإنسان التي تنسب إلى السلطة التركية.

وقد ارتدى اختيار حزب الشعب الجمهوري «جاناكالي» طابعاً رمزياً كبيراً، إذ أنها شهدت معركة غاليبولي التي صدّ خلالها الجيش العثماني القوات المتحالفة أثناء الحرب العالمية الأولى. وباتت هذه المعركة رمزاً للمقاومة التي أدت إلى تأسيس مصطفى كمال اتاتورك الجمهورية التركية الحديثة في 1923.

وكان كليتشدار أوغلو قطع في بداية صيف 2017، مشياً على الأقدام، نحو 450 كلم هي المسافة بين أنقرة واسطنبول، للاحتجاج على اعتقال نائب من حزبه هو أنيس بربير أوغلو، الذي حكم عليه بالسجن 25 عاماً لتسريبه معلومات سرية إلى صحيفة «جمهورييت» المعارضة.

ورفع خلال تلك المسيرة شعار واحد هو «العدالة». وقد بلغت أوجها لدى وصولها إلى اسطنبول، حيث جمعت مئات آلاف الأشخاص فيها. ونظمت من دون مشاكل وسط حماية من قوات الأمن.

وقد أزعجت هذه المسيرة الطويلة ونجاحها بشدة أردوغان، وألمح مراراً إلى أن كليتشدار أوغلو قد يتعرض للتحقيق، لكن مسؤولين في الحكومة شددوا على أن لا شيء من هذا قيد الإعداد.

وفي مؤشر على التوتر بين أردوغان وكيليتشدار أوغلو، انتقد الرئيس التركي صورة لزعيم المعارضة وهو يتناول الغداء في مقطورته أثناء المسيرة التي نظمها وقد ارتدى قميصاً بلا أكمام.

ورد عليه أوغلو قائلاً: «أنا أتحدث عن العدالة وهو يتحدث عن قميص بلا أكمام»، مشيراً إلى أنه «انسان عادي وبسيط، ولم يأت من قصر».

 

ويتم تشبيه كيليتشدار أوغلو أحياناً من قبل أنصاره بالزعيم الهندي المهاتما غاندي. وأبدى أردوغان امتعاضه من وصف زعيم المعارضة في صفحة أولى لصحيفة بأنه «المواطن كمال»!.