يبدو أن الخلاف بين حليفي الحكم في صنعاء يوشك على الانفجار، بسبب الاتهامات المتبادلة من الجانبين على خلفيّة «رفض صالح وحزبه هيمنة الحوثييّن على مقاليد السلطة والموارد الاقتصادية في صنعاء والمحافظات التي تحت سيطرتهم»، وهيمنة اللجنة الثورية الحوثيّة على حكومة الائتلاف، وتغيير مناهج التعليم وفق أهواء وتوجّهات مذهبيّة وسلاليّة.

وقد أفادت المعلومات الواردة من العاصمة اليمنية صنعاء عن تصاعد المؤشرات الدالة على التوتر، ووصول الأوضاع إلى حافة الانفجار بين حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيين، وذلك بعد الاشتباك المحدود الذي حدث بين مقاتلين حوثيين وعناصر من «الحرس الجمهوري» الموالي للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في أحد أحيائها (26/8)، قرب منزل نجل صالح وسط صنعاء، أسفرت عن مقتل ضابط برتبة عقيد في القوات الموالية لصالح، وثلاثة مُسلّحين حوثيين، إضافة إلى جرح عدد آخر من مسلحي الطرفين.

وعلى رغم تدخل كبار القيادات من الطرفين لاحتواء الأزمة، إلا أنّ أجواء الحذر والرعب خيّمت على سكان العاصمة في ظلّ عملية التصعيد المتبادل، خصوصاً من جانب القوات الحوثية التي عزّزت من وجودها العسكري بكثافة، كما عزّزت من آلياتها العسكرية بكثافة في محيط صنعاء ومداخلها ومخارجها، في شبه حصار لصنعاء وسط توقّعات بانفجار الموقف عسكرياً في أي وقت.

ونقلت مصادر يمنية أنه يمكن تلمّس حال الاحتقان بوضوح من خلال تحركات أمنية لعناصر من كلا الطرفين وسحب قوات من بعض المناطق والدفع بها إلى مناطق أخرى. وأضافت المصادر أن شدّة التحفّز لدى كل طرف ومخاوفه من أن يبادر الطرف الآخر للهجوم عليه، تجعلان الوضع قابلاً للانفجار في أية لحظة، وربما مع أول ضغطة على الزناد ولو عن طريق الخطأ.

وانعكست حال الاحتقان تلك في دعوة قيادات حوثية رفيعة إلى إعلان حالة الطوارئ في صنعاء لمواجهة من أسموهم بـ«الطابور الخامس»، وكذلك في المعلومات غير المؤكدة التي تتحدث عن فرض الإقامة الجبرية على صالح في مقر إقامته بصنعاء. وحسب وسائل إعلام يمنية، فإن الحوثيين طلبوا من صالح عدم مغادرة مكان إقامته، وأبلغوه أنهم «غير مسؤولين عن أمنه».

حصار ومنع مغادرة

وقد أعلنت مصادر مقربة من حزب «المؤتمر» أن هناك «عملية استفزاز كبيرة» من الحوثيين لصالح، من خلال استحداث نقاط تفتيش في محيط منزله ومنزل نجله أحمد في العاصمة. كما كشفت المصادر أن الحوثيين أصدروا تعميماً بمنع صالح وقيادات حزبه وأعضاء في مجلس النواب من مغادرة صنعاء.

وأشارت المصادر إلى أن صالح بات يخشى على حياته من الحوثيين، وطالب أتباعه بالتزام الهدوء، وسط حال غضب واستياء من قيادات حزبه وأنصاره، التي باتت تطالبه وتضغط عليه لفض شراكته مع الحوثيين.

وبدأت ملامح الأزمة بين الطرفين تخرج إلى العلن، منذ أن قرّر صالح الاحتفال بالذكرى الـ35 لتأسيس حزبه (24/8)، باستعراض كبير لقاعدته الجماهيرية في ميدان السبعين بصنعاء بمعزل عن حلفائه الحوثيين، وهو ما أثار مخاوفهم.

وعلى رغم اختصار الخطاب الذي ألقاه أمام أنصاره واعتماده لهجة مخفّفة ومهادنة فيه، إلا أن ذلك لم «يشفع» له أمام الحوثيين ولم يفلح، كما يبدو، في تهدئة مخاوفهم، فقد اعتبروا أنّ تحركات ومواقف صالح الأخيرة تندرج في إطار «ضوء أخضر إقليمي لهزيمة الحوثيين»، وذلك من خلال اتفاقه مع دول في «التحالف العربي» من أجل إسقاط صنعاء، عبر عدم رفد جبهات القتال بالمقاتلين، وسحب عناصره المسلحة من جبهات القتال، ضمن صفقة تتيح له العودة إلى الحكم.

وقد عكست أعداد مناصري صالح الذين شاركوا في الاحتفال، النفوذ الكبير الذي لا يزال يتمتع به هذا الرجل وحزبه؛ إذ أنه حافظ على حضوره القوي رغم النزاع المسلح وحركة الاحتجاج التي أجبرته على مغادرة السلطة قبل سنوات، بعدما حكم البلاد لعقود.

«مؤامرة انقلابية»؟

وذهب البعض حدّ القول إنه في ظل التوجس والقلق المتعاظم الذي ينتاب الحوثيين، فإنهم كانوا يتخوفون من «مؤامرة انقلابية كان يُعدُّ لها صالح»، وهو ما دفعهم الى إحكام قبضتهم على كل المنافذ الحيوية للعاصمة تحسباً لأية تطورات يمكن أن تَباغتُهم دونما استعداد لها. وعلى ذلك، تحدثت المصادر عن قيام «أنصار الله»، باستقدام مئات الأطقم العسكرية من صعدة وعمران لتطويق العاصمة من الجهات الشمالية والشرقية والغربية.

ذكر مقرّبون من «أنصار الله» أنّ الحركة فوجئت بقبول الرئيس السابق على عبدالله صالح مقترحاً تقدمت به دولة الإمارات العربية المتحدة لأجل إعلان وقف لإطلاق النار في كل اليمن، وقيام حكومة انتقالية في صنعاء يتولى أحمد صالح، نجل الرئيس السابق، رئاستها، وتضم جميع الأطراف المعنية بالأزمة، وتعترف بها الأمم المتحدة كمرجعية واحدة للسلطة في اليمن، على أن تشرف هذه الحكومة على الإمساك بالأوضاع الأمنية والعسكرية وإدارة الدولة، في مقابل تعهد الإمارات ومعها السعودية بتمويل عملية إعادة إعمار كبيرة.

واتهمت «أنصار الله» صالح بأنه قد أعدّ احتفالية عيد تأسيس حزب «المؤتمر الشعبي» لإعلان قبوله بالمبادرة، وبالتالي تخليه عن الحرب. وهذا ما جعل «أنصار الله» تتصرف على أنها أمام محاولة انقلابية، سيما أنّ مسؤولين فيها يشكون من أنّ رجال صالح بدأوا التمهيد من خلال تحميل «أنصار الله» مسؤولية الفشل في إدارة الحياة اليومية للناس. كذلك اتهموه بأنه سعى خلال الشهرين الماضيين إلى كسب ودّ قبائل وعشائر من خلال إغراءات مالية بهدف ضمان تأييدهم صيغة الحل.

وفي المقابل، اعتبر حزب المؤتمر أن العقيد خالد الرضي، نائب رئيس دائرة العلاقات الخارجية في الحزب، «تم الغدر به من قبل جماعة وصف أعضاءها بأنهم لا يعرفون الأخلاق والعهود والمواثيق»، في إشارة إلى جماعة الحوثي. ورأى أن «السكوت عن هذه الحادثة قد يفتح الباب لجرائم كثيرة من هذا النوع إذا تم التهاون مع القتلة».

وطالب الحزب «المجلس السياسي الأعلى»، وهو أعلى سلطة تنفيذية تدير صنعاء حالياً، بفتح تحقيق عاجل لكشف حيثيات مقتل الرضي، وتسليم القتلة ومن يقف خلفهم للقضاء وللرأي العام .

وإلى ذلك، تتعزّز المخاوف لدى حزب «المؤتمر»، من امتداد نفوذ الحوثيين إلى ذلك الجزء الجنوبي من العاصمة، حيث توجد القوات الموالية لصالح ومنازل أبنائه وأقاربه والامتداد القبلي المحسوب عليه. ولم تكن أحداث «جولة المصباحي» التي قتل فيها الرضي، إلا تجلياً للخشية المتعاظمة لدى «المؤتمر» من احتمال كهذا.

تهدئة هشّة

وعلى رغم التهدئة التي أقرّت في صنعاء، والاتفاق على إزالة نقاط التفتيش المستحدثة من قبل الطرفين، وفتح تحقيق في ملابسات الاشتباك الذي أودى بحياة الرضيّ، إلا أنّ هذه التهدئة بدت هشة جداً، وليست سوى محاولة لتأجيل الصدام بين الطرفين بعدما وصل الاحتقان بينهما إلى درجة تحريض ومطالبة قيادات حوثية كبيرة بالتخلّص من علي صالح، واجتثاث حزبه من الساحة السياسية في اليمن، في حين طالبت غالبية أعضاء حزب صالح بفضّ التحالف مع الحوثيين واتهامهم بعدم الوفاء بالعهود.

وفي هذا السياق، سُجّلت تحركات قبلية احتجاجية، كون خالد الرضي يُعدّ وجهاً بارزاً من وجوه قبيلة «حاشد». وقد توافد العشرات من زعماء القبيلة إلى منزل الشيخ أحمد زيد الرضي، والد القتيل، للمطالبة بتسليم قتلته. ولعل أخطر ما في تلك التحركات هو بروز أصوات من «حاشد» تدعو إلى التخلي عن «أنصار الله» وحثّ أبناء القبيلة على الانسحاب من القتال إلى جانب الحركة. وفي ذلك مؤشر بالغ الوضوح إلى ما يمكن أن تذهب إليه الأمور في حال سفك مزيد من الدماء من الجانبين.

ويخلص البعض إلى أن «الخلاف عميق جداً بين الطرفين، وقد كان مدفوناً تحت الرمال في السابق، وكل طرف منهم يجامل الآخر ويده على الزناد». وعليه، فإنّ أزمة الثقة باتت عميقة، ووصلت إلى مستوى تحتاج معه إلى أكثر من كلمات تطمين، إن لم نقل أنّ الطرفين مقبلان على عملية «ليّ ذراع كبرى» قد يكون أساسها ومنطلقها السيطرة على صنعاء، وهو ما يفسّر ارتياب كلّ منهما بالطرف الآخر؟!.