سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى «تطييب خاطر» القاهرة وتهدئة قلقها، بعد يومين من التدابير التي اتخذتها إدارته بتقليص المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر، التي تبلغ 1,3 مليار دولار سنوياً. واتصل ترامب هاتفياً بنظيره المصري عبدالفتاح السيسي (24/8)، ليعرب عن حرصه على «مواصلة تطوير العلاقات بين البلدين وتجاوز أي عقبات قد تؤثر عليها»، حسب بيان الرئاسة المصرية.

وكانت واشنطن قررت تخفيض 295 مليون دولار من برنامج المساعدات المخصّص لمصر، وذلك عبر تخفيض بعض مكونات الشق الاقتصادي من البرنامج، وتأجيل صرف بعض مكونات شقه العسكري، مبرّرةً الإجراء بسبب «البطء في تحسين ملف حقوق الإنسان واستمرار التضييق على الحريات الشخصية وعمل الجمعيات الأهلية».

وأشارت مصادر أميركية، على وجه الخصوص، إلى قانون الجمعيات الأهلية الجديد الذي ينظر إليه على أنه جزء من حملة متصاعدة على المعارضة، في وقت لطالما اتهمت فيه الحكومة الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان بـ«تلقي تمويل أجنبي لنشر الفوضى». ويواجه عددٌ منها تحقيقات في مصادر تمويلها.

والتقى الرئيس السيسي ووزير خارجيته سامح شكري جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد أقرب مستشاريه في القاهرة (23/8)، لكنّ بياني الرئاسة والخارجية الصادرين بعد الاجتماع لم يتطرقا إلى موضوع المساعدات، بل أكدا «حرص مصر على تعزيز العلاقات المتشعبة التي تجمع البلدين في مختلف المجالات».

وفي البداية، توقع المحللون أن تتأثر العلاقات المصرية الأميركية سلباً، وخصوصاً بعد أن انتقدت الخارجية المصرية القرار وقدّرت أنه «ستكون له تداعيات سلبية»، وقالت بأنه «يعكس تخبّط واشنطن وسوء تقديرها لطبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين»، كما رأت أنه يعبر عن «نهج يفتقر للفهم الدقيق لحجم وطبيعة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه الشعب المصري»، لكن سرعان ما تبيّن أن هذا التوقّع مبالغ فيه، وأنّ الأمور لن تذهب بعيداً بين الدولتين.

دواعي القرار؟

وفيما عزا مراقبون القرار الأميركي إلى وضع حقوق الإنسان في مصر، وتشريعات أقرتها القاهرة في الآونة الأخيرة، «تزيد الرقابة على الإعلام والناشطين ومنظمات حقوقية»، تحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أن صلات مصر مع كوريا الشمالية، وعمرها عقود، باتت تشكل «مصدر قلق للأميركيين».

وكان ملف «انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على عمل الجمعيات الأهلية» في مصر، أكثر المنغصات التي أثرت على علاقة مصر بالولايات المتحدة إبان فترة أوباما، وبسببه جرى خفض المساعدات مطلع 2014 ثم أعادها أوباما قبل انتهاء ولايته.

ورأى مراقبون أن تغير الموقف الأميركي في عهد ترامب، بعد فترة من تحسن العلاقات مع مصر واعتبار السيسي حليفاً للولايات المتحدة، يعكس إخفاق القاهرة في عزل ملف الأوضاع الحقوقية بعيداً عن العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن.

ولم تنجح القاهرة إلى الآن في إقناع الحكومات الغربية بأن إقرار قانون يتعلق بالجمعيات الأهلية، والذي دخل حيز التنفيذ بقرار من السيسي في أيار/ مايو الماضي، «ضروري لحماية الأمن القومي المصري».

ويشتكي حقوقيون مصريون من تراجع حقوق الإنسان في البلاد مؤخراً، وممارسة مضايقات شديدة على العمل الأهلي، في ظل تشديد الرقابة الأمنية على الجمعيات والمنظمات العاملة في هذا المجال. وطالب حافظ أبوسعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، بضرورة إعادة النظر في قانون الجمعيات الأهلية الذي أثار انتقادات شديدة محلياً وغربياً قبل إقراره في البرلمان، وخاصة أنه «صار يشكل سبباً لتعكير صفو علاقات مصر مع حلفائها».

ونقل أنّ مسؤولين أميركيين شعروا بالاستياء لسماح الرئيس السيسي في أيار/ مايو الماضي، بدخول قانون الجمعيات الأهلية حيز التنفيذ، بعد أن أكدّ لهم مسؤولون مصريون، في وقت سابق، أن القانون، (الذي يقصر نشاط المنظمات الأهلية على العمل التنموي والاجتماعي ويفرض عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات على المخالفين)، لن يتم إقراره.

وقال مراقبون إن ثمة تحوّلاً سلبياً بدأ يطرأ على العلاقات بين القاهرة وواشنطن، مع إصرار إدارة ترامب على التعامل مع القاهرة بنفس سياسة إدارة باراك أوباما السابقة، أي عبر الضغط عليها واستخدام ورقة المساعدات، وذريعة «تراجع الحريات وتدني حقوق الإنسان».

وأضاف المراقبون أن القاهرة تدرك أن «القرار الأميركي يمثل ورقة ضغط عليها»، لكنها تعتبر أيضاً أنه «يأتي في إطار التخبط الواضح في الإدارة الأميركية وتعدد دوائر صنع القرار، حيث للبيت الأبيض سياسة مختلفة عن الخارجية، كما أن سياسة الكونغرس تختلف عن الاثنين معاً»؟!.

 

 

 

خفض مساعدات مصر.. حقوق الإنسان آخر الأسباب       

اعتبر المراقبون أن قرار الكونغرس الأميركي بإرجاء أو إلغاء مساعدات بقيمة 295 مليون دولار إلى مصر، كان مفاجئاً في توقيته ومبرراته؛ أولاً لأنه جاء في ظل تحسّن كبير في العلاقات الأميركية المصرية، منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه، وثانياً دخول كوريا الشمالية على خط الأسباب التي طرحت في تفسير أو تبرير الخطوة الأميركية؟.

ولم ينجح الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره المصري في تخفيف الجدل الدائر حول هذا القرار وأسبابه؛ فمضمون الاتصال يتعارض مع قرار خفض المساعدات من جهة، وهو يعكس التضارب والارتباك اللذين يسودان صناعة القرار السياسي حالياً في العاصمة الأميركية، من جهة ثانية، بالنظر إلى تعدّد مراكز صناعة القرار والتنافس المحتدم في الوقت الراهن، ليس بين الإدارة وكلّ من الكونغرس والخارجية فحسب، بل وداخل البيت الأبيض نفسه.

صحيح أن مكالمة ترامب مع السيسي تشكل رسالة جيّدة وتوحي أن «الرئيس الأميركي لا يريد أن يخسر مصر كقوة إقليمية»، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أنه ليس بإمكانه فعل شيء أو تغيير هذا الموقف، وبالتالي فإن «ما يحدث داخل الكونغرس والخارجية بحاجة إلى مجهود مصري مضاعف لتغيير هذه النظرة».

ولفت خبراء وسياسيون مصريون إلى أن المشكلة الحقيقة تكمن في أن هناك دوائر دبلوماسية وسياسية مصرية مازالت تصرّ على أن تتعامل مع الإدارة الأميركية على أنها «الرئيس فقط»، وتعتقد أن تقوية العلاقات معه هي «وحدها الضمانة الحقيقية لأن تكون القاهرة وواشنطن صديقتين وحليفتين ويمكنهما التلاقي في مختلف الاتجاهات»!.

وأشاروا إلى ضرورة التفريق بين ترامب وبين أميركا، لأن الولايات المتحدة ليست ترامب، والاعتماد عليه في كل شيء خاطئ، ويجب تغيير هذه الثقافة، لأن «أميركا دولة مؤسسات وكيانات لها خصوصية شديدة، ومنها ما يعادي مصر بشكل واضح».

وشدّد هؤلاء على أن ترامب كرئيس لا يمكنه تغيير المناخ العدائي داخل بعض اللجان الحيوية والمؤثرة في الكونغرس تجاه مصر، وبالتالي فإن «اللعب على البيت الأبيض كورقة رابحة بمفرده ربما يجلب على القاهرة المزيد من الخسائر ويبقي علاقتها بدوائر صناعة القرار الأميركي مثلما كانت عليه خلال فترة الرئيس السابق باراك أوباما».

واستبعد خبراء عسكريون في مصر أن يؤثر قرار تقليص المساعدات على العلاقات الاستراتيجية والعسكرية بين الجيشين المصري والأميركي، سيما وأن وزارة الدفاع الأميركية تؤيد التعاون العسكري مع القاهرة ضمن استراتيجية القضاء على الإرهاب، وترفض سياسة تقليص المساعدات العسكرية التي يرعاها الكونغرس. كما تريد الإدارة الأميركية أيضا أن تحتضن القاهرة بصورة أكثر حماساً «الجهود الأميركية لإعادة تركيز التعاون العسكري على مكافحة الإرهاب».

كوريا الشمالية وروسيا

لكن الأمر الأكثر حساسية، وفق عدد من المحللين، هو أن الولايات المتحدة تضغط على مصر لـ«التوقف عن استضافة العمال الكوريين الشماليين، ووقف تقديم فوائد اقتصادية أو عسكرية لكوريا الشمالية». مشيرين إلى أنّ ترامب أكد على ذلك خلال مكالمة هاتفية مع السيسي في 5 تموز/ يوليو الماضي.

وكانت مصادر أميركية تحدثت عن «زيادة التعاون العسكري بين القاهرة وبيونغ يانغ في الشهور الأخيرة». وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، «يبدو أن الضغوط الأميركية على مصر هي جزء من سياسة أوسع لأميركا ترى أن كوريا الشمالية ليست مشكلة فقط لواشنطن وسيول وطوكيو، بل مشكلة عالمية».

وإلى ذلك، أضاف بعض المراقبين أنّ العلاقات المصرية الروسية تندرج أيضاً ضمن قائمة الأسباب التي تقف وراء القرار الأميركي، خصوصاً وأن القاهرة تؤكد على الدوام تمسّكها بتطوير علاقاتها الثنائية مع موسكو والحفاظ على قنوات التشاور مفتوحة بينهما.

وعلى ذلك، فقد استبعد كثيرون أن يكون الملف المتصل بحقوق الانسان أو الجمعيات الأهلية الحقوقية هو السبب الحقيقي وراء الإجراء الأميركي بشأن المساعدات، ورأوا أنّ الولايات المتحدة «تتخذ الملف الحقوقي ستارا للضغط لتحقيق أهداف أخرى»!.