أسابيع قليلة وتعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة دورة اجتماعاتها؛ وسيعرض قادة الدول وممثلوها ما يخصها من شؤون وشجون وما يمس مصالحها من قضايا الآخرين. وبالطبع ستكون القضية الفلسطينية حاضرة على جدول اجتماعات هذا المنتدى الدولي.

وعشية كل دورة، تشهر قيادة السلطة الفلسطينية عزمها القيام بخطوات «جديدة» غير مسبوقة تضع الاحتلال الإسرائيلي تحت مجهر القانون الدولي من خلال الاحتكام للمؤسسات الدولية وبخاصة «الجنائية الدولية» حول جرائم الاحتلال وفي المقدمة منها الاستيطان.

وباستثناء ما حصل خريف العام 2012، تنفض اجتماعات الجمعية العامة وقد تحول الحضور الفلسطيني فيها إلى عريضة شكوى مما يتعرض له الشعب الفلسطيني وحقوقه على يد الاحتلال؛ وتبقى «نوايا» محاكمة إسرائيل مجرد إشارات بانتظار خروج عملية التسوية من حالة الموت السريري التي تنتابها.

تواصل إدارة ترامب إطلاق الإشارات بأنها «مهتمة» بإطلاق عملية التسوية مجدداً؛ لكنها لا تقدم إلى المفاوض الفلسطيني أية إجابة شافية أمام سيل تساؤلاته عن محددات الرؤية الأميركية تجاه هذه التسوية، وعن الدور الذي يمكن أن تقوم به واشنطن تجاه ذلك. وكل ما هنالك أن إدارة ترامب بحاجة إلى «القليل» من الوقت كي تبلور رؤيتها، كما يعلن كوشنر مستشار الرئيس الأميركي.

مقابل ذلك، لا تحتاج هذه الإدارة وقتاً كي تعرف ما يجب على السلطة الفلسطينية أن تقوم به، وتعرف أكثر ما لا ينبغي أن تقدم السلطة على فعله، وفي مقدمة الممنوعات الاحتكام إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها في ما يقوم به الاحتلال من جرائم.

ووفق رؤية الولايات المتحدة عبر إداراتها التي واكبت عملية التسوية، يحظر طرح أي من القضايا الأساسية في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني خارج حلبة التفاوض؛ حتى في حال جمود عملية التسوية أو توقفها كما هو حاصل الآن. لكن الجديد مع إدارة ترامب أنها تفصل تماماً ما بين «الواجبات» التي على السلطة القيام بها وما بين الحقوق الفلسطينية التي يمكن أن تأخذها هذه الإدارة بنظر الاعتبار عند تحريك عملية التسوية واستئناف المفاوضات.

ومع مرور الوقت، تواصل إدارة ترامب تخفيض سقف توقعات المفاوض الفلسطيني، وتوضح له أن كثيراً من قضايا الصراع باتت رهن الوقائع المادية التي كرسها الاحتلال على الأرض، ومن بين هذه القضايا كلُّ من الاستيطان والقدس والحدود؛ وهي الركائز الأساسية التي تمكن من قيام الدولة الفلسطينية في حال تم حسمها ربطاً بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

ما سبق يظهر التطابق بين موقفي واشنطن وتل أبيب، وهذا هو ما أزال  التوجس الذي كانت تبديه الحكومات الإسرائيلية كلما تجدد الحديث عن ضرورة إحياء عملية التسوية واستئناف التفاوض، وخاصة أن كلا من إدارة ترامب وحكومة نتنياهو متوافقتان على صفقة «السلام الإقليمي» وتركيز البحث في الموضوع الفلسطيني على تحسين مستوى معيشة السكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967.

لذلك، عندما تطلب واشنطن من قيادة السلطة الفلسطينية عدم التوجه بقضايا الصراع إلى الأمم المتحدة فإن هذا الطلب (الإيعاز) لا يأتي ضمن عرض يقابله. أي لا توجد صفقة يمكن أن تنتظرها السلطة. وبالتالي فإن تجميد المسعى نحو الأمم المتحدة تنازل مجاني بحت.

في خريف العام 2012، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة ميداناً لمعركة سياسية وديبلوماسية وقانونية فاز بها الفلسطينيون،  وأقرت الجمعية بغالبية أعضائها ترقية وضع فلسطين في المنتدى الدولي، واعترفت بها دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ووفق ذلك أتيح لها الانتساب إلى عشرات المؤسسات الدولية على رأسها «الجنائية الدولية» و«اتفاقات جنيف» وملاحقها.

سبق هذا الإنجاز وواكبه سيل من الضغوط الأميركية والإسرائيلية ترافقت مع تهديدات بعقوبات مالية واقتصادية وغيرها. ومع ذلك، أدى توافر الإرادة السياسية الموحدة باستكمال المسعى الفلسطيني إلى التفاف معظم أعضاء الجمعية العامة حول المطلب الفلسطيني ، والتصويت لصالحه في ظل «مساواة» في احتساب الأصوات حيث لا فيتو يتمتع به أحد على قرارات الجمعية العامة. لكن قيادة السلطة اكتفت عند هذا الحد. ولم تستجب للدعوات الوطنية التي طالبت باستكمال الإنجاز الفلسطيني والتقدم لاحقاً بطلب منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، بالتزامن مع تفعيل العضوية الفلسطينية في محكمة الجنايات والتقدم بشكاوى ضد جرائم الاحتلال. واتضح أن السلطة الفلسطينية تجاوزت ترددها عندما تحركت نحو الأمم المتحدة، لكنها لم تتجاوز سقفها السياسي الذي بقي دون خوض معركة مفتوحة مع الاحتلال في الميدان والسياسة. وكان ذلك بمثابة العصا التي أوقفت دولاب عربة الانطلاق نحو فتح الآفاق أمام العمل الوطني الفلسطيني.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات جدية تقول بأن السلطة قد تكرر تجربة تجاوز ترددها كما حصل في العام 2012. وبذلك، تبقي على سياستها الانتظارية، لكن هذه المرة دون وعود معلنة باستثناء القيام بخطوات جزئية ذات طابع اقتصادي بحت دون الاقتراب من البحث في قيام الدولة الفلسطينية.

ضمن هذه المعادلة، لا يوجد ما يقلق الاحتلال عشية انعقاد الجمعية العامة كما حصل قبل سنوات. ومع ذلك، تتحضر تل أبيب لاجتماعات الدورة القادمة كي تمنع أية خطوات أو اقتراحات تمس بالاحتلال ومشاريعه، مستأنسة بالضغط الأميركي على الأمم المتحدة لمنع إعلان «قائمة سوداء» بشركات مرتبطة بالاستيطان وتمويله، وهي القائمة التي يستعد مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية لإعلانها.

وعلى الرغم من إعلان تل أبيب استهتارها بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلا أنها لا تدير ظهرها لما يجري أو يمكن أن يجري تحت قبتها. ومنذ الآن وربما قبل ذلك، تشكل إدارة ترامب وحكومة نتنياهو غرفة عمليات مشتركة لمنع صدور أي قرار يتعارض مع مصالح الدولة العبرية، إن كان عن طريق الفلسطينيين أو غيرهم. ومع زيارة الأمين العام للمنظمة الدولية غوترش إلى إسرائيل فتحت معه ملفات كثيرة أبرزها سعى تل أبيب إلى إلغاء أو تجميد أثر رزمة من القرارات التي اتخذت لصالح الشعب الفلسطيني وخاصة في مجلس حقوق الإنسان الأممي؛ وتسجل تل أبيب للأمين العام مجموعة من المواقف والتصريحات التي صبت لصالحها ومن بينها منع نشر التقرير الذي يصف إسرائيل بدولة الأبارتهايد الصادر عن (الاسكوا) وهو ما أدى إلى استقالة نائب أمين المفوضية الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا، ريما خلف.

بذلك، وإذا استمر استنكاف السلطة عن مواصلة المسعى نحو الأمم المتحدة، فإن المنتدى الدولي هذا سيبقى ميداناً رحباً لدولة الاحتلال  تضغط هي وشريكتها واشنطن من أجل تفريغ قرارات الشرعية التي أنصفت الفلسطينيين من مضمونها.

وإذا استمر نهج الانسحاب من المعارك الواحدة تلو الآخر، فإن الباب سيكون مفتوحاً على مصراعيه لتطبيق «سلام نتنياهو» الاقتصادي ضمن «صفقة القرن».. أو بدونها.