في الخطاب المعلن للسلطة الفلسطينية خياران متقابلان: التوجه إلى الأمم المتحدة والاحتكام إلى قرارتها وخيار المفاوضات مع الاحتلال بالرعاية الأميركية الحصرية.

وبالتجربة؛ اتضح أنّ الخيار الثاني هو الذي وسم السياسة الرسمية الفلسطينية قبيل ولادة السلطة بالتفاوض، ولا يزال مستمراً إلى يومنا هذا. بينما تمّ اللجوء إلى الأمم المتحدة مرات معدودات، ثبت بعدها أنّ تنشيط مسار التسوية كان وراء لجوء السلطة إلى هذا الخيار؛ ويدلّ على ذلك إحجامها عن تثمير الانجازات التي حصدها الفلسطينيون في المنتدى الدولي ليتمّ استخدامها ورقة يتمّ التلويح بها على أمل استدراج عروض تفاوضية أفضل.

بالنتيجة، تجميد ما حصده الفلسطينيون عند عتبة القرارات الأممية التي اتخذت، واستمرّ سقف العروض التفاوضية بالانخفاض بدءاً من يافطة الدولة الفلسطينية المستقلة وصولاً إلى «صفقة القرن» التي همشت هذه الدولة لصالح «السلام الإقليمي» والتطبيع الرسمي العربي مع الاحتلال.

ولأن التوجه إلى الأمم المتحدة ليس خياراً حقيقياً في السياسة الرسمية الفلسطينية، فإن دعوات السلطة للإسراع بعقد اجتماع المجلس الوطني ربطاً باستحقاق دورة اجتماعات الجمعية العامة الشهر القادم مسألة تحتاج تدقيقاً.

فقد اجتمعت اللجنة التحضيرية لاجتماع المجلس منذ بداية العام الجاري وبحضور جميع القوى والفصائل من داخل منظمة التحرير؛ وخارجها وأكّد المجتمعون ضرورة عقد اجتماع المجلس الوطني بمشاركة الجميع ومن خلال الانتخابات، ودعوا الرئيس عباس إلى البدء الفوري بالمشاورات مع القوى السياسية كافة من أجل التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

هذا يعني أنّ المجتمعون اتفقوا على عقد مجلس وطني توحيدي، وبالتالي فإنّ المشاورات المفترضة لعقده ينبغي أن تشمل الجميع دون استثناء، ربما يكفل انعقاده في الزمان والمكان اللذين يضمنا حضور الجميع. ومنذ انعقاد «التحضيرية» حتى اليوم كان الوقت كافياً لاتخاذ الاجراءات الضرورية لانجاح اجتماع المجلس وتحقيق الأهداف من وراء عقده؛ لكنّ ذلك الاجتماع بقي يتيماً ولم يتكرر كما هو مفترض، حتى جاء اجتماع اللجنة التنفيذية مؤخراً وأكّد على قرارات اللجنة التحضيرية وأهمية انعقاد اجتماع المجلس.

وفي سياق التحضير للاجتماع، لا بدّ من تدقيق المهام الكبرى التي يفترض أن ينجزها بدءاً من مراجعة السياسات التي راهنت على التسوية بشروطها المجحفة وما انتجته من قيود أمنية واقتصادية بفعل الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال. وبالتالي بلورة سياسة جديدة تستجيب لعناوين البرنامج الوطني التحرري وتقطع مع المرحلة السابقة وما أنتجته. وأمام المجلس المنتخب مهمة تجديد هيئات منظمة التحرير ومؤسساتها وتصويب العلاقات الوطنية وفق أسس الشراكة السياسية في إطار منظمة التحرير الائتلافية بما يكفل جماعية القرار وتنفيذه ربطاً بمهام التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال.

ومن نافل القول إنّ النظام السياسي الفلسطيني قد ترهل في البنى والبرامج والسياسات، ويحتاج إلى إعادة بناء وفق أسس ديمقراطية، وعلى هذا الأساس يشكل انعقاد المجلس الوطني التوحيدي بوابة واسعة ومجديّة للوصول إلى هذا الهدف.

وعبر ذلك تحديداً، يمكن تصويب الوضع الفلسطيني الداخلي ونقله من التردد والضعف إلى دائرة الفعل والمبادرة.

لذلك؛ لا يرتبط اجتماع المجلس من حيث المبدأ بأيّة أجندة مطروحة على المستويات الإقليمية والدولية بما في ذلك الأمم المتحدة؛ لأنّه استحقاق وطني بامتياز. وفي الوقت نفسه، يؤدي اجتماعه الناجح إلى تعزيز العامل الفلسطيني في إطار المحيطين القريب والبعيد، ويعزز قدرة الحالة الفلسطينية على مواجهة تداعيات المبادرات والمشارع المتداولة بما فيها «السلام الإقليمي» الذي تطرحه إدارة ترامب وتدعمه وتؤيده حكومة نتنياهو.

والحديث عن استحقاقات انعقاد دورة جديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة يستقيم في حال تمّ تنفيذ قرارات الاجماع الوطني في هذا الشأن وخاصة قرارات المجلس المركزي في العام 2015. لقد لوّح المفاوض الفلسطيني مراراً بعزمه على التقدم إلى محكمة الجنايات الدولية برزمة من الشكاوى حول جرائم الاحتلال؛ ولم يفعل ذلك بسبب الضغوط من إدارة ترامب والإدارة الأميركية التي سبقتها.

ولا تخيّر واشنطن المفاوض الفلسطيني بين المفاوضات أو الأمم المتحدة؛ بل تضعه أمام معادلة؛ إمّا التسوية بشروطي أو العقوبات.

ولطالما قرأت واشنطن وتل أبيب «تهديدات» السلطة باللجوء إلى الأمم المتحدة على أنها رسائل صوتية لا أكثر؛ لذلك لا تجدان حرجاً في الاستمرار بخفض السقف السياسي للمبادرات المتتالية التي تعرض بشأن التسوية حتى وصل الأمر إلى تقزيم الحقوق الفلسطينية بحدود بادرات اقتصادية لرفع مستوى معيشة الفلسطيني دون التفات إلى قيام الدولة الفلسطينية. وتجد حكومة نتنياهو في المقاربة الأميركية الجديدة لعملية التسوية فرصة كي تتقدم بسياساتها التوسعية عبر نشر الاستيطان وحملات التهويد والانتقال إلى طرح موضوعه الترانسفير في القدس وفي أراضي الـ 48 دون مواربة.

 والمشكلة أنّ «الإحباط» الذي ينتاب المفاوض الفلسطيني تجاه السياسة الأميركية بشأن التسوية، لا ينتج استخلاصاً سياسياً عملياً يدفع باتجاه القطع مع هذه السياسات. والمفارقة أنّ الطرف الأضعف في معادلة التسوية (السلطة) هو من يتطوع لإعطاء الفرص أمام السياسة الأميركية كي تثبت نجاعتها وتنقذه من الاستفراد الميداني الذي يمارسه الاحتلال.

ثمّة مساحات واسعة من التطابق بين إدارة ترامب وحكومة نتيناهو تجاه القضايا الأساسية في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ لذلك لم يكن متوقعاً أن تقدم إدارة ترامب على ممارسة أي ضغط على الاحتلال؛ لأنّها شريكة في الرؤية تجاه الحل المستقبلي لهذا الصراع. ويتضح أنّ الجهد المبذول من قبل واشنطن وتل أبيب يتركز على دفع قطار التطبيع مع الدول العربية دون ارتباط ذلك بأي تقدم جدّي على جبهة التسوية.

من هنا، يمكن القول إنّ الرهان على إحداث أي اختراق في السياسة الأميركية هو مجرد وهم غرقت فيه السياسة الرسمية الفلسطينية طويلاً. وإذا كان هذا الوهم وجد سابقاً من الوعود ما ينعشه كلما خبا، فإنّه في ظلّ إدارة ترامب ومقاربتها للتسوية مجرد انتحار سياسي يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

الخيار الوحيد الذي تبينت صوابيته هو الانفتاح على الحالة الفلسطينية من بوابة تنفيذ قرارات الاجماع الوطني بخصوص انهاء الانقسام ورهن القبول بأي تسوية بالتزامها قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة والشروع في الاجراءات التي تدفع باتجاه إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري.

لقد طرحت إدارة ترامب الكثير من الشروط الإسرائيلية على الفلسطينيين، وتضغط من أجل تنفيذها، ومن المفترض الآن أن تسمع منهم كلاماً مختلفاً عمّا تعودوا سماعه.