خلافاً للإدعاءات أن تل أبيب لا تلقي بالاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأنها لا ترى نفسها معنية بحل هذه القضية، وأن على الفلسطينيين والعرب، وحدهم، أن يجدوا حلاً لها، فإن الوقائع والوثائق، تؤكد عكس ذلك، وتؤكد أن هذه القضية واحدة من أهم القضايا المدرجة على جدول أعمال معهد «بحوث الأمن القومي الإسرائيلي»، وأن هذا المعهد قد عهد بالقضية إلى فريق من الباحثين، تقتصر مهمتهم على متابعة كل ما له شأن بهذا الموضوع، الذي تعتبره إسرائيل، شائكاً، ومن الملفات شديدة التعقيد، التي ستجابه المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمجتمع الدولي، عند البحث في حل للموضوع.

وبالتالي يؤكد سلوك إسرائيل، وكذلك سلوك المعهد المذكور ودراساته بشأن القضية، أن ثمة فرقاً كبيراً، بين رفض إسرائيل الإعتراف بمسؤوليتها السياسية والتاريخية والأخلاقية عن ولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبين إهتمامها بهذه القضية ومتابعتها لها، وتطوير السيناريوهات التي تعتقد تل أبيب أنها تشكل البديل لحق العودة إلى الديار والممتلكات.

ولعل أهم ما توصل له المعهد، في دراساته المقدمة إلى حكومة نتنياهو، هو عدم التعويل، بعد الآن، على دور ما لكندا، وأوروبا، وإستراليا، والولايات المتحدة وغيرها، لإستيعاب ملايين اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في ظل تدفق اللاجئين من منطقة الشرق الأوسط، وشرق أوروبا، وأفريقيا، ودول آسيوية أخرى [أفغانستان] إلى هذه الدول، بحيث تراجعت قدرتها على إستيعاب ما كان يفترض إستيعابه من لاجئين فلسطينيين، في إطار تسويات الحل الدائم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

كما يحاول المعهد أن يخلص، في سيناريوهاته، أن هبوط أسعار النفط عالمياً، لعب هو الآخر دوراً مؤثراً في إمكانية أن تستقبل الدول الخليجية، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، آلاف اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد أن تراجعت الإحتياطات المالية لهذه الدول، بل إن بعضها بات يقع تحت عجز مالي في رسم موازناته، ما دعاه إلى طلب القروض، إن من المؤسسات الدولية، أو من المصارف المحلية.

*   *   *

السيناريو الذي يدعو له المعهد، في دراساته الأخيرة، هو السيناريو الذي بإمكان إسرائيل السيطرة عليه مباشرة والعمل على تنفيذه. أي فتح «باب العودة» إلى مناطق السلطة الفلسطينية، على أن تقتصر هذه العودة على اللاجئين في الأردن [لمن يرغب]، وفي لبنان، وفي سوريا. ويرى المعهد أن الأولوية، في هذا المجال يجب أن تعطى لمن هم في سوريا [في ظل ما تشهده من أوضاع صعبة]، وفي لبنان [في ظل تركيبته المذهبية والطائفية وحالة البؤس السائدة في المخيمات]. من هنا يدعو المعهد إلى تطوير «الحل الإقتصادي» الذي يدعو له نتنياهو ، بحيث يوفر البنية التحتية لإستقبال آلاف اللاجئين في مناطق السلطة [سكن ــ مدارس ــ مستشفيات ــ كهرباء ــ ماء ــ فرص عمل الخ], بما في ذلك تشييد مدن جديدة حديثة بديلاً للمخيمات، في إطار الإغراء والترغيب، وشق الطرق وتأمين وسائل المواصلات وسواها. وهذا، برأي المعهد، ما يملي على إسرائيل أن يكون لها دورها في توفير التمويل المطلوب لمثل هذه المشاريع، من خلال إقناع الدول الصديقة أن مثل هذا الحل، وتوفير مستلزماته، من شأنه أن يوفر أجواء الأمن والإستقرار في المنطقة، وأن يصون مصالح الدول الكبرى. وأن الإكتظاظ السكاني، في المناطق الفلسطينية، دون توفير مقومات الحياة المريحة، من شأنه أن بخلق أجواء توترات إجتماعية، لها إنعكاساتها الأمنية والإجتماعية، ليس على السلطة الفلسطينية فحسب، بل وكذلك على إسرائيل، ودول المنطقة، خاصة إذا ما أحًس اللاجئون أنهم إنتقلوا من وضع إجتماعي بائس، إلى وضع إجتماعي لا يقل عنه بؤساً, وبالتالي، وبدلاً من أن يصبح هذا الحل مدخلاً إلى إغلاق ملف «العودة»، سيصبح مدخلاً جديداً لإثارة «حق العودة» بقوة أكبر، وبخطورة أكثر على إسرائيل، بعد أن يكون اللاجئون قد إنتقلوا إلى مناطق جديدة، لا تبعدهم عن قراهم وبلداتهم الأصلية سوى بضعة كيلومترات قليلة.

 

 

*   *   *

 

مما لا شك فيه، أن المعهد المذكور، وهو يعالج قضية للاجئين، يدرك موقعها في قلب القضية الفلسطينية، ويدرك موقع «حق العودة» في الوجدان الجمعي للاجئين الفلسطينيين، الذين نشأوا، وعاشوا، تغذيهم فكرة العودة إلى الديار، بإعتبارها، بالنسبة للكبار، الفردوس المفقود، الذي لا بديل عنه، وبإعتبارها للأجيال الجديدة، الوطن المتخيل، الذي تحول إلى واقع ملموس، في ظل تطور وسائل الإتصال، بحيث زالت الحواجز والحدود، التي تفصل بين اللاجئ، ومن تبقى من بلدته، أو عائلته، في الجليل، أو في النقب، أو من يسكن منهم في الضفة أو القطاع، أو في الأردن، أو في أي مكان آخر. وبالتالي زادت القناعة بإمكانية العودة، وزاد الإصرار على التمسك بحق العودة إلى حد أن المس به، هو أشبه بالمس بالمقدسات والتي لا غفران لمقترفيها.

لذلك يدعو المعهد المستوى السياسي في إسرائيل للتعامل مع قضية اللاجئين بإعتبارها من القضايا المعقدة، والتي تحتاج، عند رسم حلولها لها، جهوداً مميزة، لأن المسألة تتعلق بقيم، ومفاهيم، وأفكار، ومعتقدات، يعتبر المس بها مصدر خطر، لا بد من معرفة كيف نتفاداه.

وهو ما يؤكد، مرة أخرى، أن إسرائيل، [النخب ومعاهد الدراسات والتخطيط الإستراتيجي]، تدرك حقيقة قضية اللاجئين، وتدرك موقع هذه الورقة في ملف التفاوض، وتدرك صعوبة التفلت منها، وترى أن إدعاءات تجاهلها، من قبل بعض النخب السياسية ما هي إلا شكل من أشكال السلوك الشعبوي لأسباب إنتخابية داخلية. ما يفترض أن تمتلك إسرائيل ــ حسب نصائح المعهد ــ إجابات جاهزة لمعالجة هذه القضية، على أساس تجنب حق العودة وشطبه لصالح الحلول البديلة.

أخيراً وليس آخراً، يجدر أن ننتبه، أن المعهد المذكور، قد كشف عن خلاصة دراساته المقدمة إلى حكومة نتنياهو عشية وصول الوفد الأميركي لبحث ملف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. ولا ندري، بالمقابل، ما هي الأوراق والملفات، التي جهزها الفريق الفلسطيني، بشأن قضية اللاجئين وحق العودة. وهل ما زال الموقف الرسمي عند حدود التمسك بمبادرة القمة العربية [بيروت 2002] التي شطبت حق العودة من بنودها؟