أسئلة كثيرة تترقب السلطة الفلسطينية من موفدي إدارة ترامب الإجابة عليها.

في مقدمة هذه الإجابات الموقف الأميركي من "حل الدولتين" ومن الاستيطان، بعد أن اطمأنت رام الله على امتداد 19 لقاءً سابقاً للموقف "الإيجابي" من شرعية القيادة الفلسطينية الرسمية.

ويبدو واضحاً أن التفاؤل الذي أصيبت به أوساط السلطة عقب اتصال ترامب بالرئيس عباس قد بدأ بالتلاشي منذ أن تمترس المبعوث الأميركي غرينبلات خلف الشروط التسعة التي أشهرها في مقر المقاطعة، وشُكل فريق مشترك اقتصر عمله على البحث في تنفيذ هذه الشروط، وهي بالأساس طلبات إسرائيلية قدمتها واشنطن بالإنابة.

وبدا واضحاً أيضاً أن إدارة ترامب تتعامل مع شروطها رزمة واحدة ولا يكفي تنفيذ بعضها للهروب من سيف الملاحظة الأميركية والترقب الإسرائيلي، اللقاء العشرين على مرمى حجر، وربما تنتظر السلطة انعقاد اللقاء الذي يليه وقد لا تتلقى فيه الإجابات التي تنتظر.

حقيقة الأمر أن إدارة ترامب قدمت الكثير من الإجابات حول موقفها من القضية الفلسطينية. ففي الشروط التسعة التي أشهرتها إنكار للسمة التحررية لهذه القضية؛ باعتبارها نشأت عن غزو صهيوني وما نتج من نكبة واحلال ديمغرافي، ومن ثم احتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية ونشر الاستيطان والمستوطنين في أنحائها.

يدل على هذه الحقيقة ما ورد في هذه الشروط من إيعاز بوقف مخصصات أسر الشهداء والأسرى ومسح التاريخ النضالي من الذاكرة الفلسطينية واعتبار السعي للانعتاق من الاحتلال وإنجاز الاستقلال تحريضاً على العنف وسلوكاً إرهابياً.

وسبق للمبعوث الأميركي أن أوضح أن عدم تنفيذ هذه الشروط من شأنه أن يفسد "شهية" الرئيس ترامب نحو إنجاز التسوية التي رفع يافطتها، وهذا يعني أن هدف هذه الشروط هو إعادة تأهيل الحالة الفلسطينية بما ينسجم مع المواصفات التي تريد تل أبيب توافرها في الشريك الصالح للتفاوض.

وتدرك السلطة أن أية محاولة لتنفيذ هذه الشروط ستؤجج غضباً شعبياً وسياسياً، وقد أكدت هبّة الأقصى مؤخراً أن لدى الشعب الفلسطيني خطوطاً حمر لا تقتصر على المكانة المعنوية والسياسية للمسجد الأقصى؛ بل تمتد حول الكثير من القضايا وفي قلبها قضيتا الشهداء والأسرى.

الفهم الأميركي المغلوط للقضية الفلسطينية مبني على مصالح مشتركة مع دولة الاحتلال وليس قصوراً ذهنياً عن فهم تعقيدات هذه القضية وتداخلاتها.

ووفق العلاقات الاستراتيجية التي أنتجتها هذه المصالح رسمت محددات من بينها ألا تقوم واشنطن بالضغط على تل أبيب لاتخاذ موقف ترفضه. وبدا هذا جلياً في قمة "كامب ديفيد" صيف العام 2000 عندما تبنت إدارة كلينتون الرؤية الإسرائيلية تجاه مستقبل القدس، ووجهت ضغطها نحو المفاوض الفلسطيني كي يقبل بذلك.. وقبل هذا، لم تمارس واشنطن أي ضغط يلزم إسرائيل بتنفيذ استحقاق انتهاء المرحلة الانتقالية في اتفاق أوسلو العام 1999، مع أن الإدارة الأميركية هي من رعى الاتفاق وشارك في التوقيع عليه.

وتجاه مسألة الاستيطان، التي تنتظر قيادة السلطة إجابات "ترامبية" بشأنها، قدمت الإدارة الجديدة دلائل كثيرة تؤكد حرصها على سلامة الاستيطان وبقائه، وكل ما حاولت أن تسوقه للجانب الفلسطيني هو عزمها (المستقبلي) على المبادرة بخطط "تنظيم" التوسع الاستيطاني وتوجيهه في إطار التجمعات الاستيطانية الكبرى، وفي ذلك موافقة على ضم الاستيطان إلى إسرائيل.

وأعلن ترامب مراراً رفضه الشديد واعتراضه على تمرير إدارة أوباما للقرار الدولي في مجلس الأمن بشأن الاستيطان وتعهد بتصحيح ما حدث، ومنذ ترسيم إدارته حتى اليوم تكرر المندوبة الأميركية في مجلس الأمن أن واشنطن لن تسمح بتمرير أي قرار يتعرض لإسرائيل ويدعو لمحاسبتها. وأطلق ترامب كثيراً من التصريحات بدءاً بنعي "حل الدولتين" وصولاً إلى التأطير الإقليمي للتسوية التي أبرز عناوينها وأهدافها تسريع التطبيع الرسمي العربي مع دولة الاحتلال؛ في الوقت الذي برزت فيه تحذيرات كثيرة نبهت من تبني إدارة ترامب لخطة "السلام الاقتصادي" التي أطلقها بنيامين نتنياهو منذ سنوات.

ولم تخف هذه الإدارة تفضيلها البحث في التسوية عبر مسارات متعددة منفصلة عن بعضها البعض. وفي كل مسار يتم التفاوض على واحد من القضايا الأساسية المعروفة دون ربط مآل أي مسار بالآخر. وهذا لم يحدث حتى في تطبيق آليات اتفاق أوسلو التي أبقت على الأقل قضايا الحدود والأمن والقدس في مسار واحد.

يشعر المفاوض الفلسطيني بالتشاؤم عندما يحسب توقعاته من الإدارة الأميركية الحالية تجاه التسوية، وربما يتحسر على الإدارة السابقة التي على الأقل كالت من الوعود ما يكفي لتشغيل ماكنة تسويق التسوية وبث الرهان عليها، ولو في أوساط السلطة والشرائح المرتبطة بها.

ولا يجدي هنا تفسير مراوحة إدارة ترامب عند حدود استطلاع المواقف (وهي معروفة) على أنها مرتبطة بأولويات هذه الإدارة واحتلال القضية الفلسطينية أدنى درجات سلم اهتمامها؛ لأن الأمر كان كذلك في عهد الإدارة السابقة وسبق أن أعلنت إدارة أوباما استنكاف الرئيس الأميركي عن متابعة عملية التسوية وتمت احالتها إلى وزارة الخارجية حصراً.

  مع ذلك، لم تستطع إدارة ترامب وكثير من الأطراف الإقليمية إدارة ظهرها لما جرى في القدس خلال هبّة المقدسيين في وجه إجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى ومحيطه. كان الحدث كبيراً ومتصاعداً ومفتوحاً على جميع الاحتمالات. وقبل أن يتراجع الاحتلال عن إجراءاته، أدركت هذه الأطراف ومنها إدارة ترامب أنه لا سبيل لإنجاز حلول وسط، ولم تستطع شق قناة اتصال مع المنتفضين تنجح في تعديل مطالبهم؛ لأن قيادة الهبة كانت حازمة ووضعت نصب إرادتها:  إما تراجع الاحتلال أو التصعيد في مواجهته. وكان الانتصار رسالة واضحة للجميع.

 فقد أدرك الاحتلال أن الطريق غير سالك أمامه دائماً لتنفيذ مخططات التوسع والتهويد. وعرفت السلطة الفلسطينية أن هناك حدوداً لأي تنازل يطرح عليها مهما كان حجم الضغط الذي يترافق مع هذا الطرح؛ وانتبه الإقليم إلى أن "سلام ترامب" ليس صفقة سهلة المنال عندما يتطلب عقدها المس بخطوط الفلسطينيين الحمر.

ومع الوعود أو الغموض، لن يكون مسار التسوية سالكاً وفق ما يتم إعلانه من محددات أميركية وإسرائيلية. فيما المسار المفترض بالحالة الفلسطينية وفي المقدمة "السلطتين" في رام الله وغزة أن تسلكه مفتوح على إنجازات وطنية كبرى في حال توافرت الإرادة السياسية لإسقاط الانقسام واستعادة الوحدة، والاستجابة لاستحقاقات الأزمات المركبة التي تعانيها هذه الحالة.

قرارات كثيرة متقدمة اتخذتها الاجتماعات واللقاءات الوطنية بحضور الجميع، ويكفل تنفيذها إنجاز ما سبق؛ لكنها مرة أخرى الإرادة السياسية.. ليس إلا.

الصورة: إدارة ترامب: صفقة التسوية في بورصة المصالح الإسرائيلية