منذ اعلان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عن الدعوة لإجراء انتخابات لجمعية وطنية تأسيسية في الأول من أيار/ مايو الماضي، والحملة اليمينية المعارضة تتصاعد وتحاول تعطيل العملية السياسية والديمقراطية، بل والتعايش الاجتماعي في البلاد.

وكما هو معروف، فإن الحكومة الحالية برئاسة مادورو تواجه منذ وصوله للرئاسة عام 2013، أزمات متعددة، بدءاً من رفض المعارضة الاعتراف بشرعيته، مروراً بالحرب الاقتصادية، إلى خسارة الانتخابات البرلمانية عام 2015، وتفعيل الآليات الإقليمية الامبريالية لسحب شرعية الحكومة، وانتهاء بمحاولات عدة للانقلاب على الحكم، سواء عبر محاولات استمالة بعض قيادات الجيش أو قيادات هامة في قمة هرم النظام السياسي (المدعية العامة، المدافع عن الشعب...).

أمام كل هذه المحاولات والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس الفنزويلي الدعوة لإجراء انتخابات يقول الشعب فيها كلمته النهائية، ليس على صعيد الرئاسة أو الولايات، بل انتخابات لجمعية وطنية تأسيسية (حسب المادة 348 من دستور فنزويلا يحق للرئيس الدعوة لها، أو لثلثي أعضاء البرلمان، أو 15% من الناخبين المسجلين)، وتسمح في حال النجاح فيها بإعادة صياغة دستور البلاد وتدعيمه. كان قراراً جريئاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو سلاح ذو حدين؛ إذ كان بإمكانه أن يطيح بكل شيء في حال فوز المعارضة!!.

من نافل القول، أن المعارضة اعتمدت ولا زالت على تنصيب نفسها كمدافع عن حقوق الفنزويليين البسطاء والتحدث باسمهم؛ إمكانات إعلامية ضخمة سواء عبر القنوات الخاصة، أو وسائل التواصل الاجتماعي، مستفيدين بالتأكيد من التقصير الحاصل في مفاصل الدولة، والفساد المستشري والبيروقراطية التي تكاد تطيح بالثورة... المعارضة اختلقت الأزمة عبر الحصار الخانق لاقتصاد البلاد، يتحكمون بأسعار الدولار في السوق السوداء، و يولدون تضخماً غير مسبوق في تاريخ فنزويلا، يضاف إلى نسب التضخم الطبيعية، احتكار السلع الأساسية وبيعها في السوق السوداء، محققين أرباحاً خيالية، ناهيك عن عمليات التهريب إلى كولومبيا والاستفادة من الدعم الحكومي لمواد التموين الأساسية (الطحين والأرز والسكر والزيت ..الخ).

اشكالية التجربة

هنا علينا التذكير بأن الدولة الفنزويلية لا زالت حتى هذه اللحظة دولة برجوازية، رغم استلام تشافيز الحكم منذ 1999، ذلك أن دستور البلاد ونمط الانتاج السائد وهيكلية مؤسسات الدولة ليست اشتراكية قطعاً.. الأزمة الحالية لها جذورها وأسبابها، وهي أزمة النظام البرجوازي بامتياز.. أزمة الكومبرادور الفنزويلي.. أزمة البيروقراطية الحاكمة.. ما فعله تشافيز ومادورو خلال سنوات حكمهم لم يحلّ الاشكالية من جذورها، لم يتم القطع مع نمط الانتاج الرأسمالي.

هنا بالتأكيد علينا فهم أن سياسة تشافيز ومرحلته لا زالت ضرورية في سلم التحول نحو الاشتراكية، انجازات الحكومة عبر برامجها الاجتماعية واضحة ولا يمكن إغفالها. أكثر من مليون وسبعمائة ألف منزل تم تسليمها، عشرات الجامعات والمعاهد، التحسينات المدخلة على النظام الصحي، الحقوق التي اكتسبتها الطبقة العاملة وأهمها قانون العمل الذي تم اقراره عام 2011، وهو باكورة الانجازات التي أقرتها الحكومة البوليفارية لصالح الطبقة العاملة. تجربة أخرى تثبت بالواقع العملي وعبر 18 عاماً، بأن لا يمكن بناء الاشتراكية بالاعتماد على هيكلية دولة برجوازية.. التغيير يجب أن يكون جذرياً وشاملاً، ولا رجعة فيه، وإلا فإن كل الانجازات تبقى في مهب الريح.

محاولات المعارضة

قبيل الانتخابات، وعبر محاولات المعارضة إفشال المساعي الرامية لإنجازها، قررت المعارضة إجراء استفتاء شعبي لإعطاء انطباع داخلي وخارجي بأن غالبية الشعب يرفض إجراء هذه الانتخابات! وعلى الرغم من عدم دستورية هذه الخطوة، وتحذيرات الحكومة المتتالية، فإن المعاضة أجرت هذا الاستفتاء داخل فنزويلا وخارجها. وبحسب أرقامهم (التي لا يمكن التحقق من صحتها مطلقاً) فإن 7,186,170 فنزويلي شاركوا في هذا الاستفتاء منهم 6.492.381 من داخل فنزويلا، و 693.789 من خارجها.. في ذات اليوم أجرت الحكومة، وكما هو معتاد، تمرين انتخابي شارك فيه ملايين الفنزويليين حسب المجلس الوطني للانتخابات.

بالطبع لم يتوقف خلال أكثر من 120 يوماً إلى الآن، العنف الممارس من قبل اليمين الفاشي، قطع الطرقات والاعتداء على المؤسسات العامة، والارهاب أيضاً الذي تمثل في حرق أشخاص أحياء للاشتباه بأنهم تشافيزيون!!. وتكفل قادة اليمين والإعلام بإخراج كل هذه الأعمال وكأنها مقاومة شرعية بوجه النظام الدكتاتوري !. يجدر بالذكر أنّ كل هذه الأعمال محصورة في بلديات المعارضة، ومناطق الفئات الوسطى والبرجوازية عامة، أي أن الغالبية العظمى من البلاد كانت تشهد حالة طبيعية، ولكن قطع الطرقات الرئيسية والتخريب، يؤثر بالتأكيد على المشهد ويضر بالمصلحة العامة والنقل وحتى الأشغال.

خلال محاولاتها اللامتناهية، دعت المعارضة إلى عدة إضرابات شاملة في البلاد آخرها سبق الانتخابات بيومين، كانت بمجملها إضرابات فاشلة، ولم تتجاوب معها الأغلبية في البلاد. بمعنى آخر حاولوا تسليط الضوء على بعض المناطق التي أضربت وإخراجها وكأنها تمثل الحالة العامة للبلاد!!. إن كل هذه الآليات والخطاب الفاشي غير المسبوق، وعدم الاعتراف بأي سلطة في البلاد (لا يعترفون بالرئيس/ لا يعترفون بمحكمة العدل العليا / لا يعترفون بالمجلس الوطني للانتخابات)، أدت بدون أدنى شك إلى ضعف النفوذ الشعبي للمعارضة، وحصروا أنفسهم في خندق التطرف الذي لا يمكن أن يؤدي إلى أي تغيير.

وقد استغلت الحكومة كل ذلك، فشرع المرشحون بتسجيل أسمائهم والقيام بحملات توعية وحملات انتخابية بكل المناطق. وعلى العكس من الدعاية الفاشلة لليمين بأن الانتخابات ستسمح بأن يكون لكل شخص أكثر من صوت!، أو أن التصويت لن يكون سرياً ومباشراً!، فإن الانتخابات جرت كما العادة وحسب القوانين الفنزويلية النافذة، إلا أن المعارضة لم تكن لتشارك في آلية ستفضح مشروعها اليميني، وبالتالي كان من الأسهل العمل على إفشال هذه الانتخابات، من المشاركة فيها.

حاولت المعارضة يوم الانتخابات الاستمرار في جرّ البلاد لمواجهات وقطعوا الطرقات أمام الآلاف الذين توجهوا للإدلاء بأصواتهم في مناطق محددة، استبقوا إعلان النتائج، ومنذ الصباح أعلنوا أن 9 % فقط شاركوا في الانتخابات، من بينهم 4% موظفون حكوميون، أي أن أصواتهم غير محسوبة!. حاولوا عبر نداءات متكررة، ولكن بياناتهم لم تلقَ آذاناً صاغية لدى الملايين من أبناء الشعب الذين فضلوا الإدلاء بأصواتهم والنأي بالنفس عن العنف، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس. يجدر بالذكر هنا أنه تمّ استهداف موكب للأمن الوطني بمتفجرات محلية الصنع، ما أدى لانفجار هائل أعطب 4 دراجات، وإصابة 5 من أفراد الأمن بجروح بليغة، إضافة إلى اغتيال أحد عناصر الأمن الوطني، في تاشيرا المحافظة الحدودية مع كولومبيا.

مشاركة واسعة

شارك في الانتخابات حسب المجلس الوطني للانتخابات 8,089,320 فنزويلي، أي ما يمثل 41,53% من الناخبين المسجلين، وهو رقم كبير وضخم نسبياً، ولم تحققه الثورة على مدار كل سنوات الحكم على حد تعبير الرئيس الفنزويلي. صحيح أن هذا الرقم كبير لكنه بالتأكيد لا يعني أن كل الذين شاركوا وصوتوا هم من أنصار الثورة والحكومة. بالتأكيد إن العدد الأكبر منهم هم من أنصار الثورة الذين شعروا عبر الأشهر الأخيرة بأن المعارضة وتطرفها لن يرحمهم مطلقاً إذا ما وصلوا للحكم، الأمر الذي ولّد شعوراً عاماً استفادت منه الثورة والحكومة. إضافة إلى وجود تيار واسع نسبياً من الشعب الفنزويلي سئم الخطاب والآليات الفاشية للمعارضة، خاصة أنهم لم يقوموا بحلّ أي اشكالية، لا بل فاقموا الأزمة من كافة النواحي.

أمام ذلك، باتت النسبة الأكبر من الشعب الفنزويلي تراهن على أن هذه الجمعية التأسيسية بإمكانها فتح المجال أمام حوار وطني، ووضع ضوابط دستورية وآليات تُمكّن من الخروج من الأزمة الحالية بأسرع وقت ممكن، وبأقل الخسائر ودون السماح للإرهاب والفاشية بالتفشي في المجتمع الفنزويلي.

الرئيس الفنزويلي و قيادات الحكومة عبروا عن فرحهم بهذه النسبة الكبيرة للمشاركة، والتي تعطي شرعية لكل إجراءات الجمعية الوطنية التأسيسية مستقبلاً، اعتبر أن السلام والحوار هو الذي انتصر، وقال إنه لا يزال يعوّل على الحوار مع المعارضة، وسيشكل لجنة للقاء قياداتها (إذا وافقت)، وقال إنه يتوجب تشكيل لجنة سماها «لجنة الحقيقة والعدالة» تسمح نتائج تحقيقاتها بملاحقة قادة التطرف والفاشية والمسؤولين عن هذه الأزمة سياسياً واقتصادياً. كما قال أيضاً بأنه ينتظر أن تضع الجمعية التشريعات اللازمة لمكافحة الفساد والبيروقراطية، واعتبر هذا الانجاز بمثابة انطلاقة جديدة للثورة.

عملياً الغالبية العظمى من الفائزين هم من الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحّد الحاكم، في ظل مقاطعة المعارضة وعدم تقديم أي قائمة أو مرشحين رسميين. الانتخابات القادمة ليست بعيدة، حيث من المفترض أن يكون قد فتح باب الترشح لانتخابات حكام الولايات (8/8)، وقد تحدّى الرئيس المعارضة بأن تشارك وتنتزع الأغلبية من الثورة إذا كانت صادقة.

انتصار.. ولكن؟

خطاب الحكومة يشدّد كثيراً على كلمة (السلام) بشكل غير مسبوق، أيضاً يشددون على الحوار، الذي يعلم الجميع أنه يدور في الخلف، وبدون ضوضاء كبيرة، الدليل هو الإفراج قبيل فترة عن المعارض الفنزويلي ليوبولدو لوبيز بعد 3 سنوات، وإقرار الإقامة الجبرية عليه في منزله، هذا بالتأكيد أحد تجليات الحوار الخلفي بين شخصيات محسوبة على الطرفين. لا نعتقد بأن هذا الحوار بإمكانه أن يقود البلاد نحو الخروج من الأزمة الحالية، المعارضة تريد الضغط بكل الوسائل لكي تتبنى الحكومة الحالية سياسات الخصخصة، أو تقليص الانفاق على البرامج الاجتماعية. كما تريد استنزاف قوة الشارع الفنزويلي بحيث لا يكون هناك أي مقاومة في حال تمكنها من الوصول للحكم. المرحلة القادمة ستعتمد بالتأكيد على سياسات الحكومة، هل سيكون هناك مراجعة شاملة؟، الشعب الفنزويلي أعطى صوته مرة أخرى للثورة وفضل أن يكون وفياً لمبادئ السلام والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، على الرغم من التجارب السابقة التي لم تعكس ثقة الشعب بسياسات جذرية تحارب الفساد والبيروقراطية والاشكاليات الأمنية عامة.

سأقتبس هنا جزءاً من مقال للأب نوما مولينا، كاثوليكي معروف بقربه من الثورة وشعاراتها وسياستها، حيث قال معقباً على هذا الفوز (الشعب البارحة أعاد التأكيد على وفائه الصلب لتشافيز و خاطر بحياته الشخصية، الشعب البارحة قال لنا أن هذا الزواج مع اشتراكية القرن 21 هو دائم، في الحسنة والسيئة. حتى الكهنة في المناطق الشعبية لم يهتموا للهجاء السياسي  الكاذب ضد الشيوعية. هل نعي تماماً بأننا لا يمكننا الاخفاق مجدداً مع هذا الشعب؟، هل نعلم بأننا من الآن فصاعداً علينا الرقص على أنغام هذا الشعب إلى أن يفرقنا الموت؟، نأمل ألا تكون فقط في الحملات الانتخابية حيث يتم حل اشكاليات الشعب المحددة.. نحتاج لزراعة ثقافة الكفاءة بقوة الشرفاء، أن نتابع وأن نراقب. فلتكفي كلّ هذه الفوضى ، اللا إجابة المناسبة بالتوقيت، اللا عمل، الموظفين الذين لا يجيبون على الهاتف، موظفي الاستقبال في الإدارات الحكومية الذين يذلون الشعب بشكل بذيء، هذا الشعب غفر لنا البارحة كل هذه الأخطاء المعتادة واليومية، لكنه ينتظر تغييراً، هذا الشعب يستحق كل حب هذا العالم بحق الجحيم!).

هذا الكلام يلخص ما حصل يوم 30 تموز/ يوليو، إنه فعلاً انتصار للثورة ولمبادئ العدالة الاجتماعية والديمقراطية، ولكن حذار من أن يتحول هذا الانتصار، كما غيره، إلى شيك على بياض تستخدمه البيروقراطية وترميه بعد الانتهاء من أزمتها!.

العقوبات الأميركية

الولايات المتحدة حاولت عبر آلياتها المعتادة أن تفرمل الدعوة لهذه الانتخابات، أعلنت قبيل أسبوع وضع عقوبات بحق 13 شخصية فنزويلية تقول إنهم المسؤولون عن الدعوة لهذه الجمعية وتنظيمها منهم ( وزير الداخلية، ورئيسة المجلس الوطني للانتخابات، ووزيرة السجون، ومسؤولو الشرطة الوطنية والدفاع الوطني، وشخصيات أخرى).. رغم ذلك لم تستطع هذه العقوبات أن تترك أي أثر سلبي على عملية إجراء الانتخابات.

بعد الانتخابات بيوم واحد!، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات مباشرة على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتجميد كافة أرصدته، ومنع المؤسسات والأشخاص المقيمين في الولايات المتحدة من إجراء أي عمليات تجارية معه!. إضافة إلى وصفه بأنه دكتاتور معلن الآن، و برّرت هذا الإجراء بأن انتخابات الجمعية الوطنية التأسيسية كانت بمثابة قطع لآخر خيوط الديمقراطية في فنزويلا!. هذا الاجراء هو الأول من نوعه في تاريخ كل رؤساء أمريكا اللاتينية حيث لم يسبق أن وضعت عقوبات مباشرة على رئيس لاتيني.

الرئيس مادورو علق بأنه يفتخر بهذه العقوبات التي تشير إلى يأس وعجز الامبريالية عن ايقاف مسيرة الثورة البوليفارية.

يضاف إلى الولايات المتحدة حكومات كل من كولومبيا والبرازيل والمكسيك والبيرو وبنما، وبقية حكومات المحور الرجعي اللاتيني (13 بلد). بالمقابل، دعت روسيا إلى احترام إرادة الشعب الفنزويلي ونتائج انتخابات الجمعية التأسيسية. أدانت ممارسات المعارضة ورفضها المشاركة في الانتخابات، ودعت الحكومات الإقليمية، (في إشارة للولايات المتحدة)، إلى التخلي عن مشاريعها في الإطاحة بالحكومة الشرعية في كاراكاس، وعدم اتخاذ أي إجراءات اقتصادية من شأنها تأزيم الأوضاع في البلاد، بل الاعتراف بنتائج الانتخابات وتسهيل الحوار وحل الأزمة عبر عملية سياسية وديمقراطية حسب القوانين الفنزويلية والدستور.

المرحلة القادمة قد تشهد تطورات من الممكن أن تكون عنيفة جداً من قبل المعارضة، التي لا يبدو أنها أعادت التفكير، أو أنها تبحث عن حلول سياسية للأزمة الحالية. الهجوم الإعلامي الداخلي والخارجي ضد فنزويلا ارتفع بشكل غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة، بانتظار بدء الأعضاء المنتخبين بممارسة مهامهم.

 

 

 

أردوغان ينقلب على العلمانية في تركيا

 

حذّرت أحزاب وقوى مدنية وحقوقية تركية من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينفذ خطة طويلة المدى لأسلمة تركيا والانقلاب على هويتها العلمانية عبر سلسلة من القرارات، كان آخرها مشروع القرار الذي ينتظر أن يناقشه البرلمان التركي، والذي يدفع لسنّ قانون «يجيز الزواج الديني ويساوي بينه وبين الزواج المدني، ما قد يفتح الطريق أمام القبول بالزواج العرفي لاحقاً».

وقدّم مجلس الوزراء التركي لمجلس النواب مسودة مشروع، تمنح «المأذون الشرعي» صلاحيات عقد الزواج الرسمي في السجلات الحكومية، وهو ما يعني أن وزارة الداخلية التركية ستكون مجبرة على منح المأذونين الشرعيين التابعين لدور إفتاء المدن والبلديات صلاحيات عقد الزواج الرسمي.

ولا يسمح القانون التركي للمأذون الشرعي بعقد زواج رسمي ويقوم الموظفون من البلديات بهذه المهام. ومنذ تطبيق القانون المدني عام 1926، والموظفون المدنيون فقط هم من يمكنهم عقد الزواج في تركيا. كما أن من يذهب إلى مسجد ليعقد قرانه تتمّ محاكمته بالسجن لمدة تتراوح بين شهرين وستة أشهر.

واستغرب معارضون أتراك طرح هذا المشروع للتصويت في غياب أيّ مشاكل تعترض الأتراك من الزواج المدني، ولا يجدون أيّ مبرّر لهذه المغامرة القانونية سوى رغبة أردوغان في تركيز جهاز مواز يقسّم الأتراك ويثير بينهم الخلافات حول الهوية الدينية والهوية المدنية.

واعتبرت صحف معارضة أن هذه الخطوة تأتي ضمن رغبة حكومة أردوغان في التخلص من النظام العلماني وتعويد الأتراك على الأحكام الإسلامية، وكمقدمة لبناء حكم ديني يحقق للرئيس التركي أمنيته في أن يستعيد تجربة العثمانيين ولعب دور السلطان.

ولا تستبعد منظمات مدنية وحقوقية أن يكون إقرار الزواج الديني هدفاً لجعله مرجعية وحيدة لدى الأتراك، وأن تعمد الحكومة إلى تشجيع الناس على تهميش الزواج المدني، وهو ما من شأنه أن يدفع إلى الاعتراف بنماذج مقنّعة مثل الزواج العرفي وغيره من التسميات الرائجة بين أوساط إسلامية متشددة.

ولا يخفي أردوغان أفكاره المتشددة ورغبته في أن يعيد تركيا إلى الوراء عبر قوانين تقلل من شأن المرأة أو تتدخل في الحريات الشخصية للأتراك مثل تحريم الإجهاض والحث على إنجاب عدد كبير من الأطفال «3 على الأقل»، والتمييز بين الجنسين، وهي الأفكار التي أدت إلى مظاهرة كبرى بميدان تقسيم في يونيو 2013.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أثار أردوغان غضب جمعيات الدفاع عن المرأة حينما أفتى بأن «ديننا الإسلام حدد دور النساء في المجتمع بالأمومة، وأنه لا يمكن معاملة الرجل والمرأة بالطريقة نفسها لأن ذلك ضد الطبيعة البشرية».

كما تدخل أردوغان في تقاليد الأتراك التاريخية عندما رفض اعتبار عرق «الراكي» شراب الأتراك، مطالبا باستبداله بشراب «لبن العيران»، ما أثار موجة من الاستهجان والتهكم.