«إلى الجانب الأول للجدار الحدودي (الأمني) تجمهر مئات الشبان في مظاهرة غضب ألقوا خلالها الحجارة وأضرموا النار في الإطارات المطاطية… إنهم سجناء داخل الجدار. على الجانب الآخر، برج حراسة محصن ومرتفع، يتواجد داخله جنود إسرائيليون، مهمتهم مراقبة الجدار. المتظاهرون غير مسلحين، ولا يمكن لحجارتهم أن تشكل خطراً على الجنود المتحصنين داخل البرج. لكن المظاهرة محظورة – هذا ما قرره قادة الجنود المتواجدون في الجانب المراقِب، غير المسجون للجدار… أي في الجانب الإسرائيلي. كان ثمة قناص داخل البرج، وضع على عدسة المهداف أحد المتظاهرين وأطلق النار، سدد رصاصة حية مباشرة نحو رأس عائد خميس جمعة (35 عاماً). فارق جمعة الحياة على الفور. أُطلق المزيد من الرصاص من داخل البرج ليصيب ستة متظاهرين آخرين بجروح. هذا ما حصل قبل أسابيع فقط قرب السياج الأمني على حدود قطاع غزة إلى الشرق من مخيم جباليا».

هذه مقدمة مقال لم يكتبه فلسطيني بل محاضر إسرائيلي يغرد خارج السرب الصهيوني ويقر بالحقيقة كما يستدل من عنوان مقال ترجمه مركز «مدار» بعنوان « حصار غزة عدوان وقتل إسرائيليان مستمران».

ويقول المحاضر الدكتور عيدان لانداو ساخرا إن ما ذكر هو مجرد حادث روتيني وخبر هامشي في وسائل الإعلام الإسرائيلية. ويتساءل عن الدافع للجريمة أين ومن هو المشبوه هنا؟. ويذكّر بأن الجيش الإسرائيلي يجتاح بشكل روتيني أراضي غزة، ويقوم بذلك مرارا وتكرارا من أجل «تسوية وتسطيح» أراض في الجانب الفلسطيني – الغزي للجدار. وقد جرت العادة على تسمية ذلك بلهجة الغموض التي تستخدمها وسائل الإعلام الإسرائيلية: «نشاط روتيني قرب الجدار» مما يشكل تمويهاً متعمداً لحقيقة أن الأمر يتعلق بالجانب الغزي للجدار، وهو اجتياح غير مشروع دون أي استفزاز أو تحرش من الجانب الفلسطيني.

ويستعرض بالتفصيل عمليات قنص وقتل شباب فلسطينيين دون مبرر لافتا إلى أن الجيش الإسرائيلي قد أعدم (قتل) 28 فلسطينيا من المتظاهرين غير المسلحين قرب الجدار الأمني خلال عامي 2015 و2016 ، وأصاب مئات آخرين بجروح (وفقاً لمعطيات منظمة «بتسليم»). وينوه لانداو لحقيقة أن هذه المعطيات لم تنشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ ومثلما لا تُعد قطرات المطر في الخريف، لا يُعد في إسرائيل قتلى الجدار في قطاع غزة. ورغم الأجواء المشبعة بالكراهية والعنصرية في إسرائيل لا يتردد بالقول إنه من الواضح أن إسرائيل تتعايش بصورة جيدة مع حصة الدم الثابتة هذه ولا ترى فيها أي غضاضة.

منطقة الموت

تعتبر المنطقة العازلة التي أعلنت عنها إسرائيل في عام 2005 في الجانب الفلسطيني من الجدار الأمني، منطقة موت للفلسطينيين، ولا يوجد سبيل أفضل منها لتنفيس وإفراغ بالون «الانفصال» وإزالة المسؤولية الإسرائيلية عن قطاع غزة.

ويحرص جيش الاحتلال بشكل متعمد على إبقاء حالة من الغموض فيما يتعلق بعرض المنطقة العازلة، الذي يتراوح بين 100 متر و3000 متر، فيما لا يمتلك الفلسطينيون أي وسيلة لمعرفة أين بالضبط تنتهي هذه المنطقة غير المحددة، وفي أي جانب سيظهر اليوم قائد المنطقة (الإسرائيلي) ليراقبهم من أبراج المراقبة.

وفقا لتقدير الأمم المتحدة، فإن مساحة هذه المنطقة تصل إلى 17% من مساحة قطاع غزة، وإلى 35% من مساحة الأراضي الزراعية في القطاع. وهكذا فإن المنطقة العازلة لا تقتل الفلسطينيين فحسب، بل وتحكم عليهم أيضاً بكارثة اقتصادية، هذا فضلا عن أن طرد وإخلاء السكان الفلسطينيين من هذه المناطق الواسعة، يُفاقم أكثر مستوى الاكتظاظ السكاني في قطاع غزة، الذي يعتبر من الأعلى في العالم. كما يؤكد أن إسرائيل لا تدخر في انتهاج وسائل خنق وتقويض مصادر معيشة المزارعين في قطاع غزة.

ويستذكر أنه في ديسمبر/ كانون الأول من 2015 قامت السلطات العسكرية الإسرائيلية برش 1500 دونم من الأراضي الزراعية تبعد مسافة 200 متر عن الجدار الأمني بالمبيدات الحشرية، وذلك رغم أن البيان الأخير للجيش كان قد حدد المنطقة العازلة بـ 1000 متر فقط. ومن ناحية عملية فإن المواد المبيدة التي يجري رشها من الجو تؤدي إلى إبادة وإتلاف مزروعات في مساحة تصل إلى 7000 متر من الجدار، وبذلك فإن حدود مساحة المنطقة (العازلة)- المتغيرة بصورة تعسفية – التي يفرضها الجيش الإسرائيلي، تغدو عديمة الأهمية.

ويشدد على أنه ليس لإسرائيل أي حق باجتياح أراض أو منطقة تعلن وتصرح هي نفسها صباح مساء أنها انسحبت منها إلى الأبد. وطالما كانت تعطي لنفسها الحق، وتقوم بتجسيده وسط إزهاق أرواح فلسطينيين أبرياء، فإنها تعطي بذلك حقا موازياً للفصائل الفلسطينية باقتحام مناطقها وتنفيذ هجمات فيها، لافتا إلى أن اجتياحات الجيش الإسرائيلي المتكررة لأراضي غزة هي أعمال عدوانية وليست دفاعية، كما أن قتل متظاهرين برصاص قناصين يعتبر عملا إرهابيا بكل ما تعنيه الكلمة.

الصيادون كأعداء

كذلك يؤكد إن الحصار البحري المفروض على غزة يحصد بدوره أيضا حصته الموسمية من الدماء الفلسطينية. ويستذكر أنه قبل شهر ونصف فتحت سفينة إسرائيلية نيرانها على قارب صيادين تجاوز منطقة الصيد التي خصصتها إسرائيل لغزة، مما أدى لمقتل محمد ماجد بكر (23 عاما) من مخيم الشاطئ بعدما تلقى رصاصة في صدره، ومحمد هو الصياد الثاني الذي قتل برصاص الجيش الإسرائيلي هذا العام.

ويتابع  استعراض جرائم الاحتلال في البحر ففي إحدى ليالي شهر يناير/كانون الثاني الماضي انقضت سفينة تابعة لسلاح البحرية على قارب محمد الهسي (33 عاما) مما أدى إلى تحطم القارب وسقوط محمد في مياه البحر، الذي لم يعثر على جثته حتى الآن. ووفقا لمعطيات لم تنشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية فقد أعدم الجيش الإسرائيلي منذ 2007 ستة صيادين في مياه غزة وجرح المئات. ووفقا لاتفاقيات أوسلو فإن مجال الصيد المسموح به من قبل إسرائيل حُدِدَ بـ 20 ميلا بحريا من شاطئ غزة، غير أن إسرائيل لم تسمح قط للصيادين الغزيين ببلوغ مثل هذه المسافة.

صراع اقتصادي

ويؤكد أن الصراع دوما كان ضد الفلسطينيين اقتصاديا أيضا، رغم محاولة إسرائيل تغليفه بغلاف أمني وزخرفته بشعارات من قبيل «تعاون إقليمي». ولعل ما يشهد على ذلك حقيقة أن الجيش الإسرائيلي يصادر قوارب الصيادين التي يتم ضبطها ويرفض إعادتها إلى أصحابها. وقد قدرت الأضرار المادية التي لحقت بالفلسطينيين من جراء مصادرة قوارب الصيد وإطلاق النيران من جانب سفن سلاح البحرية الإسرائيلي خلال عام 2016 بما قيمته نصف مليون دولار. لقد رأت إسرائيل أن عليها تحطيم فرع الصيد في غزة، تماما كما رأت فيما يتعلق بفرع المحاجر في الضفة الغربية. وبالفعل فقد جرى سحق فرع الصيد البحري في غزة، إذ انخفض عدد الصيادين المسجلين من 10 آلاف صياد في عام 2002 إلى حوالي 2000 صياد فعلي في عام 2017 يعيش كلهم تحت خط الفقر.

واقع غير محتمل

ويشدد على أن الحصار المفروض على قطاع غزة لم يفرض لأغراض دفاعية وإنما هو منظومة سلبية، عدوانية، وعمل حربي مستمر، ودمج لتكنولوجيا متقدمة ولجنود وضباط لا يرون أمامهم بشرا وإنما فقط ما يعتبرونه «تهديدا وجوديا. ويؤكد أن هذا الحصار العدواني يتغلغل إلى المنطقة المحاصرة ويفتح نيرانه على المحاصرين غير المسلحين، وهو ما يشكل عملا روتينيا يجري في كل أسبوع.

ويتهم المحاضر الجامعي الإعلام الإسرائيلي بطمس الحقيقة الخاصة في غزة وإخفاء الظلم الواقع عليها، معتبرا ذلك تواطؤا مع مرتكبي الجريمة باسم الأمن. ويوضح أنه ليس مضطرا لتقديم الحل لأن وقف الظلم مهمة كافية، ومع ذلك يرى ضرورة للتوصل إلى تسوية حقيقية مع حركة «حماس» معتبرا أن ذلك ممكنا لو رغبت إسرائيل التي تكرس تبعية القطاع لها وتتهرب من ذلك لإثبات أنه لا يوجد شريك فلسطيني.

ويخلص للقول» سنستمر في رؤية والتحدث عن أولئك الناس الجوعى الذين يواصلون الانقضاض على الجدار دون أن يكون لديهم ما يخسرونه، ما عدا حياة البؤس والفقر والاستعباد، دون أن نتحدث عن أنفسنا».