كثيراً ما ردد بنيامين نتنياهو على مسامع قيادة حزبه أن «الليكود» كان في طريقه إلى الاضمحلال وربما التلاشي لو لم يتولى هو قيادة دفته في انتخابات الكنيست العام 2009، ونقله من حزب صغير إلى الموقع الثاني في الكنيست وبفارق مقعد واحد فقط عن «كاديما» الذي كانت تتولى رئاسته تسيبي ليفني.

ولا يتوانى رئيس الوزراء الإسرائيلي المستمر منذ ذلك الوقت في رئاسة «الليكود» والحكومة عن إحالة الفضل في هذه الاستمرارية إلى قدراته الخاصة في إدارة الحكم وكسب المعارك مع خصومه وأعدائه على حد سواء.

مختصر الرسالة التي أوصلها نتنياهو إلى قيادات حزبه أنه لا «ليكود» قوي بدون رئاسته، وفي السياق أوصل رسالة إلى شركائه في الائتلاف الحكومي وغيرهم أن لا حكومة إسرائيلية قوية دون أن يقودها الليكود.. وبرئاسته حصراً.

لكن، في ظل سيل الشبهات القضائية والمطالبات بتقديم لائحة اتهام بحقه على خلفية ارتكابه جرائم فساد، بدأ كثير من قيادات «الليكود» بالتدقيق في جدوى ما أوصله لهم في رسالته.

في المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي، وربما غيره أيضاً، يلعب الفرد دوراً مؤثراً في مسار عمل الحزب وفي تحديد موقعه في هذا المشهد، وكان هذا واضحاً في مرحلة «الآباء المؤسسين» الذين تناوبوا بشكل أساسي على قيادة حزبي «العمل» و«الليكود» ولكن بدا الأمر أشد وضوحاً عندما غادر أرئيل شارون حزب «الليكود» وهو على رأسه وشكل حزباً جديداً (كاديما) وخاض به الانتخابات واحتل الموقع الأول في الكنيست؛ ويتأكد صحة هذه المقولة على نحو ساطع عندما غاب شارون عن المشهد السياسي وتولى من بعده إيهود أولمرت رئاسة الحزب ويبدأ معه مسيرة التراجع والاضمحلال حتى تلاشيه نهائياً بعد تولي شاؤول موفاز مقعد رئاسته. الأمر ذاته تقريباً حصل مع «العمل» بعد اغتيال رابين ومجيء شمعون بيريس مكانه، لتبدأ أيضاً مرحلة التراجع معه ومع كل من ايهود باراك (الذي شق الحزب) ولاحقاً بيرتس ومن جاء بعدهم.

وتصح المقولة بخصوص «الليكود» بعدما غادره شارون ومعظم قياداته الرئيسية؛ ليتراجع الحزب من صدارة المشهد الذي احتله في سبعينيات القرن الماضي إلى حزب صغير بـ11 مقعداً في الكنيست، حتى جاء على رأسه مجدداً بنيامين نتنياهو وحصل على 16 مقعداً إضافياً. ومع أن «كاديما » (28 مقعداً) تكلف بتشكيل الحكومة إلا أن نتنياهو استطاع بمناوراته وتحالفاته أن يفشل محاولة ليفني لينتقل التكليف إليه ويشكل الحكومة، ومنذ ذلك الوقت (2009) لا يزال هو في منصب رئيس الوزراء. وهذا يؤكد مسألتين، أولاً غياب المنافسة الجدية له في حزب «الليكود» وخارجه، في وقت كانت فيه الأحزاب الأخرى تفتقد إلى قيادات قادرة على الاستقطاب وتشكيل البديل المقنع؛ والمسألة الثانية تتعلق بقدرة نتنياهو على المناورة واللعب على التناقضات ما بين خصومه داخل الائتلاف الحكومي وخارجه.

العامل المهم الذي مكن نتنياهو من الاستفادة من المسألتين المذكورتين يتعلق بالانزياح المضطرد الذي شهده المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف على إيقاع تغول السياسة التوسعية للحكومات الإسرائيلية وتزايد قوة تأثير المستوطنين على توجيه السياسة العامة للحكومة، ولوحظ بشكل جلي تسابق مرشحي الأحزاب الصهيونية للكنيست على كسب ود المستوطنين.

وفي هذا المجال، كان نتنياهو في المقدمة، واستطاع كسب تأييد معظم أوساط المستوطنين عندما خاض تجاذبات مع واشنطن على خلفية خطاب أوباما (4/6/2009) الذي دعا فيه إلى تجميد الاستيطان وحق الفلسطينيين في دولة خاصة  بهم.

وفي السياسة الداخلية، الاقتصادية خصوصاً، لم يستطع خصومه وأعدائه تقديم خطط اقتصادية واضحة تواجه المسار الذي دفع باتجاهه وتضررت جرائه الطبقات الوسطى والفقيرة لدرجة اندلاع تظاهرات تحت يافطة «أريد بيتاً أسكنه» بعد الارتفاع الكبير لأسعار السكن في ظل إجراءات نتنياهو.

وخلال الفترة التي أعقبت ولايته الحكومية الثانية (2009) عمل نتنياهو بشكل منهجي نشط على تحجيم منافسيه داخل «الليكود» واضطر بعضهم مغادرة الحزب لينافسوا نتنياهو من خارجه. وخلال الفترة ذاتها، عمل على كسب القوى والأحزاب الجديدة الصاعدة وضمها إلى الائتلاف الحاكم عبر صفقات مغرية وعلى حساب الليكود ذاته كي يضمن بقاءه على رأس الحكومة؛ من بين هذه القوى حزب «يوجد مستقبل» برئاسة يوسي لبيد، و«البيت اليهودي» برئاسة بينيت. وكلما شعر نتنياهو أن هناك اصطفافاً داخل الائتلاف بدأ يتشكل ضده يقلب الطاولة ويدعو إلى انتخابات مبكرة وهو ما حصل بعد تفاهم ليفي ولبيد ضده.

كل ذلك كان يجري، في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب الصهيونية في المعارضة تعيش صراعات داخلية ويزداد ضعفها. ومع عدم وجود تباين ظاهر في برامج الأحزاب عموماً، وخاصة تجاه الملف الفلسطيني، لم يكن أمام الناخب الإسرائيلي بديلاً جدياً يلتف حوله.

لكن، منذ أشهر، تكثفت الشبهات القضائية حول نتنياهو وزوجته وعدد من مساعديه المقربين، وبدأ الحديث يعلو عن فساد شاب صفقة الغواصات الألمانية، وتدخلات نتنياهو لصالح بعض المريدين على حساب القانون. ومع انه لم توجه له بعد لائحة اتهام، إلا أن الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه الشرطة الإسرائيلية مع آري هارو مدير مكتبه السابق واعتباره «شاهد ملك» في قضايا فساد تمس نتنياهو يلقي ظلالاً قاتمة على أي سيناريو متوقع لما يمكن أن يؤول إليه وضع نتنياهو في المستقبل القريب.

ومن الطبيعي والحال هكذا أن يعيش «الليكود» حالة من الارتباك بعد أن وجدت قياداته نفسها فجأة أمام سؤال من يخلف نتنياهو؟. ومع أن هذا السؤال تردد كثيراً في محافل عدة، إلا أنه لم يكن ملحاً بالشكل الذي بدأت قيادات «الليكود» تحاول البحث عن إجابة له.

عندما صمتت هذه القيادات طويلاً (نسبياً) تجاه هذه المسألة، كان السبب يعود إلى خشيتها الدخول على خط الشبهات دون تأكيدها قضائيا، وبالتالي تتعرض لسخط نتنياهو، وربما أوساط الحزب أيضاً، لكن مع قضية «الشاهد الملك» تغيرت حسابات بعض هذه القيادات من زاوية البحث عن وسيلة تنجيهم من تداعيات اتهام نتنياهو رسمياً، دون أن يخسروا مكانتهم داخل الحزب وحتى تزداد فرص الطامعين منهم في المنافسة عمن يخلفه.

لذلك، كان لافتاً إعلان آفي ديختر، رئيس لجنة الخارجية والأمن بوجوب تقديم نتنياهو لاستقالته فور تقديم لائحة اتهام بحقه. وبذلك يريد ديختر أن يبدو حريصاً على مستقبل «الليكود» وإبعاده عن تداعيات التحقيق الرسمي مع رئيسه، وأنه يسعى للتقليل من خسائر الحزب عشية الانتخابات المبكرة في حال تم إقرار تبكيرها.

ومع أن كثيرين يقولون إن الوقت مبكر على ذلك، إلا أن مؤشرات عدة تبين أن الملف القضائي بحق نتنياهو يمكن أن يشهد تطورات تدفع جدياً بالتفتيش عن بديل له.

لقد بدأ كل من نتنياهو وأوباما ولايتيهما في العام نفسه. وبعد ثماني سنوات غادر الرئيس «الديمقراطي» وبقي نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية، وربما أمل أن يواصل مع الرئيس ترامب الذي بدأ أقرب لتفهم سياساته ورؤيته في التسوية الإقليمية.

الاحتمالات متعددة.. لكن الثابت أن «الليكود» بدون نتنياهو سيختلف.. ولو قليلاً.