الإنتصار الذي تحقق في القدس، حمل في طياته العديد من الدروس والعبر والتجارب الغنية، ما يتطلب من القوى الفاعلة والحية في الميدان أن تستخلصها، وأن تبني عليها، في مراكمة لآليات النضال والفعل في معارك التصدي للإحتلال والإستيطان.

من بين هذه الدروس، والتي يتوجب تعميقها، هو معاينة الدور الأميركي في محاولته لعب دور الوسيط، بين حكومة نتنياهو، والقيادة الرسمية الفلسطينية.

إذ، ومما لا شك فيه، أن واشنطن، وفي ظل اللهيب الذي إشتعل في القدس، وإمتدمت نيرانه إلى باقي المناطق الفلسطينية المحتلة، وإمتدت حرارته إلى الجوار العربي والإقليمي، وإسترعى إنتباه العواصم الدولية وإهتمامها، لم تستطع أن تقف مكتوفة الأيدي. إذ رأت واشنطن، في الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية، خطراً مباشراً، على إجراءاتها من أجل تحضير المسرح السياسي لعملية سياسية، تمهد لحل إقليمي، ينهي، كما تتمنى وتريد، الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، ويفتح الباب لمعادلات سياسية إقليمية جديدة، يعاد فيها توزيع الأدوار، وإعادة صياغة تعريف القضايا والأولويات، بما يخدم المشروع الأميريكي الصهيوني في المنطقة.

هذا من جانب. أما من جانب آخر، فلقد سارعت السلطة الفلسطينية، إلى الإستنجاد بالوسيط الأميركي، بعد أن شعرت أنها محشورة بين حدين ليس بإمكانها الخلاص منهما بسهولة.

الحد الأول هو ضغط الشارع الفلسطيني، الذي رسم أهدافه، وسقف مواقفه، وأغلق الطريق على أية مساومة، حين قرر رفض الإجراءات الإسرائيلية، بأشكالها المختلفة، والعودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل  14 تموز (يوليو)، تاريخ وقوع العملية العسكرية لشبان «الجبارين» ضد الوجود العسكري الإسرائيلي في القدس ومحيط الأقصى. كان الشارع الفلسطيني، بإجماع مكوناته السياسية والإجتماعية، سياسية وروحية، يدرك أن المعركة تتجاوز حدود الصلاة وشروطها، لتطال مسألة السيادة على الحرم القدسي وما حوله، في إطار النزاع التاريخي، الذي إبتدعته الصهيونية ـــــ الدينية بشأن أسطورة الهيكل، وضرورة هدم الأقصى، في مشروع يطال القدس كلها، بل ويطال الضفة كلها في التهويد، والإستيطان، وطمس الهوية الوطنية للبلاد.

ما كان بإمكان السلطة أن ترضى بما هو أقل من مطالب الشارع الفلسطيني. لذلك ما كان بإمكان السلطة، تحت ضغط الشارع أن تفتح باب المساومة مع سلطات الإحتلال.

*   *   *

بالمقابل، ما كان بإمكان السلطة أن تضغط على حكومة نتنياهو للوصول إلى «تسوية» للقضية. (وهذا هو الحد الثاني)  فحكومة نتنياهو، ولأسباب عدة، إعتمدت خط التصعيد، في الإجراءات [بوابات إلكترونية ـــــ كاميرات ذكية ـــــ قمع وقتل في الشارع ورصاص حي ...] وكلما صعدت حكومة نتنياهو، كلما جوبهت بالمزيد من التصلب والتماسك في الشارع الفلسطيني، مما خلق أزمة لنتنياهو شخصياً، الذي ما عاد بإمكانه أن يذهب إلى أكثر مما ذهب إليه من عناد وتعنت. وخلق أزمة للسلطة الفلسطينية نفسها، التي رأت نفسها مطالبة بإتخاذ موقف في ظل تأزم الوضع وتعقده، وتحول إنتفاضة القدس إلى مقدمة لإنتفاضة فلسطينية شاملة قد تمتد إلى أنحاء الضفة الفلسطينية، وبدأ صداها يتردد في قطاع غزة، وفي مناطق الشتات، وفي العواصم العربية وفي صفوف الجاليات الفلسطينية التي إستنفرت جهودها بناء لنداء من دائرة المغتربين في م.ت.ف، برئاسة عضو اللجنة التنفيذية تيسير خالد.

وبدت الأمور واضحة. فالقضية لم تأخذ للحظة طابعاً دينياً، بل بقيت في إطارها الوطني، وهو ما جرى التعبير عنه، في إلتحام الفلسطينيين في موقف واحد، ووقوف رجال الدين مسلمين ومسيحيين، صفاً واحداً في مواجهة سلطات الإحتلال. في هذه الأزمة المزدوجة التي تعيشها السلطة الفلسطينية حاولت أن تستنجد بالوسيط الأميركي، والذي رأى في الدعوة الفلسطينية فرصة للتدخل.

لكن تدخل الجانب الأميركي كان مخيباً لآمال السلطة وتوقعاتها. ويبدو أن السلطة ما زالت حتى الآن لا تقرأ الموقف الأميركي إلا تحت ضغط أزمتها السياسية العميقة. أزمة وصول خيارها السياسي التفاوضي إلى الطريق المسدود، وعجزها، ورفضها التراجع عنه لصالح الخيارات الوطنية، البديلة، وإصرارها على التمسك بالدور الأميركي بإعتباره هو من يصون لها موقعها في المعادلة السياسية [الأميركية ــــ الإسرائيلية] للصراع في المنطقة.

التحرك الأميركي جاء في خدمة نتنياهو وإجراءاته، حين دعت واشنطن القيادة الرسمية الفلسطينية للضغط على الشارع لتهدئة الأوضاع ووقف الإنتفاضة. وحين إعتبرت إجراءات نتنياهو وحكومته أمراً ضرورياً (كما ادعى) لحماية أمن الأقصى وحماية أمن المصلين فيه. وكأن نتنياهو يريد أن يحمي الأقصى من المسلمين (!).  وأن يحمي المسلمين من المسلمين أنفسهم (!) في لعبة مفضوحة لتبرير سيطرته على الحرم وإلقاء القبض عليه، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كل شبر فيه تأكيداً للإدعاء بأن القدس هي عاصمة إسرائيل.

فشلت السلطة في إقناع الجانب الأميركي بإتخاذ موقف «متوازن»، كما فشلت في إقناعه بحجم المأزق الذي تعيشه السلطة ورئيسها، في ظل الضغط الشعبي المتصاعد، وتواصل الإنتفاضة ودخولها أسبوعها الثاني. وهي النقطة الإنعطافية التي أرغمت السلطة، تحت ضغط القوى السياسية الفلسطينية، بما فيها قواعد حركة فتح التي حافظت على تواصلها مع الحالة الشعبية خارج أطر وأقنية بيروقراطية السلطة وحساباتها الفئوية. وتحت ضغظ رجال الدين ووحدة موقفهم وتماسكهم. النقطة الإنعطافية التي ألزمت السلطة للخروج عن صمتها في كلمة الرئيس عباس، التي أعلنت سلسلة إجراءات تكتيكية، لم تقطع مع الإحتلال، خاصة حين رهنت إعادة العمل بالتنسيق الأمني، بالعودة بالأقصى إلى ما كان عليه قبل 14 تموز (يوليو) أي إزالة الإجراءات الإسرائيلية المبتدعة.

 

*   *   *

 

درسان مهمان لا بد من تظهيرهما.

 

• الأول أن وحدة الحركة الشعبية في الشارع، هي السلاح الأقوى لشد السلطة الفلسطينية، وشد القيادة الرسمية الفلسطينية نحو مواقف تلبي مصالح القضية الوطنية ومصالح الشارع الفلسطيني. هذا ما تحقق في القدس، حين رضخت القيادة الرسمية لموقف الشارع في الإجتماعين اللذين عقدتهما لمتابعة الوضع، خاصة إجتماع 21/7/2017، حين إلتزمت ما قرره المعتصمون والمنتفضون  في القدس.

وهذا ما تحقق في إضراب الأسرى، حين إضطرت السلطة بعد تردد لتأييد الإضراب (بعد أن حاولت إجهاضه) وهذا ما تحقق حين خرج الشارع في تظاهرة كبرى ضد التعديل الظالم لقانون الضمان الإجتماعي. وحين خرج الموظفون العموميون في شوارع رام الله يدافعون عن حقوقهم العادلة.

• الثاني أن الوساطة الأميركية ليست قدراً. وأن الضغط الأميركي ليس قدراً. وأن بالإمكان التصدي للموقف الأميركي ورفضه. لقد بدت وساطة كوشنر وغرينبلات باهتة، ولا معنى لها. وغابت خلف مشهد آلاف الفلسطينيين الغاضبين في الشوارع. لقد سقط الخطاب الساداتي الذي تبنته السلطة ورئيسها بالإدعاء أن 99% من أوراق الحل في المنطقة هي في يد الولايات المتحدة، وإنتصب مكانه خطاب يقول إن الحل يصاغ في الشارع. وأن بالإمكان تنحية الوسيط الأميركي جانباً، ووضعه على الرف، وتحويل المجابهة مع نتنياهو وحكومته ومع الإحتلال إلى مجابهة مباشرة، تتوفر فيها وحدة الشارع، ووحدة قواه ميدانياً، وإرادة سياسية متماسكة وصلبة، وتمسك ثابت بالحقوق الوطنية، إستناداً إلى المشروع الوطني الفلسطيني، البديل لمشروع أوسلو وتداعياته