الغضب الفلسطيني العارم أجبر حكومة الاحتلال على التراجع عن جميع الإجراءات الأمنية التي اتخذتها في المسجد الأقصى ومحيطه.

ولأن المعركة فتحت في وجه الاحتلال بسبب هذه الإجراءات ، يمكن القول إن الانتصار الفلسطيني كان كاملاً ربطاً بالأهداف والمطالب التي تحققت. ولهذه الأسباب، يمكن القول أيضاً، إن نتنياهو وحكومته تلقوا هزيمة نكراء على يد المقدسيين ومن ساندهم.

وعلى الرغم من أن أية مواجهات مع الاحتلال لا تنفصل حكماً عن مسار النضال الفلسطيني العام في سبيل تجسيد الحقوق الوطنية، إلا أن هذه المعركة جرت في ظل شروط وعوامل ساهمت في الوصول إلى تحقيق المطالب الفلسطينية وبسرعة قياسية.

بعض هذه العوامل يرتبط بوقوع المدينة تحت السيطرة الحصرية للاحتلال، وبعضها الآخر والأساسي يتعلق بتوافر القيادات المحلية وقدرتها على إدارة المعركة حتى حسن خواتيمها.

لقد أدرك المقدسيون، ومعهم عموم الشعب الفلسطيني، أن الإجراءات الإسرائيلية ليست رداً ارتجالياً على العملية التي نفذت في القدس، وليست مجرد إجراءات ميدانية نتيجة حدث طارئ فاجأ الاحتلال، بل هي مشروع سعت تل أبيب ومازالت من أجل تنفيذه بالسيطرة على المسجد الأقصى ومحيطه وتمرير خطة تقسيمه مكانياً وزمانياً تعويضاً عن محاولتها الفاشلة في هذا الاتجاه في العام 2015.

هذا الفهم الموحد انعكس وحدة في ميدان المواجهة بدءاً من الرفض القاطع للتكيف مع هذه الإجراءات أو البحث عن حلول وسط بشأنها. وبالتالي، كانت المواجهة ستستمر مع استمرار هذه الإجراءات وتفاقمها بكل ما يعنيه ذلك من تفاعلات وتداعيات محلية وعلى المستويين الإقليمي والدولي.

فالقضية كبيرة بالمعنيين الضميري والوطني، وإدارة الظهر لها من قبل من تتصل به هذه القضية ليس سهلاً كما غيرها من القضايا. ومع ذلك، لم تنجح الوساطات التي دارت في خانة الحلول الوسط لأن القيادات المعنية بإدارة المعركة رفضت مجرد الخوض فيها. وعلى الأرض وفي ميدان التأثير لم يكن سوى الاحتلال ومن هبوا في وجه إجراءاته.

لقد أثبتت معركة القدس مجدداً جدوى المقاومة الشعبية وقدرتها على الثبات وخاصة أنها متحررة من الضغط والتدخلات من قبل جهات استعدت على الدوام للقيام بمقايضات وتسويفات في قضايا عدة على امتداد المرحلة الماضية، وأخرت بذلك كل ماله علاقة بتطوير الوسائط والأطر التي تمكن من مواجهة الاحتلال وتعزز مصادر قوة الحالة الفلسطينية؛ وهي على كل حال (هذه الجهات) مقصاة سياسياً وأمنياً عن القدس المحتلة؛ ولا إمكانية أمنية أو سياسية لها على التدخل. مع ملاحظة أن الشخصيات والرموز المحسوبة عليها لم تدخل على خط المواجهة ولا حتى التضامن الميداني مع المنتفضين.

واللافت في معركة القدس أن حالة الإنقسام الفلسطيني لم تنعكس نهائياً على مسارها وتجسدت وحدة المنتفضين الميدانية على نحو مكنها من الوصول إلى تحقيق أهدافها.

ومع ذلك، لا يعني الانتصار في هذه المعركة أن الاحتلال انكفأ مع معداته الالكترونية وكاميراته الذكية التي سحبها من ميدان المعركة واضطر للقبول بعودة الأمور في المسجد الأقصى ومحيطه إلى ما كانت عليه قبل يوم الرابع عشر من الشهر الماضي.

فعلى الرغم من إحساس نتنياهو العميق بالهزيمة إلا أنه وحكومته يسعون بقوة لإخلاء القدس من أصحابها واستقدام المزيد من المستوطنين كي تكون مدينة يهودية بلا مقدسيين وتتحقق على الأرض خطتهم في أن تكون «عاصمة موحده وأبدية لإسرائيل». فالمبادرات ومشاريع القوانين في الكنيست والاتصالات السياسية نشطة من أجل تحقيق ذلك. وتسعى حومة نتنياهو من أجل تهجير الفلسطينيين في أراضي الـ 48 وتفريغ القدس من سكانها في مسارين متكاملين. وبالتالي، الانتقال من مطالبة المفاوض الفلسطيني بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل والتسليم بالقدس الموحدة عاصمتها، إلى تطبيق ذلك على الأرض.. ديموغرافياً.

هذا لا يعني أن مخطط التطهير العرقي الذي تسعى لتحقيقه تل أبيب يمضي إلى مآلاته التي رسمتها الحكومة الإسرائيلية، لكن وضع حد لهذا المشروع يتطلب الكثير من الجهد الوطني الفلسطيني وفق برنامج موحد يقطع مع السياسات الرسمية الفلسطينية التي لا تزال تلهث وراء يافطة التسوية بشروط تل أبيب ووصفات واشنطن السابقة.. والحالية.

لقد ضغطت معركة القدس على الأطراف جميعاً ووضعتهم أمام استحقاقات تهربوا منها طويلاً. من بين ذلك إعلان القيادة الفلسطينية الرسمية تجميد الاتصالات مع الاحتلال، لكن ذلك كان مؤقتاً إلى حين تراجعه عن الإجراءات التي اتخذتها. وسيعود بالتالي التنسيق الأمني إلى التفعيل مع انتهاء وقائع المعركة، وربما الأمر ذاته بخصوص الإعلان عن قرار التقدم بشكاوى ضد جرائم الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية.

ما يتم تجاهله هو أن المجلس الفلسطيني المركزي اتخذ قرارات واضحة وملزمة قبل معركة القدس بأكثر من عامين. فدعا إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإلى تفعيل عضوية دولة فلسطين في المؤسسات الدولية وخاصة محكمة الجنايات الدولية، كما قرر تصويب العملية السياسية برمتها بخصوص التسوية باتجاه إرسائها وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وفي المقدمة القرار 194 الذي يكفل للاجئين الفلسطينيين حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، والقطع مع المقايضات والمساومات ومنها مبدأ تبادل الأراضي في رسم حدود الدولة الفلسطينية مؤكداً ضرورة قيامها على خطوط الرابع من حزيران / يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

لا يحتاج الأمر إلى موقف أو قرار جديد يعلن من على هذا المنبر أو ذاك على ايقاع ما يجري في معركة القدس، بل الشروع في تنفيذ القرارات الصادرة عن الإجماع الوطني، والأمر ذاته ينطبق على موضوعة الانقسام وضرورة العودة إلى قرارات الحوارات الوطنية الشاملة في هذا الشأن. لكن الأمر يحتاج إرادة سياسية موحدة تخرج الحالة الفلسطينية من حالة الشلل القائم إلى دائر الفعل والمبادرة..

وحتى الآن، لا مؤشرات جدية على توافر هذه الإرادة في الوقت الذي يستعد فيه الاحتلال لجولة جديدة من العدوان في محاولة أخرى لتحقيق ما عجز عنه في الجولة السابقة.