لا أحد يجادل في مستوى النمو والتطور الذي وصلت إليه الصين في العقود الأخيرة، فالمجمعات الصناعية التي تعتمد على التكنولوجيا العالية باتت منتشرة في كثير من المدن الصينية، كما أنّ ما تشهده هذه المدن من تطوير لبناها التحتية وشبكات إنتاجها ومصانعها ومؤسساتها الخدماتية والاستثمارية صار يشكل أنموذجاً وقدوة تحتذى في شتى أرجاء العالم.

لقد استجابت القيادة الصينية إلى ضرورات التغيير، ومتطلبات بناء التنمية الاقتصادية والدخول في العالم المعاصر ذي التطور المتسارع، وأصبحت تنافس بقوة على مرتبة الاقتصاد الأول عالمياً. لم تستسلم لاتباع الطرق السهلة الآمنة، المتمثلة بسياسة الانغلاق والتقوقع على الذات، أو ما تسمّى بـ«عقيدة السور العظيم»، الذي يحمي ولا يسمح لأحد بالدخول إليها سوى الضيوف المختارين. بل اختارت سياسة الانفتاح و«اجتياح» الأسواق ببضائعها، واستقطاب ما تحتاجه ويلزمها من استثمارات وتكنولوجيا، حتى أصبحت «مفخرة» تشجّع على الاقتداء بها.

وليس أدلّ على ذلك، من عقدها لـ«قمة الحزام والطريق» وإطلاق مشروعها لإعادة إحياء وتجديد طرق الحرير القديمة، سعياً منها لتوسيع تعاونها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية واستثماراتها مع الدول القريبة والبعيدة على حدّ سواء.

لكن ذلك كلّه، لا يعني عدم وجود تحديات حقيقية تواجه الصين واقتصادها. فالتفاوت الاقتصادي ما زال كبيراً بين المدن والأرياف، وبين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية، وبين الأثرياء والفقراء. إضافة إلى أن التنمية الانسانية لا زالت في مستويات متدنية نسبياً، ولم ينعكس نموها الاقتصادي على تحسّن مداخيل الأسر الصينية وتراجع معدلات الفقر. كما أن معاناة الاقتصاد الصيني لا زالت كبيرة في قضية الحصول على الطاقة والمواد الأولية.

هذا فضلاً عن كثير من الأسئلة الممّضة المتصلة بقضية الإصلاح السياسي ومصير نظامها المستند إلى حكم الحزب الواحد، وذلك في ظل استمرارها بسياسة الانفتاح والمزيد من اندماج اقتصادها مع المنظومة العالمية للاقتصاد، وربط أسواقها الداخلية واستثماراتها بالأسواق والاستثمارات الخارجية.

وحسب كثير من الخبراء، تتحمل الحكومة الصينية مسؤولية وواجب القيام بتخطيط شامل وتبني استراتيجيات تنمية الاقتصاد الكلي للدولة، انطلاقاً من الحاجة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة لكلٍّ من الاقتصاد والمجتمع بشكل إيجابي ومثمر، آخذة بعين الاعتبار أنّ ذلك كله يتمّ في ظل العولمة.

فالتحول من بنية مغلقة إلى بنية منفتحة، سيتطلب مزيداً من الانفتاح على المستثمرين وعلى الخارج، ومن ثمّ الوصول إلى مرحلة ضرورة التخلي عن «الاقتصاد الموجّه»، سواء على مستوى حاجة السوق الداخلية أم على مستوى الحاجة للتصدير وجذب الاستثمارات، فماذا ستفعل الدولة الصينية حينئذٍ؟.

 

المحرر