رفض البرلمان الأوروبي، في العام الماضي، أن يمنح الصين صفة «اقتصاد السوق»، بهدف «حماية الصناعيين الأوروبيين والوظائف»، إذ أن منح هذه الصفة «سيحرم الاتحاد الأوروبي أسلحته الجمركية في مواجهة ممارسات تجارية مخادعة»، حسب قول بعض نوابه، الذين رأوا، مثلهم مثل كثير من المسؤولين الأوروبيين، أنه «إذا أراد بلد ما أن ينال على هذه الصفة، فعليه أن يتصرف بوصفه اقتصاد سوق، لا اقتصاداً تديره الدولة».

كان الاتحاد الأوروبي، آنئذٍ، بصدد اتخاذ قرار في هذا الشأن بحق شريكه التجاري الثاني (الصين). علماً أنه لدى انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في 2001، سُجلت الصين كـ«اقتصاد موجّه»، غير أنها وُعدت بإعادة النظر في تصنيفها بعد 15 عاماً.

وإذا كانت  خلفية تلكؤ وتردّد بعض الدول الأوروبية والصناعية في منح الصين هذه الصفة، يكمن فيما يمكن أن يؤدي إليه مثل هذا القرار من خفض كبير في الرسوم الجمركية على وارداتها من السوق الصينية، و«إغراق» الأسواق الغربية بالسلع الصينية، وتهديد الوظائف في أوروبا، تالياً، فإن الأمر، على المستوى النظري، المفاهيمي، أكثر تعقيداً وأكثر مدعاةً لإمعان الفكر والتأمل في «المفهوم» أو المصطلح الذي يمكن أن يكون مقارباً، أكثر من غيره على الأقل، لواقع حال «الظاهرة» التي نحن بصددها.

وللأسف، ففي ظل «الفقر» النظري العام الذي تعاني منه الكتابات اليسارية، وخصوصاً تلك التي تطلق على نفسها «ماركسية لينينية»، فإن أغلب ما نقرأه عن التجربة الصينية يميل إلى كيل المدائح والاطناب في تعداد مواصفاتها الإيجابية (محاسنها)، من دون التوقف عند الأسئلة الجوهرية والأساسية التي تثيرها، أو يفترض بها أن تثيرها، لدى البحث الرصين والجريء في أبعادها وجوانبها وآفاقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية!.

في المفاهيم والمصطلحات

ماذا يعني، على سبيل المثال، استخدام مصطلح «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»؟، الذي أطلق أساساً لتمييز هذه التجربة عن نظيرتها الروسية. وهل هنالك اشتراكية صينية، وأخرى روسية وثالثة عربية ورابعة هندية.. وهكذا دواليك؟!. ثم ماذا يعني الركون المطمئن إلى استخدام مفهوم «بناء الاشتراكية بآليات وأدوات رأسمالية»؟، الذي أطلقه الصينيون بعد إعلانهم اتباع نهج «الإصلاح والانفتاح». وهل يمكن لطبقة رجال الأعمال والمستثمرين، التي تنامت وتضخمّت في ظل هذه السياسة أن تبقى «وفيّة وأمينة» لخيارات الحزب الشيوعي والدولة الصينية الفكرية والايديولوجية؟!.

 

 

ولعلّ طرح السؤال على هذا النحو ليس صائباً تماماً أو دقيقاً، إنما ينبغي التساؤل عن الصلات والوشائج التي يحتمل أن تربط هذه الطبقة بقيادات، وأقلّه بتيارات، داخل الحزب والدولة الصينية؟!. ويصبح التساؤل الواجب، من ثمّ، عن مصير الخيارات الفكرية والايديولوجية للحزب الشيوعي نفسه (هويته الطبقية)، في ظل الهيمنة المرجّحة أو المحتملة مستقبلاً لتلك الطبقة على مفاصل الحزب والدولة الصينية؟. وخاصة بعد أن سُمح لشرائح من هذه الطبقة بالانضمام إلى عضوية الحزب، وبات هؤلاء يمثلون اليوم أكثر من 20 % من الحزب، كما يورد الرفيق فتحي كليب في مقالته عن الصين. 

ثم ما هي طبيعة العلاقة التي ستربط بين طبقة رجال الأعمال والمستثمرين، الذين يشتدّ ويقوى عودهم أكثر فأكثر، وبين تلك الفئات الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر، ويبلغ تعدادها نحو 70 مليون من الصينيين؟. هل يمكن الركون حقاً لفكرة «التعايش» بين هذه الطبقات، ناهيك عن اتحادها معاً في سبيل بناء دولة  اشتراكية؟، مع أنه يفترض أن تكون «متصارعة» فيما بينها طبقياً، وفق النظرية الماركسية اللينينية!. وخاصة إذا صحّت الأرقام التي تشير إلى تراجع دور القطاع العام الذي تملكه الدولة إلى 35 %، فيما تزايدت ملكية القطاع الخاص إلى نحو 60 % من الاقتصاد الصيني؟.

الممر الإجباري

والحال، فنحن أمام تجربة تمكّن فيها الحزب الشيوعي من صنع الثورة والوصول إلى السلطة، ولكن في بلد زراعي أغلبيته الساحقة من الفلاحين أو الذين يشتغلون في الزراعة، وليس فقط في بلد «متخلف رأسمالياً»، كما كان عليه الحال في روسيا القيصرية!.

ولأن الأمر كذلك، فقد كان من الطبيعي أن تصطدم مرحلة قيادة ماو للثورة، ومحاولاته للنهوض بالتنمية عبر الصناعات الثقيلة بطريق مسدود. وهو ما حدا بالقيادة الجديدة التي خلفته، بزعامة دينغ شياو بنغ، إلى طرح «سياسة الاصلاح والانفتاح»، كبديل عن سياسة «النزوع الإرادوي» لما يعرف بنظرية «حرق المراحل»، وتحقيق الاشتراكية دون المرور بالمرحلة الرأسمالية. وهي بمثابة انقلاب بالفعل، (ولكن لا مفرّ منه)، على الخيارات الايديولوجية الطبقية المعتادة التي عرفتها «الماركسية اللينينية»، وخصوصاً بنسختها «الستالينية» المطبّقة في روسيا.

وقد شرعت هذه السياسة بإرساء أسس «نظام اقتصادي جديد» حقاً، تتعايش فيه أسس ومبادئ اقتصاد السوق المعروفة في أي نظام رأسمالي، (ولكن من دون القيم والمعايير الليبرالية المتصلة بالحريات الفردية والعامة التي تصاحب هذا النظام في البلدان الرأسمالية المتطورة)، مع بقاء السيطرة والاشراف للحزب الشيوعي.

لا ريب أن قيادة هذا الحزب أدركت في مرحلة لاحقة من عمر الثورة أنها لا يمكن أن تقفز عن القيام بمهمة تطوير القوى المنتجة المتخلفة، التي تنتمي إلى اقتصاد زراعي متخلف، وهي بأمسّ الحاجة إلى تحقيق عملية «التراكم الرأسمالي البدئي»، أو البدائي، كممر إجباري قبل الحديث عن أي علاقات اشتراكية!. وعلى ذلك، فقد أخذت تطبّق سياسة شبيهة إلى حدّ ما بـ«السياسة الاقتصادية الجديدة» (النيب)، التي تبنّاها البلاشفة قبل أن يتخلوا عنها بعد زمن قصير، إبان ثورتهم في روسيا.

لكنها هذه المرّة كانت أوسع وأشمل بما لا يقاس؛ إذ أن روسيا كانت آنئذٍ محاصرة سياسياً واقتصادياً من محيطها الغربي، واقتصرت «النيب» على تحقيق أهداف داخلية، من قبيل تشجيع الفلاحين على بيع منتجاتهم، والتجار على نقل هذه المنتجات من الريف إلى المدينة، أي إلى المستهلك، في حين أنها ترافقت لدى الصين مع انفتاح شبه كامل على الأسواق والدول الغربية، فضلاً عن الأسواق والدول الآسيوية والأفريقية والأمريكية اللاتينية، وكانت غايتها الرئيسة جذب الاستثمارات الخارجية وتصدير المنتجات الصينية إلى الأسواق الخارجية.

«رأسمالية الدولة الوطنية»

 الخبراء في شؤون الاقتصاد، وخصوصاً الماركسيون منهم، يميلون إلى استخدام مفهوم «رأسمالية الدولة الوطنية» في وصف «النظام الاقتصادي» المعمول به في الصين، والذي يضطلع بمهمة تحقيق التراكم الرأسمالي وتطوير القوى المنتجة. وهذا المفهوم لا صلة له، بمفهوم أو واقع «الدولة الرأسمالية»، التي تكون السيطرة فيها محسومة، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، للطبقة البورجوازية وأحزابها، في حين أننا إزاء التجربة الصينية أو سواها من تجارب مماثلة، أمام واقع مختلف، حيث القيادة فيها للحزب الشيوعي أو الاشتراكي، الذي يجد نفسه مضطراً لإنجاز مهام الثورة البورجوازية (اقتصادياً) قبل الشروع بإنجاز المهام الاشتراكية.

منظرو الثورة الاشتراكية، والماركسيون عموماً، اعتبروا أنّ الثورة الاشتراكية ستقوم، بدهياً، في البلدان الرأسمالية المتطورة، وأن الاقتصاد الاشتراكي سيقوم على «أنقاض» الاقتصاد الرأسمالي الذي تجاوز الثورة الصناعية الحديثة، وما خلّفته من ثروة راكمها المجتمع البورجوازي على مدى قرون. لم يتخيلوا يوماً أن تنجح الثورة في البلدان الأقل تطوراً، والتي لا يتوافر فيها حتى الحد الأدنى من الأسس المادية لبناء الاشتراكية، بل وبأنه سيكون عليهم المرور بطور التراكم الرأسمالي البدائي، (الذي أنجزته أكثر الدول الرأسمالية عن طريق نهب المستعمرات)، قبل اللحاق بما أنجزته البورجوازية في أطوارها الصناعية المتقدّمة.

 

 

وعليه، فقد كانت الطريق إلى تحقيق ذلك وعرة ومتعرّجة وغاية في التعقيد، وضعت قادة الأحزاب التي قادت هذه العملية أمام تطورات ومفترقات صعبة ومؤلمة، تواشج وتراكب فيها النزوع المفرط إلى الاستئثار بالسلطة وامتيازاتها، مع واقع الفساد وإغراء مراكمة الثروات، التي غدا هاجسهم الأول، لاحقاً، هو الحفاظ عليها والدفاع عنها مهما كانت الوسائل المستخدمة في ذلك وحشية ودموية. وهكذا، ظلت الحريات والديمقراطية في مثل هذه الأنظمة «مشبوهة ومرذولة»؟!.         

هل يفيد أن نطلق على النظام الجديد اسم «اقتصاد السوق الاشتراكي»، كما يفضّل البعض من داخل الصين أو خارجها؟!، حسناً فليكن، بيد أن هذا النظام الجديد هو ذاته من مهّد لدخول الرأسمالية من أوسع أبوابها إلى الاقتصاد الصيني، فضلاً عن أنه يحيلنا إلى مصطلح مماثل هو «اقتصاد السوق الاجتماعي»، الذي جرى استخدامه و«الاتكاء» عليه لفترة محدّدة في تجارب عربية معروفة، قبل انتقالها من «الاقتصاد الاشتراكي الموجّه» إلى مرحلة الانفتاح الكلي، ومن ثم إلى «الرأسمالية المتوحشة» دفعة واحدة؟!.