صدر حديثًا عن المكتب المصري للمطبوعات في القاهرة كتاب «دينغ شياو بينغ.. مهندس بناء الصين الحديثة» (1904- 1997)، ترجمة د. رشا كمال وأحمد السعيد. وهو يستعرض السيرة الذاتية لرائد الإصلاح الصيني، كما يتناول أفكاره ومشاريعه التي طُبّقت، وغيرت ملامح أساسية في الحياة السياسية للصين.

وقد قاد بينغ جمهورية الصين الشعبية بين عامي 1978 و1989. ويوصف بأنه من الزعماء البارزين في تاريخ الصين وحزبها الشيوعي، وأحد أهم القيادات السياسية والعسكرية التي تركت بصمة واضحة ومؤثرة في تاريخ الصين المعاصر، ليس فقط لأنه أحد زعماء الجمهورية العظام، بل، وفي المقام الأول، لأنه رائد ومهندس سياسة «الإصلاح والانفتاح» التي يعود الفضل إليها فيما وصلت إليه الصين من نهضة اقتصادية كبرى حالياً. فضلًا عن كونه أحد أهم المنظرين في الحزب الشيوعي الصيني، وله الكثير من النظريات التي تنسب إليه، بما فيها «دولة واحدة ونظامان» التي طرحها كسبيل لاستعادة الصين هونج كونج سنة 1997، وماكاو سنة 1999.

الجرأة والبصيرة

وللزعيم الصيني نبوءة أطلقها عام 1978 قال فيها: «إن الصين تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية التحديث والتنمية السياسية والاقتصادية».

ومنذ إعلان قيام الجمهورية الشعبية، تسارع صعود شياو بينغ إلى أن أصبح سكرتير الحزب عام 1956. وعلى رغم أنه كان موضع ثقة ماو تسي تونغ (مؤسس الصين الجديدة)، لكنّ ذلك لم يمنعه من امتلاك الجرأة والمجاهرة بإعلان خلافه مع العديد من السياسات التي دعا إليها ماو، وأهمها «الثورة الثقافية» التي قادها ماو، وكلفه ذلك الإبعاد القسري عن الحياة السياسية في مطلع السبعينيات.

كما وقف ضد مقولة «من الأفضل أن نبقى فقراء في ظل الاشتراكية على أن نغتني في ظل الرأسمالية»، وأكد أن «الفقر ليس اشتراكية، والاشتراكية ليست دعوة لتعميم الفقر». وحتى تعليقه المشهور حول «لون القط لا يهمّ طالما أنه يصطاد الفئران»، فقد جاء إثر خلاف فكري عام 1961 حول تطوير الإنتاج الزراعي.

الواقع والمسؤوليات

وقد جاءت وفاة الرئيس الصيني، شو إن لاي، في مطلع العام 1976، ثم وفاة ماو تسي تونغ في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، لتساعد في انهاء حقبة «الثورة الثقافية الكبرى»، حيث أعقب موتَ الرجلين القاء القبض على زوجة ماو وعلى رفاقها الثلاثة الآخرين، الذين عرفوا باسم «عصابة الأربعة»، وعُزلوا من جميع مناصبهم، كما عُزل كثيرون غيرهم من كبار الشخصيات المناصرة لـ«الثورة الثقافية».

وساهم ذلك في إعادة الزعيم والرائد الإصلاحي، الذي كانت «الثورة» أبعدته سابقاً، إلى السلطة ليصبح انطلاقاً من العام 1978 صانع التحول الصيني الكبير، أو «الصحوة الصينية» التي تنبأ بها نابليون بونابرت، دافعاً البلاد في مسارها الجديد عبر تطبيق نظام اقتصادي رشيد، عُرف فيما بعد بـ«سياسة الإصلاح والانفتاح»، وتحويل مركز اهتمام الحزب والدولة نحو تحديث آليات الإدارة وبناء الاقتصاد الحديث المتطور.

ومنذ وصوله إلى السلطة، بدأت الصين بتخفيف مركزية السلطة على الصعيد الاقتصادي، والتخفيف من أعباء القطاع العام على مالية الدولة المركزية. وتنامى هذا الاتجاه لاحقاً، فشهدنا تزايداً في الاستثمارات الخارجية وتنامي حصة القطاع الخاص والمشاريع المشتركة مع المؤسسات الأجنبية.

ولم يتوقف أو يتراجع هذا المنحى حتى بعد التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في حزيران/ يونيو 1989 في ميدان «تيان آن مين»، والتي دعت إلى تغيير النظام السياسي باتجاه أكثر ليبرالية، وتمّت مواجهتها بقسوة من قبل الدولة التي أعادت قبضتها القوية على البلد، «مُبقيةً أبواب السياسة موصدة» أمام الأجيال الشابة.

ويُنقل أنّ شياو بينغ لم يمانع في سحق الحركة الاحتجاجية، لكنه استقال بعدها من رئاسة اللجنة العسكرية وتقاعد عن العمل السياسي، مُقدّماً بذلك نموذجاً على «ضرورة الانتقال السلس للسلطة وفسح المجال أمام جيل جديد لقيادة البلاد»، ومكرّساً دعوته الشهيرة إلى تكريس جهود الناس للاغتناء الشخصي وتحسين مستوى معيشتها.

الجانب البراغماتي

وهناك من يعتقد أنّ شياو بينغ «استلهم العقيدة الكونفوشيوسية إضافة إلى مرجعيته الماركسية ليصبح متشبّعاً بروح الإصلاح والتجدُّد»، وليساعده ذلك في صياغة «محدّدات السياسة الصينية وقراراتها الاستراتيجية على أسس مرنة ومتوازنة، توائمُ بين البعد القومي (إحياء التراث)، وبين التوجهات التجديدية والعلمية» في عملية بناء الدولة وانفتاحها على الخارج، بمعنى «إعادة تشكيل توجهات الدولة على أسس قومية، بعيداً عن الطموح الكوني الذي رافق مرحلة ماو».

وقد انطلق بينغ في عملية التحديث مُقدِّماً البعد المصلحي - البراغماتي على البعد المبدئي ـ الأيديولوجي، فبدأ الأخير يتراجع ليحلّ محلّه مستوى متقدم من الانفتاح الثقافي والتربوي والاجتماعي والتكنولوجي، طاول مختلف أوجه الحياة في المجتمع الصيني بشتى طبقاته وشرائحه، وبما ساهم في المحصلة في إعادة تشكّل وتكوين بُنية المجتمع وتوجهاته العامة على النحو الإيجابي المثمر.

وقد أفضت هذه العملية إلى «تفكيك متدرّج للإرث الماوي (المتشدّد إيديولوجيا مع طموحات كونية) في الحزب الشيوعي، أخذ في البداية شكل النقد المتدرج الهادئ لمرحلته، قبل أن يتصاعد ليصل إلى ماهية الهوية التاريخية والحضارية للمجتمع الصيني».

ومع ذلك، فإن عدداً من الثوابت ظلت تكتسي، في نظر كثير من المراقبين، صفة الدوام والاستمرارية؛ وأولها «مسألة وحدة الأراضي الصينية وعدم الاعتراف إلا بصين واحدة، عاصمتها بكين». وثانيها هو «طبيعة النظام السياسي القائم على أساس الحزب الواحد وهو الحزب الشيوعي الصيني»، وثالثها هو «تمايز وخصوصية مواقف الصين في الساحة الدولية».

الإنجازات

لقد أدرك دينغ على نحو متزايد ومتصاعد، (ومعه العاصمة الصينية ككل كمركز للقرار السيادي)، أهمية اكتساب الصين لأسباب القوة الاقتصادية، وتدعيم هذه القوة بشتى الوسائل، بما في ذلك الانفتاح والتعاون مع الدول الرأسمالية الغربية ومؤسساتها المختلفة، وصولاً إلى العالمية والحضور والتأثير الفاعل كلاعب رئيسي وازن لا يمكن تجاهله على المسرح الدولي. وعلى ذلك، يعتبر «الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق» أحد أهم إنجازات دينغ التي ساهمت في تبوء الصين مكانتها الحالية.

كما كان من ثمار أفكاره الانفتاحية «التوقيع على معاهدة السلام والصداقة مع اليابان عام 1978». وبعد خطوات انفتاحية عدة من قبل واشنطن على بلاده، تمكن في مطلع عام 1979 من إعادة العلاقات مع واشنطن وانتزاع اعترافها رسمياً بالصين، الذي ساهم بدوره في إخراج الصين من عزلتها الدولية.

وقد استطاع أن يحقق حلماً طالما انتظره مواطنوه، وهو التفاوض الناجح مع البريطانيين لإعادة هونغ كونغ للحضن الصيني عام 1997، ولكن من دون أن يتمكن من أن يشهد بنفسه تحقيق هذا الحلم، حيث وافته المنية قبل أشهر معدودة من الاحتفال بهذه المناسبة، وذلك عن عمر ناهز 93 عاماً، مخلفا إرثاً سياسياً وإسهامات سيتذكرها الصينيون كشاهد على نهضة بلدهم من التخلف إلى مكانة متقدمة.