يعيد الفلسطينيون في كل محطة مفصلية الأمور إلى نصابها الحقيقي، ويثلمون بجدار عزيمتهم رأس حربة أطماع عدوهم.هذا ما يحصل أيضاً هذه المرة في القدس مع بدء العد التنازلي في تراجع حكومة نتنياهو عن إجراءاتها الاحتلالية حول المسجد الأقصى وفي القدس القديمة، تحت وطأة الضغط الشعبي الفلسطيني واستنفار المقدسيين دفاعاً عن عاصمة دولتهم المنشودة.

ومع كل تقدم يحرزه الفلسطينيون في هذه المعركة، تضيق حسابات نتنياهو وتنحسر تطلعاته في تحقيق ما عجز عنه في العام 2015 عندما حاولت حكومته تقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً، واضطر للتراجع على وقع اندلاع الانتفاضة الشبابية الفلسطينية في تشرين الأول / أكتوبر من ذلك العام.

واليوم، كما قبل عامين، تدخل الإدارة الأميركية على خط التطورات العاصفة في القدس وتداعياتها في المنطقة في مسعى لمد يد العون للاحتلال وضبط منسوب الخسارة التي تضعه إجراءاته التعسفية في مواجهتها.

العملية الفلسطينية التي وقعت يوم الرابع عشر من الشهر الجاري أوصلت كما سابقاتها رسالة واضحة تفيد بأن الاحتلال ليس في نزهة، وأن استمراره هو الفتيل المشتعل دائماً في أي انفجار يقع. ومنذ وقوعها، أدرك المراقبون أن العملية ستفتح على معركة فورية ربطاً بالزمان والمكان الذي وقعت فيه، وربطاً بالإجراءات الاحتلالية القائمة والمبيتة تجاه مدينة القدس.

وبالنسبة لنتنياهو وحكومته كان «عدة» المعركة جاهزة، والهدف تجسيد الإجراءات التي لم يستطع الاحتلال تنفيذها في السابق تجاه الأقصى والقدس القديمة وسكانها. وفي يده إغلاق المنطقة ومنع الوصول إليها من خارجها، وقد فعل! ونصب فوق ذلك البوابات الإلكترونية على بوابات الأقصى وربما كان الاحتلال يتوقع أن تلقى هذه الإجراءات معارضة ورفض شديدين من قبل الفلسطينيين، لكنه في كل مرة يخطئ في تقدير قدرة الفلسطينيين على المواجهة والصمود فيها وتصعيدها.

قبل وقوع العملية، كان نتنياهو يبث خطاب قبول إسرائيل من قبل معظم محيطها العربي، وأن تل أبيب مرشحة لتكون في قلب أو على رأس تحالف سينشأ في مواجهة إيران وقوى المقاومة، وأن خطوات التطبيع العربي المتسارعة مع الاحتلال تتجه سريعاً نحو ترسيم العلاقات على يد الحليف والصديق واشنطن وبمعية «الأصدقاء الجدد».

لم تكن حسابات نتنياهو خاطئة في هذا المجال، وربما هذا ما يفسر بطء ظهور ردات فعل قوية على المستويين العربي والإسلامي! لكن طبيعة المعركة ومكانها وبالأساس الاستنفار الشعبي الفلسطيني ووحدة موقف المدافعين عن هوية القدس وتصعيد المواجهة مع الاحتلال واستمرارها، وضع الجميع أمام استحقاقات لا يمكن الهروب منها تحت أي حجة كانت.

لقد أدرك الفلسطينيون فوراً أن القبول بأي إجراء احتلالي مهما كان بسيطاً على بوابات الأقصى وفي القدس القديمة يعني عملياً تسليماً بالسيادة الإسرائيلية عليها.

وكالعادة،وعند وصول المعركة إلى ذروتها وتعقد المواقف في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم وظهور التباين بين المؤسستين السياسية والأمنية في تقدير الوضع والمخارج المتاحة ، تدخل الجانب الأميركي على جناح السرعة من أجل احتواء الموقف، وخاصة بعد الجريمة التي ارتكبها جهاز أمن السفارة الإسرائيلية في الأردن وقتله مواطنين أردنيين وتوتر العلاقات بين عمان وتل أبيب.

لقد حاول عديدون تصوير تراجع الاحتلال عن البوابات الإلكترونية واستبدالها بالكاميرات «الذكية» بأنه بمثابة «فدية» دفعها الاحتلال كي ينجو قاتل المواطنين الأردنيين وسحبه إلى تل أبيب، فيما الحقيقة أن قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر إنما اتخذ بسبب المواجهة الشعبية الفلسطينية العارمة وتمسك المقدسيين بإزالة جميع الإجراءات الاحتلالية التي قامت بها مؤخراً حكومة نتنياهو حول الأقصى وفي المدينة القديمة.

ولو كان تقدير أصحاب المعادلة المذكورة سابقاً صحيحاً لانتهت المواجهة مع وقوع «الصفقة» بحسب تعريفهم، لكن الأمور بقيت في إطارها الصحيح واستمرت المعركة نحو تحقيق الهدف الذي أراده الفلسطينيون وهو عودة الأمور في محيط الأقصى والقدس القديمة إلى ما كانت عليه قبل الرابع عشر من الشهر الجاري.

في بدايات المعركة، حاول نتنياهو تمرير إحدى مناوراته المعهودة عندما أحال صلاحية تقدير الموقف واتخاذ الإجراءات «المناسبة» إلى القيادة الميدانية لجهاز الشرطة الإسرائيلية في القدس! كي يحافظ على خطاب التصعيد السياسي الذي أعلنه منذ البداية على أمل أن ينجو من أية مسؤولية في حال جاءت تقديرات جهاز الشرطة وإجراءاتها معاكسة للقرار الذي اتخذه المجلس الوزاري المصغر بضغط من نتنياهو ونصب على أساسه البوابات الإلكترونية.

وفيما تقول المصادر الإسرائيلية أن نصب الكاميرات الذكية يحتاج ستة أشهر للانتهاء منه، فإن نتنياهو يصر على إجراء التفتيش الأمني الدقيق بحق الداخلين إلى المسجد الأقصى، وهو إجراء رفضه الفلسطينيون رفضاً قاطعاً. وكل المؤشرات تؤكد أن المعركة متواصلة إلى حين التراجع الإسرائيلي الكامل عن جميع الإجراءات التي تمت في الأقصى ومحيطه.

يتحرك نتنياهو في هذه المعركة على إيقاع هواجسه تجاه مآلات ملفات الفساد التي تلاحقه، ورصد المواقف من قبل غريمه في الائتلاف نفتالي بينيت رئيس حزب البيت اليهودي الذي يسعى لتشكيل محور معارض لمواقف نتنياهو وأدائه والمسار الذي تشقه المعركة الجارية على الأرض.

لقد وضعت هذه المعركة بظروفها ومجريات أطرافاً كثيرة أمام استحقاقات من نوع جديد، من بينها السلطة الفلسطينية بعد إعلان الرئيس عباس تجميد الاتصالات مع حكومة الاحتلال إلى حين تراجعها عن إجراءاتها في الأقصى.

نفهم من هذا الإعلان إنه موقف متقدم لكنه مؤقت المفعول ربطاً بانتهاء سبب صدوره، بينما قرار المجلس المركزي الفلسطيني كنموذج للإجماع الوطني المؤسسي دعا إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال فوراً وإعادة التعامل معه بصفته الاحتلالية التوسعية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني.

وهذا الموقف العملي هو ما يحتاجه الفلسطينيون في مواجهتهم الميدانية ضد الاحتلال؛ إضافة إلى تفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وبخاصة الجنائية الدولية.

ومع أن اللجنة المركزية لحركة فتح اتخذت في أحد قراراتها مثل هذا التوجه، إلا أن التساؤل المشروع الذي تبادر فور إعلان هذه القرارات هو فيما إذا كانت القرارات برسم التنفيذ الفوري، أم أنها كسابقاتها مجرد رسائل لتسريع عملية التسوية التي لن تأتي للفلسطينيين سوى بالمزيد من الكوارث.