تحت سطح البحر، قرابة مئتين وخمسين متراً، تقع مدينة أريحا شرق الضفة الغربية وشمال البحر الميت. إنها أخفض نقطة في العالم. أما مياهها، خاصة مياه عين السلطان، فلا تنقطع صيفا ولا شتاء، ويبلغ تدفقها ألف غالون في الدقيقة، أضف إلى ذلك خصوبة تربتها ذات اللون الأحمر.

تبعد مدينة أريحا القديمة عن المدينة الجديدة حوالي ميل من الغرب، ومكانها يعرف بتلال أبو العلايق شمال تل السلطان. وهي البوابة الشرقية لفلسطين وتربطها بالضفة الشرقية من نهر الأردن طريق معبدة عرفت باسم طريق القدس ـ عمان.

وبسبب موقعها الجغرافي فقد عرفت منذ القدم كنقطة عبور للقوافل التجارية والغزوات الحربية التي كانت تتجه غرباً نحو القدس وشرقاً نحو عمان، ويمر منها الحجاج المسيحيون القادمون من القدس في طريقهم إلى نهر الأردن والبحر الميت. وهي منطقة مهمة للزراعة، فهي مشهورة بزراعة الحمضيات والتمور والموز والورود والخضراوات.

وحسب الباحث حنا عيسى الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية، فإن أصل تسمية أريحا سامي، وأريحا عند الكنعانيين تعني القمر، والكلمة مشتقة من فعل «يرحو» أو «اليرح» في لغة جنوب الجزيرة العربية وتعني شهر أو قمر. وأريحا في السريانية معناها الرائحة أو الأريج.

ويعود تاريخ أريحا إلى عشرة آلاف عام قبل الميلاد وكانت مبنية من الطوب اللبن، وازدهرت في عهد الرومان ويظهر ذلك في آثار الأبنية التي شقوها فيها والتي تَبرز على وادي القلط، وفي هذا العهد أصبحت تُصدر التمر، كما أصبحت مشتى رئيسيا حيث بنى الملك هيرودس قصره في جنوب وادي القلط واتخذ أريحا كمشتى له قضى فيه آخر سنوات حياته.

اكتسبت المدينة أهمية كبيرة عندما زارها السيد المسيح عليه السلام، ثم انتشرت المسيحية في أريحا بواسطة الرهبان والنساك الذين كانوا يقيمون في الأديرة والكنائس في عهد قسطنطين الكبير «مؤسس القسطنطينية».

تل عين السلطان

وتضم أريحا الكثير من المعالم الأثرية، الإسلامية والمسيحية مثل: تل عين السلطان، ويعد أقدم منطقة في أريحا وهو عبارة عن نبع ماء قديم جداً يبعد عن المدينة مسافة كيلو مترين.. ويقع على تل نبع عين السلطان أقدم حائط وبرج دائري للدفاع، ويعود إلى 7000 سنة قبل الميلاد.

قصر هشام

وهو قصر عربي رائع بناه هشام بن عبد الملك على خربة المفجر. ويقع في منتصف منطقة صحراوية على بعد 5 كيلو مترات إلى الشمال من مدينة أريحا. كان القصر مقرا للدولة، وقد فضل الخليفة هشام بن عبد الملك حرية الصحراء على حياة المدينة في العاصمة دمشق لكي يتمكن من ممارسة هواية الصيد.

ويتكون القصر من مجموعة من البنايات والحمامات والجوامع وقاعات مليئة بالأعمدة الأثرية، وتعتبر الفسيفساء والزخارف والحلي من الأمثلة الرائعة للفن والعمارة الإسلامية القديمة. يقول الخبراء إن زلزالا عنيفا ضرب المنطقة ودمر الأبنية في قصر هشام قبل أن يكتمل. وبفعل الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت الفسيفساء والرسومات الرائعة الموجودة في القصر.

جبل القرنطل

هو جبل التجربة نفسه، ويبلغ ارتفاعه نحو 350 مترا إلى الغرب من مدينة أريحا.. وعلى المنحدر الشرقي للجبل يوجد العديد من الكهوف يتراوح عددها ما بين 30 إلى 40 كهفا، سكنها النساك والرهبان في الأيام الأولى للمسيحية. وبالإضافة إلى الدير الروماني، يستطيع المرء رؤية الحصن الروماني في أعلى الجبل الذي بُني ليحمي الوادي.

وجدير بالذكر ان كلمة القرنطل هي اشتقاق من الكلمة اللاتينية «فاردارغيتا» التي تعني «أربعين» إشارة إلى المدة التي قضاها السيد المسيح صائماً ومتعبداً في الموقع.

وادي القلط

وادي القلط، الذي يعتبر انهداما طبيعيا بين الهضاب المجاورة وهو مكون من جدران صخرية عالية تمتد لمسافة 45 كيلومترا بين أريحا والقدس. وهي طريق ضيقة ووعرة تمتد بمحاذاة الوادي كانت في سابق الأيام الطريق الرئيسي لمدينة أريحا ولكنها تستعمل الآن من قبل السياح الزائرين للدير. يعرف الوادي أيضاً كموقع رائع لممارسة رياضة تسلق الجبال والمشي خصوصاً في فصل الشتاء، فقد تم وضع علامات مميزة على طريق مخصص للمشي بطول 15 كيلومترا يبدأ من ينابيع القلط وحتى موقع «تلول أبو العلايق» أو « قصر هيرودوس الشتوي» في أريحا.

 

 

مقام النبي موسى                                                                           

من المتعارف عليه محلياً أن مقام النبي موسى يعتبر مكاناً مقدساً للمسلمين أيضا لأنه يضم ضريح النبي موسى. الحجارة الحمراء القابلة للاشتعال تزيد من قداسة وحرمة هذا المقام، هذه الخاصية الرائعة في هذه الحجارة ترجع إلى احتواء الأملاح الموجودة فيها على القطران والزيت، وقد استخدم الحجاج هذه الحجارة للطهي وللحصول على الدفء في فصل الشتاء. أما المقام الثاني الذي يقع في الجهة الجنوبية الشرقية فهو للسيدة عائشة.

 وفي التاريخ الفلسطيني المعاصر، يقول عيسى إن مقام النبي موسى ارتبط بالزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني، حيث كان يقود المواكب التي تأتي من كل مناطق فلسطين، تسبقها المسيرات الشعبية، وفي كل منطقة تمر منها المواكب، يخرج أهلها للانضمام إليها، وبعد أن تمكث الوفود في المقام وحوله فترة الموسم، تعود إلى القدس بموكب حاشد تردد فيه الأناشيد الوطنية والدينية. ومنذ عام 1919 قررت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية استثمار احتفالات النبي موسى للتحريض ضد الانتداب البريطاني بسبب دعمه الهجرة الصهيونية.

وتبدأ الاحتفالات عادة بالتجمع في ساحات الحرم القدسي، حيث يفد أبناء فلسطين من مدنها وقراها شاهرين سيوفهم ورماحهم ورافعين راياتهم، ومنشدين الأناشيد الدينية والوطنية، وبعد أن يكتمل التجمع يتجه الحشد إلى مكان الاحتفال. وفي العام التالي وتحديدا في الرابع من نيسان/ابريل 1920 جاء موسم النبي موسى. ومنعت قوات الاحتلال البريطاني أهل الخليل من دخول القدس للمشاركة في الاحتفال، وكان أهالي القدس ونابلس قد خرجوا لاستقبالهم وشارك في الاستقبال أبناء الطوائف المسيحية كالعادة. وهتف الجميع ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية وطالبوا بالوحدة العربية والاستقلال. وتمكن أهل الخليل من دخول القدس عنوة واتجهت الجموع إلى الساحة أمام باب الخليل، حيث خطب فيها موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس ورئيس الجمعية الإسلامية ـ المسيحية وخليل بيدس وعارف العارف والحاج أمين الحسيني وغيرهم، وكانت الكلمات حماسية أثارت الشعور القومي.

اندّس بين الجموع المحتشدة صهيوني يدعى كريمر بن مندل محاولا خطف العلم العربي وتمزيقه، فانقض عليه الرجال وقتلوه، ثم جاء صهيوني آخر مع عدد من الجنود البريطانيين لإنزال العلم فقتله الرجال، واندلعت معركة بين الفلسطينيين من جهة والجنود البريطانيين وأفراد العصابات الصهيونية من جهة أخرى واستشهد فيها أربعة من الفلسطينيين، وقُتل خمسة من اليهود، وسقط 122 جريحا من الطرفين. وكانت هذه المعركة ضربة البداية لثورة استمرت خمسة أيام في القدس، قتل فيها تسعة من اليهود وجرح مائتان وخمسون من الطرفين.