المأزق الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، يدفعها نحو ردود فعل متباينة. فتحت الضغط الأميركي، الذي يمهد لجرها إلى العملية التفاوضية تحت شروط، من شأنها أن تلحق الإهانة بالكرامة الوطنية للشعب الفلسطيني، تعمد السلطة الفلسطينية إلى سلوكيات سياسية وأمنية وإعلامية متباينة. فتحاول أن تعتم على الشروط الأميركية الإسرائيلية، وأن تعتم على ضغوط واشنطن وتل أبيب، من جهة. وتحاول في الوقت نفسه أن تلجم ردود فعل الحالة الشعبية، التي أثبتت إستطلاعات الرأي المحايدة أنها فقدت الثقة بهذه السلطة، وفقدت الثقة بالقيادة الرسمية. وفي هذا السياق تمارس الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، تحت غطاء من النائب العام، الذي يتلقى تعليماته اليومية من قبل مقر الرئاسة، سياسة تقوم على القمع والترهيب، والإعتقالات العشوائية بذرائع بعضها مثيرة للسخرية، وبعضها الآخر مثير للشفقة على سلطة «بلا سلطة» (كما وصفها الرئيس عباس) تحاول أن تمرن عضلاتها، وأن تستعرض قوتها في مواجهة شعبها، وهي التي ترتجف أمام إشعار يأتي من بيت إيل. أما الإسلوب الآخر الذي تتبعه السلطة للتعتيم على سلوكياتها، وتزوير الواقع، وفرض تعابير ومفاهيم «جديدة»، تخدم سياسة التنازلات، فهو دورها الإعلامي، الذي إنصاع للضغوط الأميركية، فإنطلق من «التحريض»، بناء على طلب الولايات المتحدة، إلى خطاب «تصالحي»؛ ليس مع الشعب وليس مع قواه السياسية، بل مع الإحتلال، ومع واشنطن، سابقاً وحالياً.

وإذا ما حاولنا أن نجري دراسة سريعة وأولية لمفردات الخطاب السياسي للسلطة، لخلصنا إلى أنه خطاب متواطئ مع الإحتلال، ومتواطئ مع السياسات الأميركية، ومتواطئ ضد الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، بات الجزء المهم من إهتماماته، هو تبرير سياساته التنازلية، وسلوكياته اليومية، التي طغت فيها رائحة الحفاظ على المصالح الفئوية لأصحاب المال والأعمال والفئات البيروقراطية النافذة في السلطة وفي م.ت.ف، على حساب المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وعلى حساب كرامته الوطنية وكرامة قضيته.

*    *    *

• رئيس السلطة، في خطابه السياسي يحرص على التحدث عما يسميه «الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية». وفي السياق يؤكد حرصه «على إنجاح مشروع ترامب للتسوية»، ولا يشرح لنا ما هي أسس قيام هذه الشراكة مع واشنطن؟ وما الذي يجمع بين حركة تحرر وطني، لشعب يناضل لاستقلاله وحريته وعودة لاجئيه، ومع الولايات المتحدة في مشروعها السياسي الذي لا يحتاج إلى تفسير. أم أننا إنتقلنا، من الخطاب الوطني الفلسطيني إلى الخطاب الساداتي.  حقيقة «الشراكة» هذه، تعني التبعية السياسية للولايات المتحدة أينما ذهبت هذه السياسة. وهي تعني حرص القيادة الفلسطينية، كتعبير عن مصالح الفئات العليا، من البيروقراطية الفلسطينية، على البقاء في إطار المعادلة الأميركية والحسابات الأميركية للمنطقة وعدم الخروج من هذه المعادلة. ولقد كان ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة التابعة للسلطة، شديد الفصاحة حين أكد أن السلطة الفلسطينية هي جزء من التحالف الذي تقوده العربية السعودية. وهو التحالف الذي بارك ترامب قيامه في واشنطن، من أجل تهيئة الأجواء لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإنهاء «حالة النزاع معها» على حساب القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية.

• بناء على الضغوط الأمريكية أوقفت القيادة الرسمية الفلسطينية سياسة تدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية التي قرر المجلس المركزي في دورته الأخيرة [5/3/2015]. إعتمادها، لنزع الشرعية عن الإحتلال، وعزل إسرائيل دولياً، ومراكمة المزيد من المكاسب، بما في ذلك إحالة الجرائم، ومجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحاكمة تحت سلطة المجتمع الدولي وقوانينه. اللافت للنظر، على سبيل المثال، أنه حين إتخذت منظمة اليونسكو قرارها التاريخي بشأن مدينة الخليل، خرجت الخارجية التابعة للسلطة الفلسطينية لتطبل وتزمر، ولتشيد بما أسمته «الدبلوماسية الفلسطينية الهادئة». وهو تعبير لم نجد فيه سوى محاولة لتبرير سياسة الإحجام عن تنفيذ قرارات المجلس المركزي، وتبرير تقاعس الدبلوماسية التابعة للسلطة الفلسطينية في حمل القضية الوطنية إلى الرأي العام العالمي، وتبرير تقاعس هذه الدبلوماسية عن واجب التصدي للوبيات الصهيونية في عواصم العالم. ولعل تصريحات وزيرة السياحة التابعة للسلطة الفلسطينية حين أحالت مسألة الدفاع عن مدينة الخليل إلى اليونيسكو والأمم المتحدة [بعد القرار الأخير] يفسر خطورة هذه التقاعس، وخطورة هذا التواطؤ. إذا وبدلاً من أن يكون واجب الدفاع عن أرضنا ومياهنا، وحقوقنا، هو الواجب الأول والأبرز للسلطة، تحيل وزيرة السياحة هذه المهمة إلى المجتمع الدولي، وكأننا مازلنا شعباً قاصراً، لا يملك إرادة النضال والتصدي للإحتلال.

في تصريحات وزيرة السياحة إهانة لصمود أهل الخليل، وفي الحديث عن «الدبلوماسية الهادئة» محاولة سخيفة للتلاعب بالعقول.

• ولعلّ الخطاب الذي ألقاه نبيل شعث، بإسم حركة فتح، في مؤتمر هرتسيليا، الذي تنظمه النخب الصهيونية، شكل نموذجاً لمظاهر التواطؤ في خطاب السلطة، وشكل في حد ذاته، إهانة للكرامة الوطنية الفلسطينية.

شعث حاول أن يبرر للرأي العام، بخجل شديد، مسألة رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، وكأننا بتنا، بعد مئة عام من النضال، مطالبين أن نداري خجلنا لأننا نحترم أسرانا، ونكرم عائلات شهدائنا. شعث قال أن السلطة تدفع رواتب «للمساجين» (وليس للأسرى!) لأنهم المعيلون لعائلاتهم. وبالتالي هذا مجرد عمل إنساني.

شعث يقول أيضاً أمام مؤتمر هرتسيليا إن السلطة تدفع رواتب لعائلات مات معيلوها أو فقدتهم في إطار الحوادث التي تشهدها منطقتنا [ماتوا وليس إستشهدوا!]. وبناء عليه بات علينا أن نعيد تسمية أسرانا، «بالسجناء» أو على حد التعبير الإسرائيلي «بالسجناء الأمنيين»، وأن نعيد توصيف شهداءنا بأنهم مجرد «أموات»، وأن نفرغ معاني «الأسير» ومعاني «الشهيد» من مضمونها النضالي الوطني، وأن نخلع عن هؤلاء كرامتهم الوطنية، فقط لأن السلطة الفلسطينية، باتت تخجل من أسرى شعبها، وباتت تخجل من شهداء هذا الشعب. ولعلها السلطة الوحيدة في العالم التي تنزلق إلى هذا الدرك السحيق من الإنفصام في الشخصية السياسية والإفتراق في مشاعرها عن شعبها ومشاعره وتطلعاته الوطنية.

*   *   *

يمكن لنا أن نستمر طويلاً في الحفر في خلفيات الخطاب السياسي الذي بدأت السلطة [منذ زمن] في بلورته لتبرر سياساتها التنازلية والملتحقة بالمشروع الأميركي للمنطقة، وفي التخلي عن حقوق اللاجئين، وغيرها. منها مثلاً التعبير الخطير: «التنسيق الأمني»، والذي يخفي وراءه ما كشفه رئيس جهاز المخابرات التابع للسلطة ماجد فرج من دور في إعتقال الناشطين سياسياً ونضالياً، والتجسس على الشعب الفلسطيني ومناضليه، لإحباط أي عمل نضالي مقاوم قد يجري ترتيبه ضد الإحتلال، هنا أو هناك، أي أن بعض مظاهر التنسيق الأمني وفي بعض جوهره الحقيقي حماية الإحتلال من مقاومة الشعب الفلسطيني بحجة مقاومة «الإرهاب».

ومنه مثلاً حين حاولوا أن يفرضوا «حل الدولتين» وكأنه ترجمة للبرنامج الوطني الفلسطيني، القائم على توفير وضمان والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في مناطق تواجده كافة [48 ــ 67 ــ الشتات]. وإختصروا «حل الدولتين» بدولة في القطاع وغزة مع تبادل أراضي، والقدس عاصمة لدولتين (!) والدولة مجردة من السلاح [من يحميها!] إلا سلاح القمع للشرطة والمخابرات [من أجل مواصلة التنسيق الأمني]، وشطب حق العودة، وإغلاق ملف الصراع مع إسرائيل، والتسليم لأهداف وسياسات المشروع الصهيوني التي تتجاوز حدود الموضوع الفلسطيني، نحو عموم الحالة العربية. إلى أن تبين زيف «حل الدولتين»، وزيف الحلول الأخرى، بل وزيف «مبادرة السلام العربية»، وأن الحقيقة الوطنية الفلسطينية هي الحقيقة التي كشف عنها البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج العودة وتقرير المصير، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. وهو البرنامج، الذي تتكتل كل البرامج البديلة لشطبه، لأنه الرد الحقيقي على المشروع الصهيوني، وعلى المشروع الأميركي، وهو الرد الحقيقي الذي يصون حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية، ويصون الأرض الفلسطينية وعروبتها، ويصون حقوق ومصالح الشعوب العربية في مواجهة المشروع الصهيوني بأخطاره المتعددة.

لذلك نعتقد أن معركة كشف حقائق وخلفيات مفردات الخطاب المتواطئ للسلطة الفلسطينية، لا تقل أهمية عن معركة كشف حقائق مشروعها السياسي، الذي مازالت متمسكة به بديلاً للبرنامج الوطني الفلسطيني.

ونعتقد في الوقت نفسه أن هذا الخطاب المتواطئ والمهترئ، مهما حاول أن يتحلى بالذكاء والفهلوة، وأن يلجأ إلى التلفيق، سيبقى خطاباً مهترئاً، تكشف ثقوبه، وعلامات إهترائه، وهشاشة بنيانه، وقائع النضال اليومي. ضد الإحتلال، وحقائق الصراع التاريخي [نعم التاريخي] بين المشروع الصهيوني والبرنامج الوطني للشعب الفلسطيني. ولا نعتقد أن بإمكان فئة من البيروقراطية مهما تذاكت، أن تنجح، بشيء من التلفيق السياسي أن تغير مجرى التاريخ الذي يصنعه نضال الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية.