شرعت الحكومة التونسية منذ نحو شهرين بتنفيذ حملة واسعة ضد الفساد، وسط تساؤلات حول جدية هذه الحملة والقدرة على المضي بها حتى النهاية، فضلاً عمّا يمكن أن تخلّفه من انعكاسات وتداعيات على  الأحزاب السياسية، وخاصة داخل الائتلاف الحاكم؟. وقد حظيت هذه الحملة على العموم بدعم واسع من القوى السياسية والمدنية والرأي العام التونسي، لكنّ هناك أصواتاً في المعارضة وصفتها بـ «الانتقائية»، وبأنها شملت عدداً قليلاً من الأشخاص، ولم تستهدف منظومة الفساد بكاملها.

واعتبر بعضهم أن هذه الحملة، أو «الحرب على الفساد» كما بات يطلق عليها، «اتسمت بالارتجالية، وبأنها تسير بخطوات متعثرة»، مشدّدين على ضرورة أن تذهب نحو «تفكيك منظومة الفساد ككل، وعدم الاقتصار على توقيف بعض المهربين ورجال الأعمال» فقط. فيما لاحظ آخرون أنّ من طالتهم التوقيفات حتى الآن مرتبطون بعنوان التهريب، في حين أن «التهريب هو جزء فحسب من منظومة الفساد الاقتصادي والسياسي والإداري في البلاد»!.

«لوبي» الفساد

ورأى بعض آخر أنّ من تم إيقافهم ومصادرة أملاكهم «لا يمثلون شيئاً من الحجم العام للفساد في تونس؛ لأن الفساد اليوم موجود داخل الإدارة وتحت حماية الدولة التونسية». وذهب معارضون حدّ التشكيك في «الحملة» ككل لأنّ «من يقودها هي حكومة وحدة وطنية أنتجتها انتخابات أُنجزت ضمن مقاييس كانت مرتبطة أساساً بلوبيات الفساد»، على حد تعبيرهم.

وخلص هؤلاء إلى أن «من يخوض هذه الحرب هو جزء من الواجهة السياسية للوبيات الفساد أو بعضها على الأقل»، لافتاً إلى أن «الحكومة تعتمد البند 5 من قانون الطوارئ للعام 1978 وهو قانون يتعارض مع دستور تونس لعام 2014، وبذلك يوجد فساد قانوني من الناحية الإجرائية للحملة».

وفي الواقع، يواجه القضاء التونسي انتقادات بخصوص «عدم إبدائه الحزم الكافي في التعامل مع ملفات الفساد»، وهو ما تنفيه الهياكل القضائية التي ترجع الأمر إلى «تقادم القوانين وعدم قدرتها على مجاراة القضايا الراهنة للبلاد».

وفي سياق ذلك، دعا رئيس نقابة القضاة التونسيين فيصل البوسليمي البرلمان إلى «التفاعل ايجابياً مع مجهود الحكومة في حربها على الفساد ومع مقترحات القضاة خاصة على مستوى التعديلات الضرورية والمستعجلة لبعض النصوص القانونية من أجل التصدي لظاهرة الفساد».

وفي السياق نفسه، عبّر ريئس منظمة «أنا يقظ»، (جمعية ناشطة في مجال مكافحة الفساد)، عن استنكاره لـ«ازدواجية خطاب السلطتين الاشتراعية والتنفيذية»، باعتبار أنهما «أعلنتا الحرب على الفساد، بينما تعملان الآن على صياغة إطار قانوني لتعطيل عمل هيئة مكافحة الفساد».

وجاء هذا التشكيك على خلفية وضع مشروع قانون جديد لهيئة مكافحة الفساد، (هيئة عامة مستقلة)، تقدمت به الحكومة إلى البرلمان ويواجه معارضة واسعة من هيئات المجتمع المدني، التي حذرت من خطورة المصادقة عليه لأنه يعطل عمل الهيئة ولا يمنحها صلاحيات واسعة لمكافحة الفساد.

خطوات متدرجة

وفي المقابل، اعتبر آخرون أن الحملة تسير بخطوات تدرّجية، وأن تقييمها لا يمكن أن يكون بعد فترة وجيزة من انطلاقها، باعتبارها «خياراً استراتيجياً يستوجب الإنجاز على المدى الطويل ». وفي هذا الإطار، أكد الناطق باسم مجلس الوزراء أن الحكومة «انطلقت في تفكيك شبكة الفساد والفاسدين، وعملها سيتواصل في إطار من الشفافية والوضوح»، نافياً أن تكون التوقيفات انتقائية لرجال أعمال وموظفين ومهربين بعينهم من بين المشتبهين في جرائم فساد مالي وإداري.

واعتبر المفكر والمحلل السياسي التونسي، صلاح الدين الجورشي، أن «الحملة ضد الفساد نامية وتتجه نحو مزيد من التوسع، بمعنى أنها ليست ظرفية أو انتقائية بل تتجه نحو فتح مزيد من الملفات وإيقاف أشخاص آخرين مشتبهين في الفساد».

ورأى أن «التوقيفات شملت أشخاصا ينتمون إلى أوساط متعددة، وقد تشمل أشخاصاً كانوا في مرحلة سابقة يتمتعون بنوع من الحصانة أو الجرأة الزائدة». لكنه لفت إلى أن «الشاهد يواجه ضغوطاً من قبل بعد الأوساط المشبوهة، كما أنه لم يجد حتى الآن التأييد الكامل والمطلق وغير المشروط من أحزاب الائتلاف الحاكم، وهو ما سيجعله في المرحلة القادمة يواجه بعض الصعوبات».

بيد أنه خلص إلى أنّ الشاهد «لا يمكنه التراجع عن محاربة الفساد لأن تراجعه قد يكون مؤشراً قوياً على نهايته السياسية وفقدان مصداقيته لذلك هو مضطر لمواصلة المعركة حتى النهاية».

من جانبه، لفت النائب والناطق الرسمي لحركة «النهضة»، عماد الخميري، إلى أن «الحملة لابد لها من إطار واضح يحترم القانون والدستور حتى تجد كل الدعم والتأييد، وضرب كل تشكيك بها، وحتى يُرفع عنها شبهة الانتقائية والاختيارات ذات الطبيعة الخاصة»، مجدّداً «دعم النهضة وتأييدها الكامل لرئيس الحكومة في حربه على الفساد».

توقيفات ومصادرات

وانطلقت الحملة في 24 أيار/ مايو الماضي، حين أعلن رئيس الوزراء يوسف الشاهد، القيادي بحركة «نداء تونس»، أنه سيخوض الحرب ضد الفساد حتى النهاية، من منطلق أنه في هذ الحرب لا توجد خيارات؛ فـ«إما الفساد وإما الدولة». وقد أقدمت السلطات التونسية حتى الآن على اعتقال 18 من رجال الأعمال وموظفي الجمارك ومهربين وصادرت ممتلكاتهم، ووجهت إليهم تهم التورط بالفساد والكسب غير المشروع والتهريب.

وذكر رئيس لجنة المصادرة، التي أُنشأت عقب ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، أن التحقيقات أثبتت أن هؤلاء الأشخاص (رجال أعمال ومهربين وموظفي الجمارك) «حققوا منافع عبر علاقاتهم بشخصيات متهمة بالفساد وكسبوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، ما استوجب مصادرة أملاكهم والتدقيق في مصادرها».

وأعلنت لجنة المصادرة، في مناسبتين، مصادرة أملاك وأرصدة كل من شفيق الجراية (أحد ممولي حزب نداء تونس الحاكم) وياسين المنوفي منجي بن رباح وكمال بن غلام فرج ونجيب بن اسماعيل وعلي القريوي وهلال بن مسعود بشر ومنذر الجنيح بتهم «فساد مالي وتهريب ومساس بأمن الدولة، كما ثبت تحقيق بعضهم لأرباح بشكل غير مشروع جراء علاقاتهم وارتباطاتهم بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته».

ويعتبر السياسي ورجل الأعمال البارز، سليم الرياحي، (رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر، ورئيس النادي الإفريقي، يملك 12 مقعداً بالبرلمان)، ثاني أبرز الشخصيات التي شملتها حملة الحكومة ضد الفساد بعد جراية صاحب النفوذ السياسي والإعلامي الكبير، والذي يتهمه القضاء العسكري بالخيانة العظمى ووضع النفس على ذمة جيش أجنبي على خلفية تعامله مع جهات ليبية في صفقات أسلحة والتعاون معها من دون علم الحكومة التونسية.

كذلك، أعلنت وزارة المالية في بيان نهاية الشهر الماضي إقالة 21 عنصراً من الجمارك برتب مختلفة من مواقع المسؤولية أو الإدارات الحساسة، والتحقيق معهم، وإحالة 35 عنصراً آخرين من مختلف الرتب أيضاً إلى مجلس تأديبي. وتتواصل التحقيقات بشأن عدد آخر من «أعوان الجمارك» الذين تعلقت بهم قرائن فساد.

 

 

 

الشاهد يكسب ثقة الرأي العام

 

أشارت استطلاعات الرأي إلى تسجيل رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، لتقدم كبير في مؤشر الثقة بين التونسيين. وبلغت نسبة الرضا عنه رقماً قياسياً وصل إلى أكثر من 80 %، ليحل بذلك للمرة الأولى في صدارة مؤشري الثقة والمستقبل السياسي للشخصيات العامة على المستوى الوطني ، حسب ما أوردته صحيفة محلية.

وتعرّضت حكومة الشاهد كباقي الحكومات المتعاقبة على الحكم منذ «ثورة يناير 2011» إلى ضغط شعبي واحتجاجات بعدة محافظات تونسية تطالب بالتشغيل ونصيبها في التنمية. لكنه استطاع أن يواجه ضعف إدارة فريقه الحكومي للأزمة الاجتماعية والاقتصادية، واطفاء لهيب الغضب الشعبي باتخاذه «جملة من الحلول الجادة والواقعية، وخاصة اتجاهه نحو المعضلة الرئيسية وهي معضلة الفساد التي كانت السبب أصلاً في انهيار نظام زين العابدين بن علي ودافعاً للثورة عليه.

وحسب «مؤشر مدركات الفساد» للعام 2016، الصادر عن «منظمة الشفافية الدولية» في مطلع العام الحالي، احتلت تونس المرتبة السابعة عربياً والـ75 عالمياً بـ41 نقطة في مؤشر الفساد، مقارنة بحصولها على المرتبة 76 بمجموع 38 نقطة في 2015.

 

وتصل النقاط على المؤشر إلى 100، وكلما زاد عدد ما تحصله الدولة من تلك النقاط فهو دلالة على انخفاض معدل الفساد بها.