لقاء القمة الذي جمع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة هامبورغ (7/7)، مهّد لمسار «إيجابي» في علاقات البلدين، أو على الأقلّ وقف تدهور هذه العلاقات ومحاولة تجاوز «العقد المستعصية» فيها، وخاصة الاتهامات الموجّهة لموسكو بالتدخل في الانتخابات الأميركية، وشبهات تواطؤ أفراد من حملة ترامب مع الكرملين، فضلاً عن الخلافات في شأن عدد من الملفات الدولية الساخنة، وفي مقدّمها أوكرانيا وسوريا.

وقد استقطب اللقاء أنظار العالم كلّه، ودام نحو ساعتين ونصف الساعة، بعدما كان مقرراً ألاّ يتجاوز 35 دقيقة. وحضره وزيرا الخارجية سيرغي لافروف وريكس تيلرسون، علماً أنهما عقدا اجتماعاً تمهيدياً قبله، أكدا فيه الرغبة المشتركة في مناقشة «رزمة الملفات الإقليمية والدولية وملف العلاقات الثنائية»، وأعربا عن تطلعهما لـ«مناقشات معمّقة تسفر عن تعزيز التنسيق بين البلدين تجاه الملفات المطروحة».

وتبادل الرئيسان عبارات الترحيب في مستهل اللقاء، حيث أعرب ترامب عن سروره للقاء «كان ينتظره بفارغ الصبر»، ثم قال بعده: «أجرينا محادثات جيدة جداً. ونتطلّع إلى حدوث أشياء إيجابية جداً لبلدينا ولجميع المعنيين».

وبدوره، أعرب بوتين عن أمله بأن يسفر اللقاء عن «نتائج إيجابية». وكان الكرملين استبق اللقاء بتشديده على الأهمية القصوى للمحادثات المباشرة بين الرئيسين، وأشار الناطق باسمه إلى رغبة روسية في دفع الاتصالات الثنائية على كل المستويات، لتقريب وجهات النظر ومعالجة الملفات الأكثر إلحاحاً في العالم. وعلى رغم اللهجة الحذرة للكرملين، شدّدت وسائل إعلام رسمية روسية على أن اللقاء الأول للرئيسين عزّز «أجواء تفاؤل بدفع عملية التقارب وتخفيف حدة المواجهة بين البلدين».

معارضة أميركية للقاء

وكان عددٌ من قادة الحزب الجمهوري ومن المستشارين والدبلوماسيين ومسؤولي الأمن القومي الأميركي نصحوا الرئيس ترامب بعدم عقد هذا اللقاء، فضلاً عن معارضة الديموقراطيين له علناً وبشدّة.

لكن ترامب الذي لم يخفِ أبداً إعجابه يوماً بفلاديمير بوتين، مفضّلاً إياه على «أوباما المتردّد» مرات عدة خلال حملته الانتخابية، أصرّ على عقد اللقاء الذي طمح إلى أن يكون بمثابة تجاوز لـ «العقدة الروسية» التي يخيّم شبحها على ولايته منذ دخول البيت الأبيض، وتثير حوله شكوكاً عجز حتى الآن عن تبديدها.

وقد اكتفى ترامب في هذا الصدد، وفق ما سرّب، بطرح موضوع الاتهامات الموجهة إلى روسيا حول تدخلها في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، ليردّ عليه بوتين ناكراً أي تدخّل.

ورأى معلقون في الصحافة الأميركية أن المجازفة الكبرى التي أقدم عليها ترامب ليست في إصراره على عقد القمة وتجاهل نصائح مستشاريه المقرّبين، بل في إعلانه القبول برد الرئيس الروسي ونكرانه التدخل في الحملة الانتخابية، كما لو أنه «يعتزم إقفال هذا الملف الشائك الذي ما زال يشكّل خطراً على رئاسته».

ولفت هؤلاء إلى أنّ الرد الروسي جاء متعارضاً كليّاً مع استنتاجات التقرير المشترك الذي وضعته الوكالات الأمنية الأميركية الكبرى (مكتب التحقيقات الفيديرالي ووكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية)، التي أكدت أن «الرئيس بوتين هو الذي أصدر الأمر بشن هجوم إلكتروني على حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، بهدف زعزعة ثقة الرأي العام في العملية الديموقراطية». وذهب مسؤولون أميركيون حدّ إبداء خشيتهم من أن يؤثر موقف ترامب، ليس فقط في صدقيته كرئيس، بل في الحاق الضرر بالأمن القومي الأميركي أيضاً!.

ورجّحت المصادر الأميركية أن تواجه ترامب متاعب جديدة عند عودته إلى واشنطن، وخصوصاً بعد أن بات قيد التحقيق في موضوع «الشبهات» هذه. ولم تستبعد المصادر ذاتها أن تشهد واشنطن عاصفة جديدة من الاحتجاجات والانتقادات لأداء ترامب خلال لقائه بوتين، متوقعة أن يرتفع منسوب التوتر بينه وبين معارضيه في الأسابيع المقبلة، وخاصة «إذا صحّت التوقعات وكشفت هيئة التحقيق المستقلة عن معلومات جديدة ينتظر أن تدفع إلى توجيه اتهامات مباشرة إليه في هذه القضية؟!.

 

 

 

اتفاق أميركي روسي على وقف للنار في جنوب سوريا

 

من النتائج المباشرة التي تمخضت عن قمة ترامب ـ بوتين، إعلان الجانبين، الروسي والأميركي، عن اتفاق بشأن وقف إطلاق النار في جنوب سوريا ابتداءً من 9/7، وفق ما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في هامبورغ.

وقال لافروف: «اتّفق خبراء روس وأميركيون وأردنيون على مذكرة تفاهم لإقامة منطقة خفض تصعيد في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء». وأضاف أنّ «قوات الشرطة العسكرية الروسية ستشرف على وقف النار المقرر، بالتنسيق مع الأردنيين والأميركيين».

من جهتها، أكّدت مصادر أردنية أن ثمة محادثات أردنية- أميركية- روسية تتناول آليات مراقبة وقف النار وتبادل المعلومات، مشدّدة على أن «الطواقم العسكرية والفنية لا تزال تعمل عليها». واعتبرت المصادر أن الأردن يستخدم علاقاته المتوازنة مع الأطراف الدولية المؤثرة في الأزمة السورية، مشيرةً إلى أن عمان شاركت في صوغ قرار وقف النار في جنوب سورية، وأن المملكة متمسكة بموقفها من أن لا تكون طرفاً في الأزمة، خصوصاً في ما يتعلق برفضها نشر قوات عسكرية أردنية على الأرض، أو التدخل العسكري في الجنوب السوري، مع إبقاء قواتها في حالة تأهب قصوى على الحدود.

تحفظات أردنية وإسرائيلية

واتفاق وقف النار الجديد هذا منفصل عن «مناطق خفض التوتر» في سورية، التي سعت روسيا وتركيا وإيران إلى تحقيقها، علماً أن الولايات المتحدة لم تشارك في المحادثات المتصلة بهذه المناطق.

ورأى مراقبون أن روسيا حرصت على أخذ مصالح إسرائيلية وأردنية على محمل الجد، تتصل بعدم السماح لأي وجود إيراني في الجنوب. وعلى ذلك، فهي سعت لإنجاح هذا الاتفاق، وستعمل على ضمان تنفيذه.

وكانت هناك تحفظات أميركية وأردنية وإسرائيلية كبرى على إدراج الجنوب ضمن اتفاق أستانا، «خشية أن تتخذه إيران بوابة لمدّ نفوذها إلى هذه المنطقة المحاذية لإسرائيل وتنفيذ أجندتها فيها»، حسب قول تلك الأطراف. وشكلت هذه التحفظات محور مفاوضات ماراثونية بين المسؤولين الروس والأميركيين احتضنتها العاصمة الأردنية عمان خلال الفترة الماضية.

ترحيب أميركي

من جهته، رحّب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بالاتفاق قائلاً «إنه المؤشر الأوّل إلى أنّ الولايات المتحدة وروسيا قادرتان على العمل معاً في ما يتعلق بسوريا». وقال أحد المسؤولين الأميركيين إن «الأردن وإسرائيل جزء من اتفاق وقف النار هذا».

وقالت مصادر أميركية إن العمل على هذا الاتفاق بدأ منذ شهور بإشراف المسؤول الأميركي في الحرب ضد «داعش» برت ماكغورك، وهو «يتعاطى مع أدق تفاصيل توزيع الحصص والنفوذ في سورية بالتعاون مباشرة مع روسيا».

وأضافت المصادر أن هزيمة تنظيم «داعش» تشكل الأولوية القصوى لواشنطن، وأن التعاون مع روسيا يهدف إلى «توزيع النفوذ في مناطق سيطرة داعش بعد هزيمته»، وهو ما لمح إليه بيان وزير الخارجية ريكس تيلرسون بإشارته إلى أن ثمة فرصة حقيقية لإحراز تقدم في الأزمة وهزيمة «داعش»، وتركيزه على تمسك واشنطن بالدفاع عن قوات تدربها وتجهزها في مناطق حيوية. و«المناطق الحيوية» المعنية هي في صلب مسودة الاتفاق الروسي- الأميركي وتستند، وفق المصادر ذاتها، إلى تسليم المنطقة الحدودية مع الأردن إلى دمشق.

وبدوره، اعتبر الرئيس بوتين أن الاتفاق الجديد لوقف إطلاق النار في جنوب سورية، «جاء نتيجة تغير في موقف أمريكا تجاه الوضع في سورية بعد أن أصبح أكثر واقعية، أو براغماتية».

تشكيك إيراني

أما طهران فرأت أنه «يجب توسيع الاتفاق الجديد ليشمل جميع أنحاء سوريا كافة»، كما جاء على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي (10/7). وأضاف قاسمي قوله: «تنشد إيران سيادة سورية وأمنها لذا لا يمكن أن ينحصر وقف النار في موقع محدد. لن ينجح أي اتفاق من دون أخذ الحقائق على الأرض في الاعتبار».

 

 

ترامب يأمر بمواجهة القوات الإيرانية في سورية                                         

 

كشفت صحيفة «واشنطن فري بيكون» الأميركية (9/7)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمر بمواجهة القوات الإيرانية عسكرياً في سورية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إنه «للمرة الأولى منذ أن تدخلت القوات الأميركية في سورية، لديها الآن تصريح لاتخاذ جميع الإجراءات للدفاع عن مصالحها» ضد ما زعمت أنه «استفزازات إيرانية عدائية»، مضيفاً إنه «تم توجيه تعليمات جديدة من البيت الأبيض، لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية الجنود الأميركيين والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط لاسيما في سورية».