حفلت أجندة قمة مجموعة العشرين للقوى الاقتصادية الكبرى والناشئة، التي استضافتها مدينة هامبورغ الألمانية يومي السابع والثامن من الشهر الجاري، بمجموعة من العناوين الشائكة والمثيرة للجدل والاهتمام، بدءاً من قضية التغير المناخي، إلى التبادل الحر، إلى التجاذبات المتصلة بعدد من الساحات التي تشهد صراعات مسلحة، وصولاً إلى التوترات الصينية الأميركية في بحر الصين الجنوبي، وذلك على خلفية توجهات الإدارة الأميركية الجديدة، و«تغريدها» خارج سرب العواصم الكبرى الأخرى بشأن عدد من القضايا، مع انسحابها من اتفاق باريس حول المناخ، وتهديدها باتخاذ تدابير حمائية، فضلاً عن تبنيها موقفاً متشدّداً حيال مسالة الهجرة، هذا ناهيكم عن اللقاء الأول الذي جمع الرئيسين؛ الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

قضية التغير المناخي

وقد ظلّت قضية المناخ عالقة مع تمسك الرئيس ترامب بموقفه الرافض لاتفاق باريس. لكنّ الأعضاء الآخرين أصبحوا، كما يبدو، أقلّ ميلاً إلى الخضوع للترهيب، إذ أكدوا «التزامهم القوي بالاتفاق واعتزامهم تنفيذه بالكامل»، رافضين جميعاً دعوة ترامب لإعادة التفاوض عليه، ومشدّدين على أنّ «الاتفاق لا رجعة فيه».

وحسب مصادر غربية، فإن خطط الولايات المتحدة لـ«استدراج بعض أعضاء المجموعة إلى موقفها الهادف إلى تعطيل اتفاق باريس باءت بالفشل». ووصف مدير حملة منظمة «آفاز» الدولية، كريستوف سكوت، جهود الولايات المتحدة في هذا الصدد، بـ«محاولة انقلاب فاشلة».

وقد تمكنّت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من توجيه دفة القمة بعيداً من العوائق التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على طريقها، وذلك في إطار سعيه إلى فرض جدول أعماله الاقتصادي القومي (أميركا أولاً)، معلنةً أنه «يمكننا تحقيق المزيد من العمل معاً أكثر من العمل كلٌ بمفرده».

وقد أعربت عن شعورها بالرضا لأن جميع دول المجموعة، باستثناء الولايات المتحدة، أجمعت على أن اتفاق باريس، الذي وقعته 153 دولة، لا يمكن التراجع عنه. وقالت في نهاية القمة: «لم نتمكن من الوصول إلى توافق، ولم نضع حداً للخلافات.. لكن تم الإعلان عن تلك الخلافات بكل وضوح».

وعلى ذلك، فإنّ عدداً من قادة الدول الكبرى مازالوا يأملون في ثنيّ الولايات المتحدة الأميركية عن قراراها الانسحاب من اتفاق باريس حول المناخ، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن أنه لا يزال يتطلع لـ«إقناع» نظيره الأميركي بالعودة عن قراره.

وكان الرئيس الأميركي أصدر قراراً، مطلع شهر حزيران/ يونيو الماضي، يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، التي تهدف إلى وقف ارتفاع حرارة الأرض، وذلك من خلال خفض دول العالم انبعاثاتها من الغازات المسبّبة لارتفاع درجة الحرارة.

حرية التجارة

وفي شأن حرية التجارة، وهي إحدى النقاط الشائكة الأخرى، أكد القادة مجدداً التزامهم القوي بالتجارة الحرة. وأقرّت المجموعة في بيانها الختامي بأن «هناك حاجة إلى فعل المزيد من أجل تقاسم فوائد العولمة ودور أدوات الدفاع المشروعة في التجارة».

وأصرّ قادة المجموعة على أنهم «سيواصلون الكفاح ضد السياسات الحمائية، بما في ذلك جميع الممارسات التجارية غير العادلة». وهي المرة الأولى في تاريخ مجموعة العشرين التي يتم فيها ذكر «أدوات الدفاع عن المصلحة التجارية».

لكنّ محللين رأوا أن ترامب لن يكون المستفيد الوحيد من هذه الصيغة، إذ ترغب دول أوروبية عدة في أن يكون لديها في المستقبل وسائل دفاعية أكثر فعالية إزاء ممارسات الإغراق التي تقوم بها بعض الدول، وفي مقدمتها الصين.

ومع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، لوّحت واشنطن باتخاذ تدابير جمركية بحق صادرات الصين من الفولاذ إليها، وبحق الصادرات الألمانية وخصوصاً على السيارات، مندّدةً بصادرات هذين البلدين باعتبارها «زائدة ولا تتناسب مع وارداتها».

وسبق للرئيس الفرنسي أن دعا خلال حملته الانتخابية إلى «أوروبا قادرة على حماية مواطنيها». كما أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مراراً على أنّ الأوروبيين مطالبون بتحرير أنفسهم من الاعتماد على الآخرين بصورة أقوى.

مكافحة الإرهاب

أما قضية الإرهاب ومكافحة تمويله والدعاية له، فقد كانت إحدى النقاط النادرة التي حظيت بموافقة مجموعة العشرين عليها بالإجماع. وكانت القمة مناسبة لإعادة تأكيد الدول المشاركة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة وروسيا، على «أولوية إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش في مدينة الرقَّة بعد سقوطه في الموصل، لتخلّيص المنطقة ككل من خطر أمني مباشر تصل ارتداداته إلى مدن أوروبا».

وقد أصدرت المجموعة «إعلاناً مشتركاً» تضمّن أجندة تشتمل على «سبل مكافحة الإجرام المالي وتمويل الإرهاب»، والكشف عن وجود أيّ رابط بين الإرهاب و«أشكال أخرى من الجرائم المنظمة، من تجارة السلاح إلى سرقة الآثار إلى الاتّجار بالمخدرات والبشر».

واتفقت دول المجموعة على خطة عمل تستهدف اتخاذ المزيد من إجراءات التعاون الأمني ورصد حركات التحويلات المالية، ودرس احتمال إصدار كل من الدول المعنية تشريعات ملزمة بالنسبة إلى مزوّدي خدمات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، تفرض عليهم التعاون مع الجهات المختصة، من أجل «تحسين سبل مكافحة الدعاية المتشدّدة وانتشار خطاب التطرف والكراهية عبر الإنترنت».

وأقرت الخطة التزام المجموعة الدولية بـ «مواءمة وسائل مكافحة الإرهاب مع طبيعة التهديدات المتنامية، ومنها أخطار عودة المقاتلين الأجانب من مناطق النزاع في العراق وسورية والحؤول دون حصولهم على ملاذ آمن في أي دولة ومنطقة أخرى في العالم». كما دعت إلى تعزيز تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات والاستفادة من الإمكانات التقنية والبيانات المتوافرة لدى أجهزة الشرطة الأوروبية.

في المقابل، ظلت إنجازات القمة محدودة بالنسبة إلى قضية التنمية في أفريقيا، إذ لم تُبدّد خيبة الاتحاد الأوروبي تجاه نقص الدعم والاستثمار الدولي في القارة الإفريقية، مما يفاقم الأوضاع الاقتصادية ويخلّف موجات مهاجرين غير شرعيين نحو الضفة الشمالية لحوض البحر المتوسط. وأشار رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك إلى «تعاون بين المهربين والإرهابيين الذين يسيطرون على أجزاء من التراب الليبي في تصدير الهجرة غير الشرعية بزوارق الموت نحو إيطاليا».

 

روسيا وأوروبا

أعرب الرئيس بوتين عن ارتياحه لنتائج القمة، مبدياً انفتاح بلاده للتعاون «مع كل الأطراف على أساس براغماتي يقوم على احترام متبادل». وأجرى بوتين لقاءات ثنائية مهمة على هامش القمة، عكست، وفق مصادر الكرملين، «فشل سياسة عزل روسيا». وأكد خلال لقائه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر «عزم موسكو على تطوير علاقاتها مع أوروبا على رغم المشكلات القائمة حالياً بين الجانبين».

وأعرب يونكر عن سعي المفوضية الأوروبية إلى تكثيف الحوار مع روسيا، لافتاً إلى أن «المشكلات القائمة معروفة للجميع، لدينا تباين حيال ملفي القرم وشرق أوكرنيا، ولكن نرغب في مواصلة العمل للبحث عن إمكانات للتعاون والعثور على نقاط لتقاطع المصالح».

 

ألمانيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة «إنجيرليك»

أعلن مسؤول ألماني أن بلاده بدأت (9/7)، سحب قواتها من قاعدة إنجيرليك الجوية التركية، وذلك في أعقاب خلاف مع أنقرة في شأن زيارة نواب ألمان إلى القاعدة.

ويمثل الانسحاب من هذه القاعدة خطوة أخرى في إطار سلسلة من خلافات عدة بين البلدين، من بينها شن أنقرة حملة صارمة على معارضيها في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وتنظيم حملات دعائية سياسية تركية في ألمانيا.

وفي هذه الأثناء سينقل العتاد الألماني إلى قاعدة جوية جديدة في الأردن، من المقرر أن تتمركز فيها الطائرات بحلول تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

وكانت تركيا رفضت السماح للنواب الألمان بزيارة القاعدة، قائلة إنه يتعين على برلين أن تحسّن نهجها تجاه تركيا أولاً. وكانت ألمانيا منعت ساسة أتراكاً من تنظيم حملات على أراضيها للدعاية لاستفتاء بشأن منح أردوغان صلاحيات واسعة جديدة.

وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اجتمعت مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش قمة هامبورغ، لكن الاجتماع كشف عن عمق الخلافات بين البلدين، واعترفت ميركل بعده بأنها فشلت في تذليل الخلافات بينهما.

وعزت ميركل هذه الخلافات إلى «عمليات الاعتقال الكثيرة، ومجمل الممارسات التي تقوم بها أنقرة، بما فيها رفض السماح بزيارة قاعدة إنجيرليك». وقالت كل هذه التطورات «تظهر الخلافات العميقة، التي لم نخفها تحت الطاولة». لكنها مع ذلك، أشارت إلى أن أعضاء مجموعة العشرين يقرّون بـ«مساهمات تركيا في رعاية ملايين المهاجرين من سورية والعراق».