من محكمة العدل الدولية في لاهاي حتى «اليونسكو»، مسار فلسطيني متقطع في طرق أبواب الأمم المتحدة ومؤسساتها. وعلى قلة المرات التي تم فيها تحكيم المنظمة الدولية منذ توقيع اتفاق  أوسلو، إلا أن معظم المحاولات الفلسطينية في هذا الشأن حصدت نتائج ملموسة لصالح حقوق الشعب الفلسطيني، ومن أبرز هذه المحاولات الناجحة كان التوجه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي وصدور قرارها الاستشاري بخصوص جدار الفصل العنصري في صيف العام 2004.

وبقدر ما تؤكد القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة صحة التوجه نحوها بقدر ما يطرح المسار المتقطع في ذلك الاتجاه تساؤلات كبيرة عن السبب في استنكاف السياسة الرسمية الفلسطينية عن اعتماده محوراً أساسياً في اتجاهات العمل الوطني الفلسطيني ورافعة أساسية تدفع باتجاه التقدم على سكة تجسيد الحقوق الوطنية.

كان الهدف الأميركي الأساسي من رفع «الفيتو» عن منظمة التحرير الفلسطينية وفتح الباب أمام الحوار معها هو الالتفاف على الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت أواخر العام 1987. وعندما بدأت تلمح إلى إمكانية الوصول إلى حل سياسي للصراع الفلسطيني ــــ الإسرائيلي بحضور المنظمة، كانت تستند إلى تقديرات القيادة الرسمية الفلسطينية آنذاك التي «استشعرت» وفق حساباتها الخاصة بأن الانتفاضة  قطعت شوطاً كبيراً يمكن الفلسطينيين من أن يقطفوا ثمارها.

وفي ذلك الوقت، نبه كثيرون من مخاطر المناورة الأميركية وحذروا من أن هدفها هو إجهاض الانتفاضة سياسياً بعدما فشلت جميع محاولات الاحتلال الإسرائيلي في وأدها ميدانياً. وثبت للجميع أن تلك المحاولات كانت تؤدي إلى تأجيج الانتفاضة واتساعها بدلاً من إخمادها. وبما أن الانتفاضة جاءت رداً على محاولات تهميش القضية الفلسطينية وتنحية منظمة التحرير عن مقدمة المشهد على يد أطراف إقليمية ودولية، بدا واضحاً منذ ذلك الوقت أن مسألة استعادة التسليم بشرعية تمثيل المنظمة  ووحدانيته، بل واستعداد واشنطن ذاتها للحوار معها قد فتحت شهية القيادة الرسمية الفلسطينية للتفاعل مع الدعوة الأميركية، وبدأت في تسويق وهم يقول بأن أعداء الشعب الفلسطيني وخصومه بدأوا في مراجعة حساباتهم تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية على وقع الانتفاضة. وأن موسم القطاف قد حان!

لقد ساهمت تطورات كبيرة في العالم والمنطقة في تظهير الدور الأميركي تجاه ملفات عدة من بينها الصراع الفلسطيني ــــ العربي /الإسرائيلي. من تلك التطورات انهيار منظومة الدول الاشتراكية وفي المقدمة الاتحاد السوفيتي، والاحتلال العراقي للكويت ومن ثم تشكيل تحالف دولي ــــ إقليمي لإنهاء ذلك.

مع تلك التطورات الكبيرة، اجتهد أصحاب الرهان على صدقية الدعوة الأميركية في تسويق التحذير من مغبة العودة إلى تهميش منظمة التحرير والبحث عن حل للصراع العربي ــــ الإسرائيلي على حساب القضية الفلسطينية، واستخلصوا بأن قطار التسوية في المنطقة قد انطلق ومن لا يلحق به «سيتلاشى على رصيف المحطة».

منذ ذلك الوقت بدأت خطيئة الخلط بين الاعتراف الدولي والإقليمي بالقيادة الفلسطينية وشرعيتها وبين الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وقد ثبت بالتجربة أن هناك فرقاً واسعاً بين الاعتراف، على الأقل في القاموس الأميركي ــــ الإسرائيلي الموحد.

على ذلك، بدأ مسار مدريد، الذي دفعت القوى الدولية التي بلورته باتجاه مسرب المفاوضات السرية بين المفاوض الفلسطيني والاحتلال والخروج باتفاق أوسلو الذي كان أول انجازاته (الأميركية ـ الإسرائيلية) فصم العلاقة بين القضية الفلسطينية وبين الأمم المتحدة وقراراتها وفقاً لقواعد التسوية التي انطلقت عقب توقيع الاتفاق.

لذلك، كانت أي محاولة فلسطينية للانفتاح نحو الأمم المتحدة تواجه بالقول بأنها تناقض ما تم الاتفاق عليه ربطاً بقواعد التسوية المعتمدة، لقد تعاملت إسرائيل مع اتفاق أوسلو بجدية «حصرية» من خلال التمسك بآلياته الاقتصادية والأمنية، أما مسألة إنهاء الاحتلال وانسحابه وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة فهي بالنسبة لها مجرد «محسنات لفظية» لإثارة شهية المفاوض الفلسطيني وتمسكه بمسار التفاوض. وطيلة ذلك الوقت، كانت واشنطن تحمي الموقف الإسرائيلي من خلال سكوتها المطبق على التهرب من استحقاقات الاتفاق ذاته مع انتهاء المرحلة الانتقالية في ربيع العام 1999. ولم تتدخل في منع تنفيذ تل أبيب قرارها بناء جدار الفصل العنصري في العام 2002، مع أن ذلك يناقض اتفاق أوسلو ذاته، وقبل ذلك يخالف جميع القرارات الأممية ذات الصلة.

جميع هذه العوامل دفعت باتجاه التوجه نحو محكمة العدل الدولية في لاهاي للنظر في موضوعة الجدار. ومع صدور القرار الاستشاري الذي أدان بناءه ودعا إلى إزالته وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم، كان أمام الحالة الفلسطينية أفق متاح لاستكمال الطريق نحو تثمير هذا القرار.

في ذلك الوقت، كان قد مضى عشر سنوات على قيام السلطة، وتلاشت الأحلام والوعود بالازدهار التي بثها مهندسو أوسلو وملحقاته. ومع ذلك فإن وهم الرهان على التسوية ودور واشنطن فيها لم ينتهِ.

والسبب في ذلك، أن السياسات الخاطئة التي شقت الطريق نحو أوسلو قد أصبحت خياراً وحيداً لأصحابها وللأوساط السياسية والاقتصادية المرتبطة بهذا الخيار؛ خاصة مع تضخم مؤسسات السلطة بجيش من الموظفين والعاملين الذين تتوقف معيشتهم اليومية على استمرار الدول المانحة في ضخ مساعداتها المشروطة.

ومع تفاقم إجراءات الاحتلال واعتداءاته المتكررة، كان مسار المفاوضات هو الحبل الوحيد المتاح أمام المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية كي يعلق عليه يافطة «الأمل» بحل سياسي قريب.

ثمة محطات خلال مسار التسوية، أدرك فيها المفاوض الفلسطيني أنه بات في الزاوية الضيقة، خاصة بعد فشل مفاوضات العام 2010. وربما هذا ما جعله ينحني أمام الإجماع الوطني والتوجه نحو الأمم المتحدة بطلب ترقية وضع فلسطين والاعتراف بها. وعلى الرغم من الضغوط الهائلة من واشنطن وتل أبيب نجح المسعى الفلسطيني، والإعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران/يونيو 67 وعاصمتها القدس، وانضمت بالتالي إلى عشرات مؤسسات الأمم المتحدة.

لقد أصبح بذلك الباب مفتوحاً أمام الحالة الفلسطينية كي تستكمل هذا الخيار بتفعيل عضويتها في المؤسسات الأممية وتدفع باتجاه محاكمة إسرائيل على جرائمها. لكن الخط الأميركي الأحمر وجد استجابة عند القيادة الرسمية الفلسطينية، ليثبت أنها تتعامل مع الإنجازات التي تحصل كورقة مقايضة تتنازل عنها في سياق استدراج عروض تفاوضية.. أفضل.

ما حصل تجاه القرار الاستشاري لمحكمة لاهاي حصل تجاه جميع الإنجازات التي حصلت ميدانياً وسياسياً منذ توقيع اتفاق أوسلو، بما في ذلك قرارات اليونيسكو ولجانها المتعددة التي أعادت التأكيد على هوية القدس الفلسطينية ومعها الحرم الإبراهيمي كمعلم تراثي فلسطيني على قائمة التراث العالمي.

المعضلة في التغني بهذه الانجازات دون البناء عليها وتثميرها، ودون اعتماد التوجه نحو الأمم المتحدة خطاً أساسياً في مقاومة الاحتلال كما هو الأمر المفترض في ميدان المواجهة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.