ترى تل أبيب أن مجيء إدارة ترامب والصراعات التي تدور من حولها في المنطقة العربية عاملات متكاملان كلي تبلور طموحاتها في سياق خطة سياسية تتوافق مع عناوين «السلام الإقليمي» الذي تطرحه الإدارة الأميركية.

وبسحب تصريحات متقاطعة لأقطاب في حكومة نتنياهو فإن الخطة الإسرائيلية تتجاوز مسار المفاوضات الثنائية مع الجانب الفلسطيني على إعتبار أنه لن يأتي سوى بـ «حل ضيق النطاق»، وأن الخيار الصحيح هو تحقيق حل شامل ومتعدد الأطراف للصراع العربي/ الإسرائيلي وفق أسس تصوغها تل ابيب وتقدمها أولاً إلى إدارة ترامب قبل إستئناف المفاوضات بشأن التسوية في المنطقة.

وضع هذا الحل الإسرائيلي تسعى تل أبيب كلي تحصد «أوفر» محصول من حالة التردي المتفاقمة في الحالتين العربية والفلسطينية، ولا تبقى بالنسبة لها لتحقيق ذلك سوى تبني الإدارة الأميركية لطموحاتها والضغط من أجل تجسيدها.

في البداية، تقطع عناوين الخطة الإسرائيلية مع مبدأ قيام دولة فلسطينية مستقلة كما كان يرد في غير خطة دولية بشأن التسوية، والحديث نقيضاً لذلك عن تشكيل «كيان فلسطيني مستقر ومزدهر»، وهو جوهر خطة «السلام الإقتصادي» التي طرحها مراراً بنيامين نتنياهو. وينبغي تأمين هذا الكيان عبر إلتزامات دولية، أي لجهة التمويل، وبحسب الخطة الإسرائيلية يفضل أن يكون الإشراف المباشر على هذا الكيان من قبل كل من الأردن ومصر من خلال «كونفدرالية». ويستدل على ذلك أن تل أبيب ترى في الظروف القائمة ما يمكنها من إلغاء الشخصية الوطنية الفلسطينية عبر إعادة إلحاق كل الضفة وقطاع غزة بمصر والأردن. وفي سياق ذلك كله ينبغي تأمين «الأغلبية اليهودية» عن طريق الإنفصال الديمغرافي الكامل عن الفلسطينيين وإستمرار فرض السيادة الإسرائيلية على معظم أراضي الضفة الفلسطينية. وتكمل تل أبيب الدائرة حول الفلسطينيين من خلال فرض تجنيس اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها من خلال دعم دولي لهذا المسعى.

ولم تكن هذه الطموحات بعيدة عن نقاشات مؤتمر هرتسيليا الذي عقد مؤخراً في إسرائيل. وكان واضحاً تظهير مساحات التوافق مع إدارة ترامب لجهة التصعيد ضد إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية. ففي سياق العناوين التي تطرحها الخطة الإسرائيلية غير الرسمية «محاربة نفوذ إيران» ووضع حد لمشروعها النووي وهي هنا تدخل أيضاً على النقاشات والخلاصات التي إنتهت إليها الإجتماعات الخليجية ــ العربية الإسلامية مع الرئيس الأميركي ترامب خلال زيارته للرياض.

وتحت عنوان مواجهة «الخطر الإيراني» تسعى تل أبيب لتشكيل حلف مع العواصم العربية «المعتدلة» يتم تحت يافطته فرض الحل الإسرائيلي على الجبهة الفلسطينية، ويتعدى الأمر ذلك في ظل الطموح الإسرائيلي بالحصول على إعتراف من قبل هذه العواصم بسيادتها على الجولان السوري المحتل.

ويلاحظ من العناوين الرئيسية لهذه الخطة أن تل أبيب تجاوزت في خطابها مع الإدارة الأميركية مسألة الإستيطان ولم تعد تطرح ضمه إلى إسرائيل لأن ما تطمح إليه هو إدامة الإحتلال على معظم مناطق الضفة الفلسطينية ولا ترى نفسها مضطرة للصراع مع أحد حول مستقبل الإستيطان بإعتبار أنه سيكون دائماً تحت السيادة الإسرائيلية وأن مسألة توسيعه المضطرد شأن داخلي .

وربما ما يدفع تل أبيب لإعلان طموحاتها هو إدراكها أن المنطقة العربية في مواجهة إعادة  تشكيل على يد اللاعبين الكبار في المنطقة والعالم، وهي تعتبر نفسها لاعباً إقليمياً لا يستهان به، وبالتالي فإن على اللاعبين الآخرين أن يراعوا مصالحها كي «تساعد» في إعادة الإستقرار للمنطقة، وهو أمر لم يخفى أيضاً في نقاشات مؤتمر هرتسليا.

وفي إطار الآليات التي تعتقد تل أبيب أنها متوافرة كي تتقدم خطها بإتجاه التطبيق، يأتي التعامل الأميركي مع الحالتين العربية والفلسطينية.

وتعترف أوساط السلطة الفلسطينية أنها لا تسمع من المبعوث الأميركي سوى الشروط الإسرائيلية، وأن الخطاب الأميركي ينحصر في ضمان «تأهيل» الحالة الفلسطينية بما ينسجم مع الشروط والإعتبارات الإسرائيلية. وخاصة تجاه أسر الشهداء والأسرى وكل ما يمت إلى النضال الوطني الفلسطيني ضد الإحتلال بصلة. ومن نافل القول إنه كلما حقق الضغط الأميركي على السلطة بعضاً من أهدافه، كلما تقدمت تل أبيب نحو تحقيق طموحاتها على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.

وتدرك تل أبيب أيضاً أن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة لم تشهد إنقلاباً بمجيء إدارة ترامب، لكنها تدرك أيضاً أن موقف الرئيس الأميركي الجديد وإدارته يتطابق مع المصالح الإسرائيلية من بوابة الحل الإقليمي» الذي سيهمش بالضرورة العامل الفلسطيني أكثر فأكثر في المعادلة القائمة، ولم تعد مسألة قيام الدولة الفلسطينية أو حتى السير بإتجاهها شرطاً لإقامة علاقات بين دول عربية والإحتلال الإسرائيلي.

ويساعد الإحتلال على المضي  في إستثمار التطورات في المنطقة حالة الإصطفاف التي تديرها واشنطن في المنطقة العربية وتوجه بوصلة إستهدافاتها ضد المقاومة وحلفائها، في حين يقدمون الإحتلال كصديق وشريك مؤهل ليلعب دوراً «قائداً» في هذه الإصطفافات. يضاف إلى ذلك بالطبع الوضع المتردي الذي تعيشه الحالة الفلسطينية في ظل تفاقم الإنقسام وإستمرار سياسة الرهان على الدور الأميركي في التسوية على الرغم من وضوح الخطاب الأميركي تجاه الوضع الفلسطيني.. والضغوط مرشحة للتصاعد من قبل واشنطن كي ترضخ السلطة تماماً للشروط الأميركية ــــ الإسرائيلية.وفي حال استمرت السلطة في سياستها الانتظارية، فإن وهم التسوية سيضع الحقوق الوطنية في مهب التبديد. وتتقدم السياسات الاسرائيلية نحو تحقيق أهدافها على أنقاض هذه الحقوق.

بالمقابل، أمام الحالة الفلسطينية خيارات مفتوحة في مواجهة الاحتلال تبدأ في مقارعته في الميدان وتتوج في السياسة عبر التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة وخاصة الجنائية الدولية وطلب محاكمته على جرائمه بحق الشعب الفلسطيني. وفي سياق هذا اعادة الاعتبار لقرارات الاجماع الوطني وفي المقدمة قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة.