«يريد المبعوث الأميركي معرفة مواقف الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من القضايا الأساسية في المفاوضات». بهذه الجمل قدمت الإدارة الأميركية لزيارة جيسون غرينبلات التي وقعت الأسبوع الماضي والتقى خلالها كلا من الرئيس عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

ربما يكون هذا التقديم صحيحاً على اعتبار أنه لم يمض على ترسيم الإدارة الحالية سوى بضعة أشهر، لكن أن يجري هذا الحديث بعد نحو ربع قرن من المفاوضات وكانت واشنطن الراعي الحصري لها، فهذا يعني أن غرينبلات جاء لأسباب مختلفة، وإن كانت تتصل بالتسوية، خاصة أن إدارة ترامب عكفت خلال الشهرين الماضيين على دراسة تجربة الإدارة السابقة بخصوص المفاوضات وأطلعت على الوثائق والأفكار التي تقدمت بها في العام 2014 إلى كل من الجانبين. ومع ذلك، ومع «عدم معرفتها» بالمواقف تقول الصحافة العبرية إن الإدارة الأميركية «الجديدة» تفحص إمكانية بلورة «وثيقة مبادئ» لحل القضايا  الأساسية في الصراع!.

منذ الزيارة الأولى للمبعوث الأميركي غرينبلات إلى رام الله كان واضحاً أن إدارة ترامب تسعى بالدرجة الأساسية إلى «تأهيل» الحالة الفلسطينية بما ينسجم مع الشروط الإسرائيلية وفي المقدمة منها وقف التحريض على الاحتلال. ومن هذه الزاوية تحديداً طرح غرينبلات على قيادة السلطة ضرورة «تطوير» دور الأجهزة الأمنية ورفع مستوى التنسيق الأمني مع إسرائيل ليصل إلى مستوى التعاون التام. وهذا يعني الانتقال من مسعى هذه الأجهزة لمنع أية عمليات فلسطينية ضد الاحتلال إلى القيام بمداهمات استباقية تستهدف بنية المقاومة بغض النظر عن أشكالها.

لكن الأخطر في المحاولات الأميركية ـ الإسرائيلية هي السعي لإجراء عملية «غسل دماغ» شاملة للفلسطينيين حتى تنتفي من ذاكرتهم ووجدانهم ما قدمه أبناؤهم من تضحيات وما سطروه من بطولات في مقاومتهم المديدة للاحتلال. وكان هذا واضحاً في طلب غرينبلات إزالة أسماء الشهداء عن شوارع المدن والبلدات الفلسطينية، والضغط من أجل وقف مخصصات أسر الشهداء والأسرى؛ يجري ذلك في  الوقت الذي تطلق الدولة العبرية أسماء أعتى مجرميها على المطارات والساحات والشوارع ولم تطلب منها واشنطن تغيير ذلك، أو وقف رواتب قتلاها من الجيش الإسرائيلي الذي قتلوا خلال عدوانهم على الشعب الفلسطيني.

ويتضح مع مرور الوقت، أن أجندة عمل الفريق الفلسطيني ـ الأميركي الذي تشكل مؤخراً لبحث «القضايا العالقة» تكاد تنحصر في متابعة تنفيذ الشروط الأميركية التسعة التي حملها غرينبلات في زيارته الأولى إلى رام الله.

وزير الخارجية الأميركي لم يخف ذلك وصرح علناً بأنه أبلغ الفلسطينيين في هذا الفريق أن ترامب يريد حلاً سريعاً لمسألة مخصصات الشهداء والأسرى، وأنذرهم بأن الرئيس الأميركي سيتوقف عن الاهتمام بـ«العملية السلمية» إذا لم يتم وقف المخصصات وسيؤثر ذلك على المساعدات الأميركية المقدمة للسلطة الفلسطينية.

المؤسف أن ذلك لا يواجه من قبل المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية بشكل حازم. بل أن هناك من «يتطوع» لطرح حلول وسط من نوع وقف مخصصات شهداء العمليات ضد الاحتلال.

لقد تركزت سهام الأميركيين والإسرائيليين مؤخراً على الصندوق القومي الفلسطيني في منظمة التحرير وهيئة شؤون الأسرى في السلطة والتي كانت وزارة وتم تحويلها إلى هيئة. ويجري الحديث على لسان مصادر مطلعة بأن الرئيس عباس ينوي إلغائها ودمجها في وزارة الداخلية. وعندما نتحدث عن الشهداء والأسرى الفلسطينيين فالحديث يمس نصف الأسر الفلسطينية تقريباً.

تفهم الإدارة الأميركية أن جاهزية المفاوض الفلسطيني تتجه نحو الكمال كلما اقترب من تنفيذ الشروط الإسرائيلية وهذا كله قبل بدء المفاوضات. وإذا ضمنت إسرائيل سكون الفلسطينيين وعدم تعرضهم للاحتلال قولاً وعملاً وتعهدوا بحسن السيرة والسلوك وعاقبوا شهداءهم وأسراهم على ما ارتكبته أيديهم فبماذا سيعود المفاوض الفلسطيني إذا ذهب إلى مائدة التفاوض؛ بعد أن  كلف تجهيزه وتحضيره لجلساتها كل ما سبق.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه أوساط إدارة ترامب عن عزمها التحضير لوثيقة مبادئ حول القضايا الأساسية، تطرح فكرة  إرسال وفدين فلسطيني وإسرائيلي إلى واشنطن تحضيراً لإطلاق المفاوضات، وهذا يعني أننا أمام سيناريو مشابه للمفاوضات التقريبية التي جرت في العام 2010 ولم يحدث أي تقدم. وليس بعيداً أن تكون بجدولي أعمال أحدهما خاص بالوفد الفلسطيني لمتابعة تنفيذ الشروط الأميركية التسعة.

وتتابع تل أبيب تنفيذ هذه الشروط من خلال إجراءات مباشرة، ويتضح ذلك من مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على اقتطاع المخصصات التي تدفع لأسر الشهداء والأسرى من أموال الضريبة التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة.

ومن خلال التجربة التفاوضية للسلطة ثبت أنها قايضت بالكثير مما يملكه الفلسطينيون من مصادر القوة مقابل لا شيء، وبخاصة التمسك بحق مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة كما شرعتها الأمم المتحدة؛ وقبلت الدخول في المفاوضات منذ انطلاق عملية التسوية دون وقف الاستيطان وفي ظل استمرار العدوان وحملات الاعتقال. وبعد ربع قرن من ذلك، يبدو مشهد الاستيطان هو المؤهل للبقاء والتوسع في حين تضيق الفرص عملياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.

لقد قبل المفاوض الفلسطيني سابقاً بفصل قضايا مهمة في الصراع على مسارات أخرى وأهمها قضية اللاجئين، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم.

وفي هذه الفترة تطرح إدارة ترامب بوضوح عزمها إطلاق آلية للتفاوض تبحث من خلالها كل قضية من قضايا الصراع في مسار مستقبل؛ دون أن يرتبط مآل أي مسار بالآخر. وبالتالي تشرع لإسرائيل حصر المفاوضات بالمسار الأمني وفقاً لشروطها، وقد حدث ذلك تماماً في المفاوضات التقريبية التي جرت في العام 2010. وطالما إدارة ترامب تفضل وجود وفدين منفصلين في واشنطن، وبآلية فصل المسارات، فإن السيناريو ذاته سيتكرر ولن يكسب المفاوض الفلسطيني سوى بروتوكول العملية السياسية، فيما تستمر حكومة نتنياهو في التغول بمشاريعها الاستيطانية وبضوء أخضر من الإدارة الأميركية.

لذلك، من الغريب أن تنظر السلطة ومفاوضها بإيجابية إلى الإعلانات الأميركية المتكررة عن جهودها المزمعة تجاه التسوية، في الوقت الذي يتضح فيه أن العناوين والآليات، التي تتحدث بها إدارة ترامب تخدم ما تريده تل أبيب من مجمل عملية التسوية. إضافة إلى أنها تطرح «تسوية إقليمية» يحضر فيها المسار الفلسطيني كظل في سياق القضايا «الكبرى» التي تهم إدارة ترامب في المنطقة وفق تصورها للخريطة السياسية التي تريدها.