• تعيش دول إقليمنا العربي إضطرابات سياسية تنبئ بتحولات كبرى، تضعه على أبواب متغيرات جيوسياسية وديمغرافية بديلة

 

منذ أكثر من ست سنوات، والمنطقة العربية تعيش تداعيات سياسية طاحنة، وضعتها على مفترق طرق، وفتحت الأبواب على مصراعيها لإدخال تغييرات جيوسياسية على أوضاع دولها، إن في إعادة رسم حدود هذه الدول، في تسويات إقليمية على خلفيات دموية، وصراعات محلية، أو في إعادة صياغة الأنظمة السياسية لدول أخرى، كضرورة أملتها طبيعة الصراعات وقوى التغيير الداخلية، وعناصر التدخلات الخارجية. وفي هذا السياق، شهدت الهويات الوطنية والقومية تشوهات، بل تفتت بعضها إلى هويات طائفية ومذهبية وعرقية وجهوية بديلة، ما أرخى بظلاله على العديد من القيم والمفاهيم السياسية والفكرية، والمعادلات والتوازنات والتحالفات وأسباب الصراع، بحيث شكلت في مجموعها في إطار صراعات محلية وإقليمية، بديلاً للصراع العربي الإسرائيلي، الذي تراجعت وتيرته إلى الصفوف الأخيرة، مخلية مقدمة المسرح السياسي للصراعات البديلة بعناوينها المختلفة. وإن كانت الدول قد حافظت على أسمائها وعناوينها، إلا أن مضمونها تغير، وخرائطها الداخلية تبدلت، وعناصر إستقرارها تلونت، وباتت على أبواب مرحلة جديدة، تعيدنا بالذاكرة إلى تلك المرحلة المتأرجحة التي شهدتها المنطقة العربية بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، في ظل تفكك الإمبراطورية العثمانية، ورسم خرائط جديدة للمنطقة، لم تستقر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومازالت آثار بعضها، كقيام دولة إسرائيل، تمتد بظلالها فوق المنطقة، دونما ينبئ أن ما نشأ عن ولادة هذه القضية من صراعات بات على أبواب الوصول إلى حلول مستقرة.

ونظرة على دول المنطقة، تقودنا إلى قراءة فيها بعض التفصيلات، هنا وهناك، من شأنها أن تعمق الرؤية، وأن تبرز مدى تعقيدات المشهد، ومدى إضطرابه.

• ففلسطين، وبعد مئة عام على وعد بلفور، وإتفاقية سايكس بيكو، التي قادت إلى ضم هذا البلد العربي إلى النفوذ البريطاني، مازالت تشهد صراعاً محتدماً، بلا حدود، بين المشروع الصهيوني الهادف إلى تهويد الأرض، والبحث عن حلول عنصرية لسكانها، في إطار مشروع إقتلاعي إحلالي عنصري دموي متوحش، وبين المشروع الوطني الفلسطيني الهادف إلى صون هوية الأرض والشعب والذاكرة، وبناء المستقبل القومي القائم على المساواة الكاملة في المواطنة، وبين الرجل والمرأة، والإهتمام بالشباب، وتوفير العدالة الإجتماعية للسكان، وبناء أسس التنمية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية الشاملة. ورغم طغيان الأحداث الإقليمية التي دفعت بالقضية الفلسطينية إلى الخلف، لصالح قضايا بديلة، إلا أن العديد من المحطات الفلسطينية المميزة، تعيد التأكيد على محورية القضية، في الصراع الإقليمي، وعلى أنه بدون حل مستقر لهذه القضية، فإن الإقليم سيبقى على الدوام يعيش حالة قلقة. ومع أن إحتملات الحرب العربية الإسرائيلية باتت جزءاً من الماضي، إلا أن الحرب اليومية بين دولة تمارس الإحتلال والعدوان، وبين شعب يتوق للحرية، بقيت تمثل المشهد اليومي، بأشكاله وتلاوينه المختفلة بإمتدادته عبر الحدود، بحيث تطال مخيمات اللجوء والشتات، كواحدة من القضايا الجوهرية للصراع، والتي دون حلها، وفقاً للحقوق المشروعة لأصحابها، في العودة وتقرير المصير، ستبقى عنصر إخلال بالتوازنات والإستقرار في المنطقة.

• وفي الإنتقال إلى سوريا، حيث الأزمة تدخل عامها السابع، يتكشف المشهد السياسي عن تداعيات عديدة، فإلى جانب الصراع الذي تخوضه الدولة ضد الإرهاب [داعش والنصرة وسواها]، فإن عناصر التدخل الخارجي، الأميركي والبريطاني، والفرنسي، والتركي، وإمتداد أصابع خليجية هنا وهناك، أضفى على الحالة السورية تعقيدات أسبغت على الحدث أبعاداً إقليمية ودولية. وإذا كان لروسيا وإيران، والأطراف الحليفة، دور في إسناد الدولة السورية في معاركها الوطنية، فإن هذا الدور شكل هو أيضاً عنصراً جديداً في رسم أبعاد الحدث، بحيث بات الحديث عن حل للأزمة السورية بأخذ أبعاداً تجاوزت حدود البلاد، نحو الآستانة وجنيف، وموسكو، وواشنطن، وأنقرة. ولعل إنتقال حرارة المشهد، نحو القوس الجغرافي الممتد من الجنوب في الجولان، حتى التنف صعوداً إلى شمال البادية، وبمحاذاة الحدود العراقية وبالتماس معها، من شأنه أن يلقي الضوء على طرفين آخرين، بات لهما الدور الملموس في تعميق الأزمة السورية، وتعقيدها، هما إسرائيل والأردن، كل من موقعه وكل حسب خياراته ومشروعاته وتحالفاته السياسية. ويبدو أن إنتقال حدة الصراع إلى بادية الشام، على طول الحدود العراقية، بات عنصراً رئيسياً في صناعة الحل، خاصة إذا ما أدخلنا عنصر الكرد الإعتبار، كقضية قومية تعيد تقديم نفسها، في ظروف سياسية، يعتقد صانعو القرار فيها أن الوقت قد حان لتحقيق ما لم يتحقق مع نهاية الحربين الأولى والثانية. لذلك لا غرابة أن يكون أحد محاور الصراع، في البحث عن حل، هو مستقبل سوريا، كدولة واحدة موحدة، أو كدولة فدرالية أو كونفدرالية، حتى أن بعض مراكز البحث والتفكير في موسكو، توقفت هي الأخرى أمام دراسة إمكانية إعادة بناء سورية الكونفدرالية، في رؤية، تفتقر إلى العمق المطلوب في قراءة البنية الديمغرافية للبلاد وتكويناتها السياسية والمذهبية والعرقية والجهوية.

• في مصر، وبد ثورتين كبيرتين، أطاحتا بقيادة الرئيس السابق حسني مبارك، وبالرئيس الإخواني محمد مرسي، وبهيمنة «الإخوان» على النظام، عاد الجيش، ممثلاً بالرئيس عبد الفتاح السيسي ليتولى رئاسة النظام، وصون الدولة المصرية العميقة. ورغم الفارق الكبير، الذي يميز الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، عن خلفه أنور السادات، عن حسني مبارك، وعن السيسي، فإن الثابت في مصر، حتى الآن، هو أن الجيش ما زال هو الوصي على النظام السياسي في البلاد، والضامن لإستقراره، وتواصله، الأمر الذي يطرح أسئلة مشروعة حول إمكانية التغيير، في طبيعة النظام وآلياته، وقوانينه، بما يحقق الأهداف الكبرى التي من أجلها إنطلقت ثورة يناير، ثم عززتها ثورة يونيو. إلى ذلك، ورغم إنعكاس التداعيات الداخلية على الدور المصري، إلا أن أرض الكنانة، ووادي النيل، تبقى عنصراً رئيسياً من عناصر التغيير والإستقرار في المنطقة تبقى مشدودة إلى مكافحة الإرهاب الذي يحاول أن ينخر البلاد وأن يجتاح شبة جزيرة سيناء، كما تبقى مشدودة إلى دورها الإقليمي، من موقع القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، ومن موقعها المؤثر في تصادم المشاريع وأصحاب النفوذ الإقليمية ما بين تل أبيب، وأنقرة، والرياض وطهران، دون أن نغفل الدور الذي تبحث عنه القاهرة في بناء تسوية للملف السوري تحفظ للبلاد وللدولة وحدتها وإنتماءها العربي.

 

• أما العراق، فلم يشهد، منذ الإجتياح الأميركي عام 2003 الهدوء والإستقرار والسكينة. وقد نجحت السياسات الأميركية في تدمير بنية الدولة العراقية ونخبها السياسية والفكرية والأساس القومي لوجودها، لصالح «دولة» تقوم على بناء هويات مذهبية وطائفية، وجهوية وعرقية، غيرت وجه البلاد، وعمقت الصراعات بين أطرافه المختلفة، وأدت إلى تنحية دوره الإقليمي في المنطقة، وفي إغراقه في همومه وصراعاته المحلية وفي بحر الفساد والإفساد، والإرهاب والتدمير الذاتي، والعيش في ظل تهديد دائم  بالإنقسام الداخلي. وإذا كانت داعش، قد نجحت في إقامة ولايتها على إنقاض الدولة العراقية الهشة والمتداعية أصلاً في الموصل وأطراف أخرى، فإن معركة، الخلاص من داعش، تطرح هي الأخرى علامات إستفهام حول مصير البلاد، وتوازناتها الديمغرافية، بعد تحرير الموصل. كل هذا دون أن نتناسى أن العراق، إلى جانب همومه وقضاياه المحلية بشكل ميداناً خصباً لصراعات إقليمية تتلطى خلف أبعاد ومظاهر مذهبية مختلفة. وليس خافياً حقيقة الدور الإيراني والتركي، في صناعة الحدث العراقي، إلى جانب الحدث الأميركي (تحت عنوان التحالف الدولي). وهذا ينبئ بأن رسم مستقبل البلاد سوف يكون متأثراً بالضرورة بنتائج  الصراعات الإقليمية والدولية، إن في تسويات منفصلة بين قطر وآخر، أو في إطار تسويات الرزمة الواحدة، ما يعيدنا إلى تجربة سايكس بيكو في إعادة تقسيم المنطقة.

• والأردن، الدول المفتوحة على كل الصراعات في المنطقة، يعيش مشدوداً على الدوام نحو المناطق الفلسطينية المحتلة، ومشاريع التسوية مع إسرائيل، وإنعكاساتها على مستقبل البلاد وبنيتها ونظامها. ويبقى في الوقت نفسه مرتبطاً بالصراع الدائر في سوريا، وقد تحولت الحدود مع الأردن، إلى ساحة صراع جيوسياسية من شأنها أن تكون عنصراً في تقرير التسوية فيها. والأمر نفسه مع العراق، بعد أن أصبح الأردن عمقاً إستراتيجياً لفئة من سكانه الذين يلجأون إليه بحثاً عن الإستقرار والأمان السياسي. دون أن نغفل في الوقت نفسه الرياح التي تهب على عمان آتية من صحراء الخليج ومياهه الحارة، خاصة بعد تأزم العلاقات الخليجية الداخلية، وإمتداد نيران الحرب اليمنية لتطال مياه البحر الأحمر.

• ورغم أن رياح الصراع في اليمن لا تصل إلينا بفعل الحواجز الجغرافية الطبيعية والسياسية، إلا أن تعقيدات القضية اليمنية، بعناصرها الإقليمية المعروفة تشابكت مع تعقيدات أكثر من قضية، بحيث بات يراد للصراع في اليمن، أن يتحول إلى جزء لا يتجزأ من الصراعات المذهبية، ما يخفي حقيقة الأزمة اليمنية الداخلية ويموه على حقيقة الحلول، ويجعل من اليمن، البلد الباحث عن إستقراره السياسي، ساحة للصراعات والمقايضات، على حساب أهله وسكانه، وحقهم في تقرير مصيرهم إلى طاولة المفاوضات بدون تأثيرات وتدخلات خارجية.

• ومن اليمن إلى الخليج، حيث تشكل المنطقة بؤرة ساخنة تقف عند مفترق طرق، تطرح على بساط البحث مصير دول تعاون الخليج ومستقبلها، في ظل المتغيرات القادمة على الإقليم. كما تطرح على بساط البحث العلاقات الإيرانية، الأميركية، والإيرانية، الأوروبية، دون أن تتجاهل إحتمالات أن تطل الصين، الدولة القوية برأسها، في المنطقة إلى جانب روسيا الإتحادية، خاصة وأن منطقة الخليج، عدا عن كونها مصدراً للطاقة، فهي في الوقت نفسه منطقة إستراتيجية وسوق إستهلاكية، ومنبعاً لأموال الإستثمارات وميداناً لعمل الشركات الكبرى. ولا يمكن عزل مصير الخليج، والعلاقات البينية بين أطرافه، وبينها وبين إيران، عن مصير المنطقة الوسطى ممثلة ببلاد الشام وأرض الرافدين ووادي النيل.

وأخيراً وليس آخر، ولإستكمال الخارطة يبدو الوضع في لبنان باعثاً على الكآبة السياسية في ظل وإفلاس نخبه السياسية المذهبية والطائفية والتي أصابتها الشيخوخة، بما في ذلك الشيخوخة المبكرة لعناصرها الشابة، وهي تبحث لنفسها عن حلول لأمراض لا شفاء منها، وعن معالجات لنظام قائم على المحاصصة الطائفية، لم يعد بالإمكان إصلاحه، وبات من الضروري إعادة بنائه على أسس بديلة، عنوانها المواطنة، وليس الطائفة والمذهب، عمادها الدولة وليست الكنيسة أو دار الإفتاء، منهجها العدالة الإجتماعية والتنمية الشاملة خاصة لمناطق النائية. وسيبقى لبنان، مهما حاول النأي عن بنفسه، عن الإحداث الإقليمية سيجد نفسه، شاء أم أبى، في خضم هذه الأحداث، يتلقى ردود فعلها، محاولاً مداراتها، لكنه في نهاية المطاف، لا يمكن أن يتهرب من الإستحقاق التاريخي الذي كانت قد شهدته من قبل دول وشعوب أخرى