@ تطمح إدارة ترامب إلى قيام تحالف إقليمي تحت قيادتها يشمل دول الخليج ومصر والأردن، وفي مرحلة لاحقة إسرائيل، بعد إبرام اتفاق سلام مفترض معها

@ منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تعلمت الولايات المتحدة درساً صعباً مفاده أن «ما يحصل في الشرق الأوسط لا يبقى محصوراً فيه»!

@ «الحرب على الإرهاب» ككل، ليست أكثر من يافطة يمكن استغلالها في إطار خطة أعمّ وأشمل لإعادة تثبيت الدور الأميركي في ملفات المنطقة

شيئاً فشيئاً، أخذت تتضح معالم استراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، التي تقوم على ثلاث أولويات كان ذكرها الرئيس الأميركي في خطابه أمام الكونغرس (أوائل شهر آذار/ مارس الماضي)، وهي هزيمة تنظيم «داعش»، والحفاظ على أمن الدول الحليفة، وخصوصاً إسرائيل والدول الخليجية، إلى جانب ردع إيران والعمل على احتوائها.

ولقد اتضح كذلك، أنه بقدر ما تسعى هذه الاستراتيجية إلى الابتعاد عن سياسات الإدارة السابقة، أو ما يعرف بـ«عقيدة أوباما»، (القائمة على مبدأ الانسحاب من مشاكل المنطقة، أو أقلّه عدم الخوض عميقاً فيها و«تفادي مستنقعاتها»)، فإنها تحاول الابتعاد، بالقدر نفسه تقريباً، عن «عقيدة جورج دبليو بوش»، (الجمهوري الذي تزامن عهده مع صعود المحافظين الجدد، والانخراط المباشر في الصراعات والحروب، كما حدث في العراق وأفغانستان)، على أمل أن ترسم توازناً بين السياستين السابقتين، وأخذ العبرة والدروس من كلتيهما، معتبرة أنهما ساهمتا معاً، في «شيوع الفوضى» بالمنطقة، سواء من خلال اندفاع وتهور بوش، (الذي كلّف واشنطن نحو 6 تريليونات دولار، كما صرّح ترامب مراراً خلال حملته الانتخابية)، أم من خلال تراجع أوباما، وتعويله فقط على «إبرام الاتفاق النووي مع إيران».

وقد جسّدت تركيبة هذه الإدارة، ميلها نحو تنفيذ استراتيجية وسياسة خاصة بها، إذ أنها استبعدت شخصيات من المحافظين الجدد، مثل السفير السابق جون بولتون والمسؤول السابق اليوت أبرامز، مفضلة الاعتماد، عوضاً عنهم، على خليط قوامه الرئيسي عددٌ من كبار الأثرياء ورجال الأعمال إضافة إلى عددٍ آخر من الجنرالات والقيادات العسكرية المخضرمة وذات الخبرة العملية والاستراتيجية، أمثال جيمس ماتيس وجون كيلي وهربرت ماكماستر، الذين يشغلون حقيبتَي الدفاع والأمن الداخلي ومنصب مستشار الأمن القومي، إلى جانب المدير السابق للعملاق النفطي «موبيل أكسون»، ريكس تيلرسون، في وزارة الخارجية.

ولعلّ خلفية دونالد ترامب، كرجل أعمال وقطب عقارات معروف، وخبرته في عقد الصفقات، جعله ينزع نحو التأكيد الدائم على ضرورة «مشاركة الآخرين للأعباء والأكلاف التي تتحملها أميركا»، سواء ما تعلّق منها بموازنة الحلف الأطلسي، أم بمحاربة الإرهاب ومواجهة «داعش»، وذلك في إطار من «شراكة إقليمية في النواحي الأمنية والاستراتيجيات والتكاليف».

وكان محلّ اتفاق لدى جميع المراقبين، أنّ اختيار ترامب للسعودية وإسرائيل، كأول محطتين في جولته الخارجية الأولى، لا يمثل خطوة لإبعاد نفسه عن سياسة التقارب التي انتهجها سلفه تجاه إيران فحسب، بل بوصفه يشكل أيضاً ترجمة عملية لتوجهاته المعلنة، وخاصة ما يتصل منها بالسعي لتكريس سياسات محدّدة تجاه هاتين الدولتين، من قبيل إحياء وتعزيز التحالف التقليدي التاريخي بينهما وبين الولايات المتحدة، وتدارك «التبعات السلبية» التي خلفها عهد الرئيس السابق باراك أوباما على هذا الصعيد. يضاف إلى ذلك تمتين علاقات واشنطن مع المنظومة الإقليمية عموماً، إذ أنها استهدفت على نحو معلن «تشكيل تحالف أميركي ـ إسلامي، يتخذ من محاربة الإرهاب والتصدي لإيران استراتيجية وأولوية له»!.

وكان عددٌ من المسؤولين الأميركيين، الحاليين والسابقين، قد ألمحوا سابقاً إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى «تحالف إقليمي جيو استراتيجي يشمل دول الخليج ومصر والأردن، وفي مرحلة لاحقة إسرائيل، بعد إبرام اتفاق سلام مفترض معها» لتحقيق أهدافها الإقليمية، من منطلق أن هكذا تحالف ينسجم مع الأولويات الثلاث لإدارة ترامب في المنطقة حالياً.

يذكر هنا أن الاستراتيجية الأميركية ظلّت ثابتة في دعمها لإسرائيل، على تعاقب الإدارات الجمهورية والديمقراطية المختلفة. ولا يغير من الأمر شيئاً التوتر (الشخصي أكثر من السياسي) الذي شاب العلاقات بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو. كما أنّ تحفظ إدارة أوباما وعتبها على برامج الاستيطان الإسرائيلي لم يوقف تلك البرامج، ناهيك عن زيادة الدعم المالي السنوي لإسرائيل في عهد أوباما.

كما أنّ «مبدأ كارتر»، الذي يضمن تأمين منطقة الخليج من العدوان الخارجي، ظلّ طوال العقود الماضية ركيزة أساسية في العلاقات الأميركية ـ الخليجية، بالرغم من التوتر الذي شاب هذه العلاقات في عهد الإدارة السابقة، على خلفية الموقف من «الاتفاق النووي» الذي وقّع بين طهران و«5+1».

الحرب ضد «داعش»

ربما يكون الشعب الأمريكي قد سئم من «الحروب التي لا تنتهي أبداً» في الشرق الأوسط، ومع ذلك، فإن المصالح الحيوية للولايات المتحدة تتطلب، في نظر كثير من المحللين فضلاً عن المسؤولين الأميركيين، استمرار تدخلها العسكري في منطقتنا. فاحتياطيات المنطقة الهائلة من النفط والغاز، وضرورة الحفاظ على أمن الشركاء والحلفاء التقليديين فيها، يعتبران قضيتان أساسيتان من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية، بالنسبة لواشنطن وغيرها من العواصم العالمية في آن معاً. ويضيف هؤلاء أنه منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تعلمت الولايات المتحدة درساً صعباً مفاده أن «ما يحصل في الشرق الأوسط لا يبقى محصوراً فيه»!.

ويعتقد عددٌ من المهتمين والمحللين أن الولايات المتحدة لم تتعامل بفعالية كبيرة مع التحديات الأمنية في المنطقة، خلال حقبة ما بعد هجمات 11 أيلول، وخاصة على مستوى مكافحة الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، سواءً عند تدخلها العسكري هنا أو هناك، أم عند امتناعها عن ذلك، وتفضيلها خيار الانكفاء والابتعاد عن التدخل، أو بالأحرى، «عدم الانخراط في المستنقعات الموحلة والقذرة» لبعض الصراعات المشتعلة.

وعلى ذلك، فقد تصاعد وتنامى الإرهاب في هذه المنطقة منذ ذلك التاريخ، بدلاً من أن يتراجع أو يتم احتواؤه، كما يقول المهتمون والمحللون. وهذا يتطلب، وفق رأيهم، فهماً أفضل لثقافة المنطقة وسياساتها والعوامل التي تتداخل وتتفاعل في صراعاتها، وخصوصاً لجهة «كيفية عمل نظام الدولة غير الويستفالي»، الذي لا يتطابق مع مفهوم «الدولة ـ الأمة»، حيث غالباً ما تتدخل دول الشرق الأوسط في شؤون بعضها البعض، وترى مصلحة حيوية لها في هذا التدخل، وفق أجندة متقلبة وعرضة للتبدّل والتعديل في قائمة الأصدقاء والأعداء الخاصة بكل دولة، تبعاً للكثير من الاعتبارات.

وقد زادت وفاقمت انتفاضات «الربيع العربي» من هذه الميول التدخلّية، فضلاً عن ازدياد عدد الدول الضعيفة والمتعثرة في أعقابها، على نحو سمح للجماعات الإرهابية، على غرار تنظيميْ «الدولة الإسلامية» و «القاعدة»، بالتمركز والتمدّد في مساحات شاسعة لا تخضع لسيطرة الدولة. كما أنه أتاح لدول عربية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، أو غير عربية، مثل تركيا وإيران وروسيا، التدخل في الصراعات والحروب الدائرة في أنحاء المنطقة.

وفي المحصلة، أدى ذلك إلى بروز مجال لـ«صراع إقليمي» يمتد من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى جنوب آسيا، حيث تنتقل فيه الأسلحة والمقاتلون، العرب والأجانب على حدّ سواء، مع خبرتهم وتجاربهم العسكرية، من ساحة إلى أخرى، ومن صراع إلى آخر، ما أفضى غالباً إلى إذكاء الحروب المدمرة وتكثيف حدّتها وتعقيد الجهود الرامية إلى حل هذه الصراعات.

قوات إضافية

وأمام هذا الواقع المعقّد، تعدّدت الاجتهادات والاقتراحات المتداولة في مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية، التي تقدّم استشاراتها ونصائحها لصناع القرار في المؤسسات والوزارات الأميركية.

فمنهم من نصح بإرسال مزيد من القوات الخاصة إلى مناطق النزاع، وتعزيز الضربات الجوية الأميركية على الجماعات الإرهابية أينما وجدت. وهو ما بوشر بتنفيذه فعلاً، حيث أفيد بشكل معلن، أو سرّب بشكل مدروس، قرارات وزارة الدفاع الأميركية القاضية بنشر قوات جديدة في المنطقة، وسط ضربات غير مسبوقة من سلاح الجو الأميركي في غير مكان، مثل اليمن، مستهدفاً فيه تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وكذلك معاقل داعش في سوريا ومناطق أخرى في شمال أفريقيا.

وكانت إدارة أوباما نفسها قد بادرت إلى مراجعة استراتيجيتها في العراق قبل أن تغادر البيت الأبيض، في ضوء اقتناعها أن «قرار الانسحاب من العراق أفضى إلى تسليمه على طبق من فضة للإيرانيين». حيث أعلن وزير الدفاع الأميركي السابق آشتون كارتر عن إرسال 560 جندياً إضافياً ليرتفع عدد الجنود الأميركيين في العراق إلى أكثر من 4600 عنصر. يضاف إليهم الآن نحو 1000 جندي في سوريا.

يقودنا هذا إلى استنتاج أن التغيير الذي اعتمدته إدارة ترامب في الاستراتيجية المتبعة في العراق، ومن ثمّ في سوريا واليمن، قد بنيّ على المعطيات التي كانت قدمتها الإدارة السابقة. والتي تنطلق من الاعتقاد بأنه «لا يمكن احتواء السيطرة الإيرانية على العراق أو على سوريا، من خلال الاعتماد على وكلاء محليين»، وأن الحل لهذه المعضلة يكمن في «تكثيف الوجود الأميركي تحت مسوغ الحرب على الإرهاب».

وهذا يعني تخلي البيت الأبيض «استراتيجية الحرب بالوكالة»، التي كان يعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما لصالح «مشاركة مباشرة أكثر فاعلية»، هدفها، كما يقول المحللون ومراكز الدراسات الأميركية، «محاولة استعادة المبادرة في ملفات صار الدور الأميركي فيها محدوداً»، مثل الملف السوري الذي باتت روسيا تمسك بمختلف مفاتيحه.

 

 

وفي هذا السياق، كان عددٌ من «المعاهد» ومراكز الأبحاث الأميركية قد أعرب عن اعتقاده، مع انقضاء ولاية أوباما وانتخاب ترامب رئيساً، أن واشنطن باتت بحاجة ماسّة إلى «تصويب استراتيجية أوباما التي كانت تقوم على تجنيب الجنود الأميركيين القتال في مناطق الصراع»، غافلة عن، أو غير آبهة بـ«إمكان استفادة دول أخرى من هذا الانسحاب الأميركي»، مثل روسيا وإيران اللتين صار من الصعب على واشنطن تحجيم دورهما في سوريا. 

وفي ضوء ذلك، هناك من يرى أن «الحرب على الإرهاب» ككل، ليست أكثر من يافطة، يمكن استغلالها والاستفادة منها في إطار خطة أعمّ وأشمل لـ«إعادة تثبيت الدور الأميركي في ملفات المنطقة، ومحاولة الحدّ من التمدد الروسي والإيراني فيها».

وإلى ذلك، يعتقد بعض المراقبين أن تكثيف الوجود النوعي لقوات أميركية في المنطقة، يمكن أن يندرج في إطار الخطوات والمقدّمات العملية للتحالف الذي تزمع واشنطن والرياض وبعض العواصم الخليجية الأخرى تشكيله وتحويله إلى ما يشبه «حائط صدّ» الآن، أو «مخلب قطّ» في المستقبل، في مواجهة ما يصفونه بـ«أنشطة إيران التخريبية» في عدد من الدول العربية.

وفي المقابل، هناك من يعرب عن اعتقاده بأن على واشنطن التخلي عن وهم «الحلول السريعة والنهائية» لمشكلة الإرهاب، سواءً المقيم منه في المنطقة، أو ذلك المتنقل والعابر للحدود. بما في ذلك، خفض توقّعاتها إزاء الإنجازات التي قد تحققها التدخلات العسكرية هنا أو هناك، والعمل بدلاً من ذلك على «إدارة» الصراعات الناشبة، في انتظار الاعتماد على شركاء محليين «موثوقين» ضد خصومها، على غرار ما فعلت ضد الاتحاد السوفياتي خلال السبعينيات، وفي أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي.

استهداف المقاومة

ووفق الخطط الأميركية المعلنة، ستصبح إيران وتنظيمات المقاومة، مثل «حزب الله» و«حماس»، هي العدو، جنباً إلى جنب مع المنظمات الإرهابية، كداعش والنصرة، سواءً بالنسبة إلى واشنطن، أم بالنسبة إلى السعودية وباقي الدول العربية والإسلامية التي ستتحالف مع الولايات المتحدة لإنجاز أهداف الإدارة الجديدة في المنطقة!.

وتأمل إدارة ترامب أن يتطور هذا الأمر إلى شكل من أشكال التحالف، أو أقلّه التطبيع، بين الدول العربية وإسرائيل تحت يافطة «الحل الإقليمي» للاستعصاء المتصل بالقضية الفلسطينية. وإذا قيض لهذا الأمر أن يمضي قدماً، فإنه سيضمن لواشنطن تحقيق أحد أهم أهدافها الاستراتيجية، وهو ضمان أمن إسرائيل وحماية وجودها على نحو نهائي لا رجعة فيه. حيث ستتحول إسرائيل إلى ركن أساسي من أركان التحالف المنشود، سواء تمّ ذلك على نحو معلن أو مضمر، وهو ما يعني في المحصلة، انهاء وتصفية القضية الفلسطينية بمختلف تفرعاتها، وإعادة هيكلة الخارطة السياسية في المنطقة على محو مختلف وجديد.

مكاسب مالية وسياسية

وعلاوة على ذلك، ثمة هدف إضافي وآني من الخطة الأميركية المطروحة في المنطقة، وهو هدف اقتصادي ومالي محض، يشكل «ترجمة عملية» لما كان يقوله ترامب للخليجيين وغيرهم في حملته الانتخابية: «يجب أن تدفعوا كلفة حمايتنا لكم». و«لا حماية مجانية تقدمها أميركا لأحد». فالرئيس ترامب ـ رجل الأعمال والصفقات يريد تحقيق كسب مالي مباشر من وراء «استراتيجيته الجديدة» (التي يسوّقها في المنطقة تحت يافطة «مواجهة التهديدات الإيرانية»!)، وذلك على أمل المساهمة في «إنعاش الاقتصاد الأميركي الذي يشكو من مصاعب شتى».

ولعلّ هذا ما يفسر حجم الصفقات الهائلة التي أبرمتها واشنطن مع دول خليجية عدة، في مقدّمها السعودية، والتي وصلت إلى نحو 380 مليار دولار، بينها 110 مليارات قيمة عقود عسكرية، يمكن أن تساعد في «خلق عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة في قطاع الصناعة العسكرية الأميركية».

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن تنفيذ تلك الصفقات الكبيرة، سيقود بدوره إلى «تخفيف الثقل الملقى على عاتق القوات الأميركية في عمليات مكافحة الإرهاب، واضطلاع الشركاء الخليجيين بقسطهم من المسؤولية أيضاً، وخصوصاً لجهة تأمين السلاح (المدفوع ثمنه)، والعنصر البشري على الأرض، وهو أمر في غاية الأهمية والحساسية بالنسبة للأميركيين.

ومع ذلك كله، فإنّ السؤال الحائر الذي لا يلقى إجابة شافية بعد هو؛ ما حجم وحدود الانخراط العسكري الذي ستقرّره إدارة ترامب في المنطقة؟. وهل سيجعل هذا الانخراط المباشر من واشنطن منافساً لانخراط روسيا في سوريا، أم مكملاً له قبل التوصل إلى الاتفاق النهائي بين الدولتين؟. أم أن واشنطن ستكتفي بـ«استراتيجية أوباما» ذاتها، ولكن مع بعض التحسينات والتعديلات، وخصوصاً لجهة علاقتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة؟!.

 

 

استراتيجية ترامب «الإيرانية».. تقييد الاتفاق النووي وتشديد العقوبات!

@ يرى أغلب أركان إدارة ترامب أن إيران «مسؤولة عن إجهاض المشروع الأميركي في العراق، ولعبت دور المخرّب الأول للمصالح الأميركية في المنطقة»

يغلب على مراكز صنع القرار لدى الإدارة الأميركية الجديدة، موقفٌ سلبي من إيران وسياساتها القائمة في المنطقة. ويؤكد هذا التوجه أكثر من مؤسسة ومركز أبحاث استراتيجية واستخباراتية، من مختلف التوجهات، وذلك عبر نشر تقارير وتحليلات تحثّ على عدم التهاون في التعامل مع ما يسموّنه بـ«التهديدات الإيرانية المستمرة»!.

ويرى أغلب أركان إدارة ترامب أن طهران مسؤولة عن «إجهاض المشروع الأميركي في العراق»، بعد غزوه في العام 2003. بل ويعتبر هؤلاء أن «إيران لعبت دوماً دور المخرّب الأول والأخير للمصالح الأميركية في المنطقة، وبالذات في العراق»، مشيرين على وجه الخصوص إلى دورها في «إضرام النار ثم عرض دور الإطفائي»، أو ما يسمونه بـ «الإطفائي المريض بمرض إضرام النار»!.

ويحذر «معهد واشنطن» لسياسات الشرق الأدنى، مما أسماه ٍ«ثبات الإنفاقات العسكرية» في إيران، وإعلانها عن تصنيع عدد من الصواريخ والدبابات الحديثة المتطورة، المنسوخة عن طرازات معدّلة ومحسنّة من نماذج روسية مشابهة.

ويشدّد بعض المعلقين في صحف أميركية بارزة على ضرورة أن تعمل واشنطن على «قصقصة أجنحة إيران وجيشها من الأذرع العسكرية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط»، مشيرين إلى ضرورة أن تكون «حقوق الإنسان من أولويات السياسة الأميركية تجاه إيران».

ويقول البعض منهم: «إذا كانت واشنطن جادة في القيام بدورها تجاه طهران، كما كان دورها تجاه الاتحاد السوفييتي، فإنه يتعين عليها السعي لإضعاف النظام الإيراني عن طريق الضغط عليه على جميع الجبهات وفرض نظام عقوبات قاس».

ويذهب جيمس جيفري، سفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا والعراق، في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، إلى أن «الآفة الإرهابية المتمثلة بتنظيم الدولة الإسلامية، ليست الأولوية الوحيدة، أو حتى الأكثر خطورة في المنطقة». زاعماً أن ما يصفه بـ«أنشطة إيران التوسعية، التي تتم، بشراكة مع روسيا في بعض الأحيان» تطرح، على الأقل، تهديداً أمنياً موازياً للمنطقة وللمصالح الرئيسية للولايات المتحدة فيها. وهي: استقرار شركائها الإقليميين، وتدفق النفط والغاز إلى الاقتصاد العالمي، ومنع انتشار الأسلحة النووية، ومكافحة الإرهاب.

ويضيف بأن هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، «هدف نبيل بحدّ ذاته، ولكنه يجب أن يتم بطريقة تعزّز استقرار المنطقة والمصالح الأمريكية». بمعنى أنه يتعيّن على واشنطن اختيار استراتيجيتها السياسية- العسكرية لهزيمة التنظيم ليس فقط من وجهة نظر عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً، بهدف وضع سيناريو «اليوم التالي الذي يُبقي الولايات المتحدة في المنطقة، ويزيح الطموحات الإيرانية جانباً».

ويخلص جيفري إلى القول إن القرارات التي ستتخذها الولايات المتحدة وغيرها خلال العام المقبل «سترسم معالم المنطقة على مدى عقود». (المصدر: معهد واشنطن: 11/2/2017.)

استراتيجية «ردع» إيران

وفي ضوء «التحدي الذي تشكله إيران للولايات المتحدة»، فإن الأخيرة تحتاج إلى «استراتيجية تصدي شاملة ومتكاملة ومستدامة»، حسب وصف مارتن انديك، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد بروكنغز وسفير سابق للولايات المتحدة الأميركية لدى إسرائيل، خلال شهادته التي أدلى بها في 28/3/2017، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي أيضاً.

ويعتبر انديك أنه على مدى العقود الأربعة الماضية، تمكنت طهران من إنشاء «قوس نفوذ يمتد من لبنان وسوريا في بلاد الشام مروراً بالعراق والبحرين على الخليج، وصولاً إلى اليمن على البحر الأحمر». وعلى ذلك ترتكز «استراتيجية الردع» التي يقترحها المسؤول الأميركي السابق على ست نقاط رئيسية، وجدنا من الأهمية بمكان تكثيفها ونقلها إلى القارئ لما تنطوي عليه من أهمية ومعقولية، مرجّحين أن تأخذ إدارة ترامب بالعديد منها:

1- تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني بصرامة. من منطلق أنه مادام الإيرانيون يلتزمون التزاماً دقيقاً بالاتفاق النووي الموقع، سيكون بإمكان الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون كسب المزيد من الوقت الضروري لتطوير العناصر الأخرى لاستراتيجية التصدي وتنفيذها.

2- تقديم الدعم للحكومة العراقية التي يرأسها حيدر العبادي والقوات المسلحة العراقية في الحملة للقضاء على داعش واستعادة السيطرة على الموصل والمناطق السنية في العراق. على أمل أن يساهم هذا في تحقيق «توازن مضاد فعّال للتأثير الإيراني في بغداد»، ويمنع «تشكيل جسر بري يربط بين إيران وسوريا عبر شمال العراق»، مقراً ومعترفاً، في الوقت نفسه، بأن «تقويض النفوذ الإيراني في العراق ليس هدفاً قابلاً للتحقيق»، نظراً للعلاقات التاريخية والدينية بين أغلبية الشعبين، العراقي والإيراني.

3- التشجيع على التوصل إلى «حل سياسي» للحرب الأهلية في اليمن. وهذا يتطلب في نظر انديك؛ «تكثيف الدعم العسكري للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في حملتهما العسكرية التي بدأت منذ عامين في اليمن». على أن يكون الدعم الأميركي مشروطاً بالسعي إلى حل سياسي.

4- الحد من التأثير الإيراني في سوريا سيشكّل مهمّة صعبة ومعقدة، وتنفيذه لن يكون أسهل من الحديث عن «الهدف غير الواقعي المتمثل في إخراج إيران من سوريا». ويقول انديك بالحرف: «لا بد أن ندرك أننا لا نملك، لا نحن ولا الروس، الإرادة أو القدرة على تحقيق هذا الهدف في ظل الظروف الحالية بغض النظر عن رغبتنا في ذلك». وبدلاً من ذلك، يطالب انديك الإدارة الأميركية ببذل كل ما بوسعها لتعزيز «حل سياسي للحرب الأهلية السورية»، على أن يشكّل «رحيل كافة القوات الأجنبية أحد شروط هذا الحلّ».

5- تنسيق قدرات الولايات المتحدة مع حلفائها الإقليميين في إطار «عمل أمني إقليمي مشترك، بغرض مقاومة الطموحات الإيرانية المُهدّدة».

6- وضع الأسس الضرورية للتفاوض مع إيران بشأن طموحها للهيمنة الإقليمية في المنطقة. معتبراً أنّ «المفاوضات لا تعدّ تنازلاً ولا تدلّ على ضعف، طالما أنها مدعومة بعقوبات والعناصر الأخرى من الاستراتيجية، وطالما أنها منسقة تماما مع حلفاء واشنطن الإقليميين».

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يتعيّن على واشنطن، حسب انديك، أن تكون حذرة بشأن إطلاق تهديدات، أو الإعلان عن أهداف ليس لها مصلحة فيها، أو ليست مستعدة لها، أو لا تملك الإرادة لتحقيقها. والأهم من ذلك، يضيف انديك، أنه «لا بد من الأخذ في الاعتبار العواقب المنطقية للاستراتيجية الموضوعة، والتفكير ملياً فيها قبل المضي في طريق يمكن أن تكون لها آثار معاكسة لما توخينا تحقيقه»؟!.