لم تعد سياسة الإدارة الأميركية، بما خص القضية الفلسطينية، وما اعترف على تسميته بالصراع العربي- الاسرائيلي، تتسم بالغموض الذي من شأنه أن يدخلنا في دهاليز الاحتمالات والتقديرات، والسيناريوهات. فلقد أمست هذه السياسة واضحة بما فهي الكفاية، بحيث يمكن لأي مراقب أن يتخذ منها موقفاً هو الآخر، فيه من الوضوح، ما يكفي لتفكيك هذه السياسة وكشف أهدافها.

تطرح هذه السياسة حل قضية الصراع في المنطقة، على مسارين متوازيين. الأول هو الحل الاقليمي، العربي – الاسرائيلي، للصراع، والثاني هو الحل الفلسطيني الاسرائيلي الثنائي في اطار مفاوضات مباشرة.

وتستند هذه السياسة إلى ما جاء في بيان الرياض من إدعاء أن إسرائيل لم تعد تشكل الخطر المباشر على المنطقة وعلى المصالح العربية. وأن هذا الخطر باتت تمثله المنظمات الارهابية كداعش والنصرة، وأضيف لها بقرار أميركي حزب الله والمقاومة الفلسطينية. واعتبرت إيران هي الحاضن للإرهاب والداعمة له، وبالتالي باتت المصلحة العربية-الاسرائيلية في مواجهة الارهاب، وحاضنته مصلحة مشتركة، الأمر الذي يتطلب قيام حلف إقليمي تكون إسرائيل في عداده، علناً، أو من خلف الأبواب، ويكون الارهاب وحاضنته إيران هو الهدف المباشر لهذا الحلف.

ولأجل قيام هذا الحلف لا بد من معالجة القضايا المعطلة والمعيقة له، منها «الخلافات» العربية- الاسرائيلية. وترى هذه السياسة في مبادرة السلام العربية (بيروت 2002) أساساً صالحاً لمعالجة هذه القضية. فالعرب في قمتهم الشهيرة في بيروت، وبناء على اقتراح سعودي، وافقوا على مبدأ تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية، مقابل انسحاب اسرائيل من الأرض الفلسطينية والعربية المحتلة، وقيام دولة فلسطينية، وحل «عادل ومتفق عليه» لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

إسرائيل رحبت بالمبادرة العربية، واعتبرتها خطوة إيجابية تؤسس لسلام عربي اسرائيلي. واقترحت، في اطار الالتفاف على المبادرة، وعلى الآليات لتطبيقها كما وضعتها القمة العربية، عقد لقاءات عربية- إسرائيلية، يمكن أن يكون مقر جامعة الدول العربية مسرحها، لشرح أهداف المبادرة والاستماع للآراء والاقتراحات الاسرائيلية، في خطوة أرادت منها إسرائيل أن تدخل العرب في مشروع تطبيع العلاقات مع اسرائيل، قبل الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.

بقيت هذه القضية معلقة، إلى أن جاءت إدارة ترامب، لتعيد صياغة المعادلات في المنطقة: لم يعد الخطر يتمثل في الصراع العربي الاسرائيلي بل بالإرهاب، وبحاضنته الرئيسية إيران. إذن مطلوب إزالة كل العراقيل التي تعطل إمكانية قيام حلف إقليمي للتصدي للإرهاب وإيران معاً.

المبادرة الأميركية تدعو إلى حل إقليمي للصراع، يقود إلى قيام حلف إقليمي ضد إيران. والحل الاقليمي يستند إلى الموقفين العربي والاسرائيلي:

• مفاوضات فلسطينية-اسرائيلية مباشرة بموازاتها عمليات تطبيع للعلاقات العربية- الاسرائيلية. وبذلك، ووفقاً للرأي الأميركي، كلما تقدمت عملية التطبيع العربي مع اسرائيل، كلما توفرت فرص أفضل لمناخ أكثر إيجابية لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وكلما تقدمت مسيرة الحل على المسار الفلسطيني، كلما توفرت أجواء أفضل لخطوات أكثر تقدماً في تطبيع العلاقات العربية – الاسرائيلية.

واضح بما فيه الكفاية أن المبادرة الأميركية تشكل التفافاً على الموقف العربي، وانحيازاً للموقف الاسرائيلي. خاصة وأن المبادرة لا تشترط تقدماً على مسار ما، ليتحقق تقدم مماثل على المسار الآخر، بل تفترض أن من شأن المسارين، أن يدعم كل منهما الآخر، عفوياً، دون تحضير أو تخطيط مسبق. وفي ظل تعقيدات القضية الفلسطينية وتعنت الجانب الإسرائيلي، وتصلبه، ورفضه الإعتراف بمتطلبات حل يكفل للشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه الوطنية المشروعة، في إطار برنامجه الوطني المرحلي، فالتقديرات والتوقعات، تؤكد مسبقاً أن عملية التطبيع سوف تسير بالسرعة القصوى، خاصة في ظل إحتدام الصراع ضد إيران، بإعتبارها العدو البديل للدول العربية، وأن عجلة التسوية مع الفلسطينيين سوف يصيبها الشلل، كما أصابها شلل، بات عمره أكثر من ربع قرن.

المعطيات المتوفرة تؤكد أن السياسة الأميركية على الخطين، بدأت تشق طريقها. فعلى الصعيد العربي أي في العلاقة مع العربية السعودية فقد أكدت الدوائر السياسية فيها ترحيبها بالسياسة الأميركية، خاصة وأنها تتبنى موقف الرياض من الصراع مع إيران. لكن الرياض، مع ذلك مع ذلك طلبت إلى الإدارة الأميركية التمهيد لعمليات التطبيع مع إسرائيل، بخطوات معينة على المسار الفلسطيني، توحي وكأن هذا المسار إنطلق نحو أهدافه، وكأن التسوية باتت في متناول اليد.

الإدارة الأميركية، وقد «تفهمت» خلفيات موقف الرياض، إستدارت نحو الملف الفلسطيني لتحريكه في التمهيد لتحريك الملف الإسرائيلي العربي. لكن اللافت للنظر في هذا المجال، أن التمهيد للمسار الفلسطيني، ألقيت مسؤولياته كاملة على عاتق الجانب الفلسطيني وحده، الذي طلب إليه العمل بالشروط التسعة التي حملها غرينبلات إلى الرئيس عباس. وفي هذا السياق تم تشكيل فريق عمل من الطرفين الأميركي والفلسطيني [خمسة من كل جانب] لوضع شروط غرنبيلات موضع التنفيذ، تمهيداً لإطلاق مفاوضات ثنائية في ظل مؤتمر إقليمي تدعو له الولايات المتحدة، تحضره أطراف عربية، وإسرائيل، والفلسطينيون، والدول المسماة كبرى.

أهداف المؤتمر الإقليمي أن يشكل غطاء للتطبيع العربي ـــــــ الإسرائيلي، وأن يشكل غطاء لمفاوضات فلسطينية – إسرائيلية، بشروط أكثر هبوطاً من سابقتها، وأن يشكل في الوقت نفسه بديلاً للمؤتمر الدولي، وأن يقطع الطريق على قرارات الشرعية الدولية، وأن يعتمد المبدأ القائل أن ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين هو التطبيق العملي للشرعية الدولية.

يبقى السؤال: إلى أي مدى تستطيع القيادة الرسمية الفلسطينية أن تذهب في تنازلاتها وفقاً لشروط غرينبيلات، وأن تنساق وراء السياسة الأميركية؟

وإلى أي مدى ستنصاع اسرائيل لتوفير الأجواء المناسبة للإيحاء بنجاح المفاوضات في ظل تركيبة حكومية اسرائيلية تشكل ائتلافاً لأقصى اليمين فيها؟

وإلى اي مدى تستطيع الدول العربية المرشحة للدخول في الحل الاقليمي[الحلف الاقليمي] أن تذهب في تطبيع علاقاتها مع اسرائيل في ظل احتدام الصراع في المناطق المحتلة؟

هذه الأسئلة وغيرها ستبقى مطروحة على بساط البحث، مع الادراك المسبق أن الحياة لا تعرف السكون، وأن الوقائع الميدانية واليومية، في تعقيداتها، تختلف عما تكون عليه حين ترسم على الورق. دون أن نتجاهل في الوقت نفسه عناصر التعقيد والتعطيل والمعارضة. إن على مستوى القوى السياسية أو على المستوى الشعبي العام.