«وداعاً كتبي.. وداعاً يا دار الحكمة، يا معبد الفلاسفة، يا معهد العلم، وأكاديمية الأدب.. كم  سهرت معكم، أقرأ وأكتب، في هدأة الليل، والناس نيام.. وداعاً يا كتبي.. لا أعلم ما جرى لكم بعد أن افترقنا: هل نهبتم؟.. هل حرقتم؟.. هل نقلتم بكل احترام إلى مكتبة عامة أو خاصة؟.. هل أخذتكم الأيام إلى البقالين، وأصبحت صفحاتكم تلف البصل؟»..

 

 

بهذه العبارات للمربي والكاتب والباحث الفلسطيني خليل السكاكيني، قررت الانطلاق إلى دراسة حول سرقة العصابات الصهيونية، ثم ما عرف بعدها بـ «دولة إسرائيل» للمكتبات العامّة والخاصّة الفلسطينية بعد موجات التهجير القسرية في العام 1948.  

وأبدأ بشهادة الكاتبة غادة الكرمي حول سرقة الكتب من منزل السكاكيني في الجانب الغربي من  القدس، أو ما اصطلح على تسميته «القدس الغربية»، واحتل في العام 1948.. وقالت ابنة الحي ذاته: «بيت خليل السكاكيني يتحوّل إلى مؤسسة إسرائيلية، هو الذي كتب يوميات رائعة تعود إلى  فترة قصيرة بعد وعد بلفور العام 1917، وهو وغيره ساهموا في نهضة ثقافية في فلسطين طفت ملامحها على السطح منذ عشرينيات القرن الماضي».

 

 

وتابعت بسرد حكايتها الشخصية ومكتبة والدها: «بعد العام 1946، وحين فجر الإرهابيون اليهود  فندق الملك داود، استهدفت منطقتنا، نحن في القطمون، والطالبية، والبقعة، وغيرها.. وعندما دخلنا العام 1948، اشتد شعورنا بالخوف». 

 

 

وتذكرت خلال مشاركتها في الفيلم الوثائقي «السرقة الكبرى للكتب» للمخرج بيني برونر، ومع دخولها لمنزلها الذي هجرت منه وأسرتها: «عشت في هذا المنزل حتى سن الثامنة، حين أجبرنا على الرحيل في العام 1948.. »، كانت تفضل دخول المنزل، والقيام بجولة فيه من الداخل، لكن مالكه الإسرائيلي الحالي، إن جازت تسميته مالكاً، لم يعطها الإذن بذلك. 

وقالت: «كان والدي جامعاً للكتب من فرط حبّه لها، وكان قد بدأ بتأليف معجم إنكليزي عربي.. قد يبدو الأمر عادياً اليوم، لكنه لم يكن عادياً في ذلك الوقت، فقلة قليلة هم من كانوا ينكبّون على تأليف المعجمات، فكل من حاول أن يفعل شيئاً من هذا كان عليه أن يدرك حجم الجهد الكبير الذي سيبذله لتحقيق إنجازه.. كان قد قطع شوطاً في تأليف ذلك المعجم، ويعلم الله ماذا كان سيعنيه ذلك بالنسبة له، حين تركناه في العام 1948.. ترك كتبه، وترك المعجم الذي لم يكمله، كما تركنا كل شيء».

وبالعودة إلى السكاكيني، قال الروائي الفلسطيني علاء حليحل: «السكاكيني رائد الحداثة دون  منازع في التاريخ الفلسطيني، ففي القاهرة وبيروت ودمشق رأى كيف يعلمون الأطفال، وعندما عاد إلى فلسطين أنشأ المدرسة الدستورية، ليس فيها صفوف ولا امتحانات، بل تشجع التفاعل بين الطلاب والمعلمين، وكان يريد من تلاميذه أن يكونوا فضوليين، وكان هذا في العام 1904 إنجازاً غير مسبوق».

ويشار بالذكر إلى أن من أبرز مالكي الكتب أفراداً ومؤسسات: محمد إسعاف النشاشيبي، وخليل السكاكيني، وهنري قطان، وحنا عطا الله، وعارف حكمت النشاشيبي، وفرنسيس خياط، وهاكوب مليكيال، وإميل صلاح، ويعقوب فرج، وفواز أبو رحمة، ويوسف هيكل، ومحمد الطيب الدجاني، وغيرهم، علاوة على المدرسة العمرية، وحي محطة المطار، ومؤسسات وأحياء أخرى.

شهادات أخرى

 

 

وقال الصحافي والمؤلف الفلسطيني ناصر النشاشيبي: «معظم الأثاث سرق، وبينه كتبي الخاصّة، ولكن هذا لا يعد شيئاً بالمقارنة مع كنز الأدب الذي سرق من منزل عمي محمد إسعاف النشاشيبي، حيث المخطوطات النادرة، ونسخ المصحف»، ويتساءل: ماذا حدث لكتبه؟.. ماذا حدث لمكتبته الخاصّة؟.. أين هي ومن أخذها؟  

 

 

وأضاف: «مما سرق قطع نادرة من الشعر، ونسخة من القرآن الكريم كتبت بخط اليد، ومزخرفة بالذهب.. أعتقد أن من ذكر ذلك لي أستاذ في الجامعة العبرية.. قال لي إنه يعرفني وأسرتي، وإن لديه بعض كتبي، وهو ما أثار استهجاني، فأشار إلى أنها بعض كتبي التي نهبت من بيتي، وجيء بها إلى الجامعة العبرية.. رأيت بعضها، وكان أحدها عليه إهداء إلى «الأديب العالم ناصر النشاشيبي»، كان كتاب «المكرميّات» وهو عبارة عن مجموعة من خطب وبيانات  ومقالات لمكرم عبيد باشا، ومؤلفه أحمد كاظم جودة، وكان من بين الكتب التي افتقدتها لأنني أحب الكتاب حقاً.. هناك ما يزيد على المائة مثل هذه الكتب لي ولغيري.. كتب موجودة في مكتبة الجامعة العبرية، والمكتبة الوطنية».   

وقال الكاتب محمد بطراوي في شهادة له: «في التاسع والعشرين من تشرين الأول 1948، حين جاء ضابط في جيش الاحتلال، وقال إنه الحاكم العسكري لأسدود.. حينما أتوا طلبوا من الناس أن يخرجوا من منازلهم.. تجمعنا في السوق، ثم عزلوا النساء والأطفال، قبل طردهم إلى المجدل وعسقلان وغزة، ووضعوا الشباب في مكان آخر، قبل أن ينقلونا إلى صرفند.. كنت مع مجموعة من الأسرى تسمّى المجموعة 37، وكان رقمي 6704.. كنا نذهب إلى البيوت العربية، ونأخذ بعض الأشياء منها».

 

 

وأضاف: «أخذونا إلى الرملة لعدة أيام، نعمل من بيت لبيت، ونأخذ ما شئنا من البيوت، وعندما تأتي سيارة نضع ما جمعناه من الأثاث، ونحن أسرى، فيها.. لا يهتمون لكيفية وضعنا إياها، ولهذا كنت أعتقد أنهم كانوا يريدون التخلّص منها، وليس لأخذها إلى مكان آخر.. بعض تلك الأشياء كانت الكتب».  

وتابع بطراوي: «كانوا يجبروننا على حمل الكتب التي جمعناها من منازل الفلسطينيين المهجرين إلى شاحنة صغيرة، وينتقلون بنا من بيت لبيت، في هذا نجد العشرات، وفي ذاك مائة كتاب، وفي بعض المنازل كتابين أو ثلاثة.. كنا نجبر على وضعها في كومات، وتأتي شاحنة صغيرة وتأخذها إلى مكان نجهله بطبيعة الحال».

جريمة

 

 

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أشار بدوره إلى أن ما بين 70 إلى 75% من الفلسطينيين قبل النكبة، كانوا أغنياء بالمفهوم المادي، ولم يبق شيء لهم من ممتلكاتهم.. الحقيقة أن الإسرائيليين أخذوا كل شيء، لافتاً إلى أن «سرقة الممتلكات الروحية ومصادرتها في رأيي، لا تختلف عن سرقة الأرض والموارد الطبيعية وكل شيء، باستثناء شيء واحد ألا وهو الشعب نفسه».   

وأضاف: «لا يهمني إن كانت الكتب محفوظة بشكل جيد أم لا، أم أنها مصنفة بشكل جميل، أو حتى إذا أسهمت في ثروة المعلومات.. ما حدث كان لدحر الرواية الفلسطينية، وكان ذلك جزءاً من النشاط المعرفي للمستشرقين الذي شيطن العرب، وشيطن الإسلام، وألقى بالفلسطينيين في عالم النسيان تماماً، وحاول محوهم من التاريخ.. ما حدث لا شك أنه جريمة».

 

 

عملية نهب متواصلة  

 

 

وقال الباحث الإسرائيلي غيش عاميت، مؤلف كتاب «بطاقة ملكية»: «عملية جمع الكتب وصلت إلى حي المصرارة.. وجدت وثائق كثيرة بشأن هذه العملية، ولم أدرك أنني عثرت على شيء مهم إلا بعد قراءتي لمقال للمؤرخ توم سغيف (مؤرخ إسرائيلي)، يذكر فيه أحد أعضاء مجلس الوزراء عملية النهب المتواصلة التي يقوم بها المدنيون، وفي مقابل ذلك فريق من المكتبة الوطنية الإسرائيلية يقتفي أثر الجنود، ويجمع الكتب من المنازل المهجورة».  

وأضاف: «بينما كانت أيام الحرب تسير، أدرك الجنود (يعني ميليشيات العصابات الصهوينية)، وموظفو المكتبات أن المنازل المهجورة كانت لا تحتوي على الأثاث، والأدوات الموسيقية، وأنابيب المياه والسجاد فحسب، إنما على الكتب أيضاً، وهناك وثيقة تتحدث عن جمع الكتب من أحياء مهجورة في القدس قامت بها المكتبة الوطنية في الفترة ما بين أيار 1948 إلى آذار 1949».

 

 

وفصّل: «مسؤول عن جمع الكتب كتب تقريراً يقول فيه: كان الجنود هم أول من اكتشف الكتب، وسرعان ما ظهرت شبكة مخابرات في الوقت ذاته تربط الجنود بالمكتبة، وسرعان ما تكدست الطوابق.. نحن في المكتبة الوطنية لم نتمكن من إنقاذ جميع الكتب في الوقت المناسب، ومن يدري كم فقد من الكتب خلال عمليات انتقال ملكيتها غير الشرعية.. من الصعب تخمين كمية أو نوعية الكتب التي انتقلت من مالك لآخر بهذه الطريقة غير الشرعية».  

 

 

وأشار عاميت إلى أنه «ما بين نيسان 1948 وشباط 1949، جمع موظفون في المكتبة الوطنية ثلاثين ألف كتاب من المنازل الفلسطينية المهجرة في القدس الشرقية.. كانت العملية مشتركة ما بين الجامعة العبرية والجيش (جيش الاحتلال)، كل أرقامها في الفهرس تبدأ بالحرفين (أ.م)، أي (أملاك مهجورة)، وتم تصويرها للمرة الأولى خلال بحث أولي في العام 2007، وكان عددها 5787 كتاباً»، لافتاً إلى أنه «بعد ستين عاماً لا تزال الكتب تحمل الرمز ذاته، ولا تزال تحت الوصاية، ولا أحد يوحي بأنها ستعاد».