ما نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية مؤخراً عن محددات رؤية إدارة أوباما بشأن التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي يؤكد أن ما سمي بتفاهمات كيري مع تل أبيب هي الأساس في تشكيل تلك الرؤية.

وتبين أن واشنطن في تلك التفاهمات تبنت ثلاثة شروط إسرائيلية أساسية تشدد على الابتعاد عن بحث قضية القدس وعدم الإشارة إليها كعاصمة محتملة للدولة الفلسطينية، وتجاوز خطوط الرابع من حزيران 1967 لصالح تبادل غير متكافئ للأراضي، والشرط الثالث هو تسييد الاعتبارات الإسرائيلية عند الحديث عن شكل الكيانية الفلسطينية الوليد عن أية مفاوضات قادمة.

قبل ذلك، كانت حكومة نتنياهو قد حسمت مع إدارة أوباما موضوعة الاستيطان وأخرجتها من دائرة التفاوض الثنائي؛ هذا إلى جانب تطابق الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية حول شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها.

ومع تصاعد الحديث من اهتمام إدارة ترامب بتصورات الإدارة السابقة، يتضح أن الدور الأميركي في التسوية يحافظ على مساره المعهود، وأن أية تبدلات هي انعكاس الضعف الفلسطيني والعربي المتفاقم.

يمتلك بنيامين نتنياهو رؤيته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي غير مرتبطة تماماً بما يتم طرحه من مبادرات أو أفكار أوروبية وأميركية تجاه التسوية؛ خاصة تلك التي تتقدمها عبارات من نمط «إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967» أو «قيام دولة فلسطينية مستقلة». وحيال ذلك، تتطابق مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ انطلاق عملية التسوية قبل نحو ربع قرن.

من هذه الزاوية، قرأ أريئيل شارون خطة «خارطة الطريق» وواجهها بـ14 شرطاً أخرجت منها العناوين التي تستفز تل أبيب وتشد المفاوض الفلسطيني إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية أيضاً تعاملت حكومة أولمرت مع الأفكار الأميركية لبلورة «اتفاق رف» في العام 2008 بعيد مؤتمر أنابوليس الذي عقد خريف العام الذي سبقه، في حين نجح نتنياهو في إبعاد عملية التفاوض في محطتي 2010 و2014 عن أي نقاش جدي تجاه  القضايا الأساسية في الصراع.

رؤية نتنياهو تتضح من خلال خطة «السلام الاقتصادي»، وفيها يعيد مطلب الاستقلال الفلسطيني إلى مربع المطالب الاقتصادية والإدارية للفلسطينيين في الضفة باعتبارهم سكاناً فيها، وليسوا أصحابها. وهذه الرؤية تتناقض تماماً مع كثير من العناوين المطروحة في التسوية مثل الحدود، العاصمة، الاستيطان. لذلك، وحتى خلال الفترة الاتنقالية حسب اتفاق أوسلو، أوقف نتنياهو نبضات تسليم مناطق للسلطة الفلسطينية خلال ولايته الحكومية الأولى (1996 ـ 1999)، لأن «تسليم السكان» كان قد انتهى برأيه، وأن سكان القدس الفلسطينيين ليسوا معنيين في هذا التسليم لأن ذلك يعني حكماً تسليم القدس الشرقية للسلطة وهذا يتنافى مع الرؤية الإسرائيلية العامة للتسوية، ورؤية نتنياهو على وجه الخصوص.

لقد فاز نتنياهو بعد ذلك بثلاث ولايات حكومية متعاقبة منذ العام 2009، وهي فترة شهدت مؤشرين متعاكسين. فعلى الصعيد الفلسطيني تفاقم الانقسام وتراكمت الأزمة الفلسطينية، فيما كانت حكومات نتنياهو منهمكة في تطبيق السياسة التوسعية وتقرير مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقاً لهذه السياسة. ووفقاً لها أيضاً، أدار دفة خلافاته وتجاذباته مع إدارة أوباما حول الاستيطان إلى أن تآكل موقفها وصمتت عن نقاش الموضوع مرة أخرى.

مع مجيء إدارة ترامب، ارتفع منسوب التفاؤل لدى حكومة نتنياهو ووجدت في الرئيس الجديد نقلة نوعية لصالح إسرائيل تجاه القضايا الأساسية في الصراع؛ وخاصة بعد أن تم الإعلان عن عزمها طرح خطة جديدة يتم من خلالها نقاش كل قضية من هذه القضايا على حد بغرض الوصول إلى حل «مستقل» لها، لكن الرهان الأساسي الذي عقد نتنياهو هو قيام  ترامب بتبني خطة نتنياهو للسلام على ضوء إعلانه نعي «حل الدولتين».

مع مرور الوقت، على مقره، بدأت إدارة ترامب تكتشف أن عملية التسوية معقدة جداً، وأنها مضطرة للالتفات جدياً بما قامت به الإدارات الأميركية السابقة وساهمت به تجاه هذه العملية، وقد أدركت أيضاً أنها لن تستطيع إضافة شيء مختلف يحظى باهتمام الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بشكل مشترك.

لذلك، تصاعد الحديث عن اهتمام إدارة ترامب بالخطط والأفكار التي تقدمت بها الإدارة السابقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً على جبهة التسوية، وهذا ما يفسر توقف إدارة ترامب عن إطلاق بالونات اختبار تجاه الجانبين بعدما تأكدت أن عملية التسوية لا تحتاج حتى تقلع إلى اكتشاف مواقف عند أي طرف. كل ما هنالك، بحسب إدارة أوباما، أن الأفكار المطروحة قابلة للنقاش وأنه عند كل استعصاء يمكن الضغط على الطرف الأضعف لتقريب وجهات النظر.

اللافت أن إدارة ترامب تحاول الجمع ما بين الأفكار الأميركية السابقة حول التسوية وخطة نتنياهو للسلام الاقتصادي، وقد لوحظ تصاعد الحديث عن العمق الاقتصادي المفترض للسلام الإقليمي الذي تحدثت عنه الإدارة الأميركية الجديدة تحت عنوان «صفقة ترامب»؛ وهي كما هو واضح إطار سياسي ـ اقتصادي ـ أمني لتطبيع العلاقات العربية الرسمية مع الاحتلال بغض النظر عن مآلات التسوية حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ وهي مسألة تؤكد عليها إدارة ترامب في سياق جهدها لعقد قمة في واشنطن لتحقيق هذا الغرض، امتداداً للجهود التي بذلتها سابقاً إدارة أوباما على هذا الصعيد.

الملاحظ في السياق، أن المفاوض الفلسطيني يجلس منتظراً إشارة البدء في إطلاق المفاوضات مجدداً. وإذا كان راهن في الفترة القليلة الماضية على «جديد» ما تقدمه إدارة ترامب، فإن «إحياء» الوثائق والأفكار القديمة التي لم يتمكن هذا المفاوض من تبنيها، تؤكد مجدداً أنه يجلس على مقعد الانتظار تبديداً للوقت ليس إلا. فالحلول المطروحة حول قضايا اللاجئين والقدس والحدود يهودية دولة إسرائيل وإطلاق العنان للمؤسسة الصهيونية كي تزيد من العنصرية في وجه فلسطينيي الـ48، تبين بوضوح أن لا وجود لـ«صفقة» يستطيع المفاوض الفلسطيني تحمل مسؤولية قبولها مهما توفرت التغطيات بهدف تمريرها.

بالمقابل، تستمر الخطوات الضارة التي تقدم عليها القيادة الرسمية الفلسطينية ومنها تجميد المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة ومقارعة الاحتلال في مؤسساتها، في الوقت الذي نشهد فيه هجوماً أميركياً ـ إسرائيلياً ضد حملات مقاطعة الاحتلال وعزله؛ وهذا يعني أن الإعلان عن الإحجام على محاسبة إسرائيل يأتي بمثابة حربة إضافية تواجهها حركة المقاطعة، بين من واجب القيادة الرسمية الفلسطينية، والتزاماً بقرارات الإجماع الوطني دعم هذه المقاطعة.. وحمايتها.