1- في توصيف الحالة وأسبابها

2- أزمة النظام السياسي الفلسطيني

3- القوى السياسية الفلسطينية في مدار الأزمة

4- «حل الدولتين».. إلى أين؟!

 (1) الورقة المقدمة إلى المؤتمر المنعقد في بيت المستقبل (بكفيا، لبنان) بين 9 إلى 10 حزيران (يونيو)2017، بدعوة من مركز القدس للدراسات السياسية (الأردن)، ومؤسسة بيت المستقبل (لبنان)، ومؤسسة كونراد أديناور (ألمانيا)، تحت عنوان: «مؤتمر «حل الدولتين» وما يتعداه: التصورات الموازية لمستقبل القضية الفلسطينية وإمكانات التسوية».

(1)

في توصيف الحالة وأسبابها

1 – أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية مركبة، فهي أزمة إستراتيجية العمل الوطني المعتمدة رسمياً، كما أنها أزمة النظام السياسي القائم، بالعلاقة التبادلية المرتدة بينهما.

الإستراتيجية المعتمدة من مركز القرار الرسمي الفلسطيني ما تزال تقوم على مسارين: المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية من جهة، وبناء مؤسسات«الدولة» من جهة أخرى؛ والمساران عالقان منذ سنوات، لا بل منذ ما يقارب العقدين من الزمن.

أما النظام السياسي، فقد إهتزت مكانته التمثيلية، وانحسرت فعاليته على مستوى هياكله الجامعة في منظمة التحرير بخاصة والسلطة الفلسطينية بشكل ملموس، كما وعلى مستوى مكوناته، بما هي فصائل وأحزاب وحركات سياسية، فضلاً عن مؤسسات الحركة الجماهيرية المنظمة من إتحادات ونقابات وغيرها..

2- المفاوضات الثنائية عالقة عملياً منذ إنهيارها في محادثات كمب ديفيد (تموز/يوليو 2000) في نهاية الولاية الثانية للرئيس كلينتون المتزامنة مع فترة رئاسة إيهود باراك للحكومة الإسرائيلية.

بعد محاولة فاشلة لإنقاذها في محادثات طابا (كانون الثاني/يناير 2001) إثر إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية (أيلول/سبتمبر 2000)، توقفت المفاوضات تماماً إلى أن إستؤنفت تحت مظلة دولية إحتفالية (أي إفتتاحية ليس إلا)، في أنابوليس (تشرين الثاني/نوفمبر 2007) في السنة الأخيرة للولاية الثانية للرئيس بوش الإبن، وفي فترة رئاسة إيهود أولمرت للحكومة الإسرائيلية.

بيد أن هذه المفاوضات إنقطعت قبل أن تحقق نتيجة في مطلع كانون الأول(ديسمبر) 2008، قبيل عدوان «الرصاص المصبوب» الإسرائيلي على قطاع غزة. ومرة أخرى لم تتجدد المفاوضات إلا في أواخر العام 2009 في مطلع الولاية الأولى للرئيس أوباما، إبّان رئاسة بنيامين نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، لتتوقف في العام 2014. ومازالت متوقفة حتى الآن.

3- إنهيار المفاوضات، وبالتالي فشل العملية السياسية، لا يعود وحسب إلى التعنت الإسرائيلي الرافض عملياً لأي مسار يقود إلى مقاربة الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، بل يُنسب أيضاً إلى بنية العملية التفاوضية ذاتها التي تنطوي (بالقوة) على عوامل فشلها، فهي تفتقر إلى:

أ) الربط بين مرجعية قرارات الشرعية الدولية وهدف المفاوضات؛

ب) التحديد الواضح للإطار الزمني للمفاوضات؛

ج) مرجعية دولية متنفذة ونزيهة قادرة على ضبط العملية التفاوضية في الإطار والهدف المرسومين لها، حيث إختزلت هذه المرجعية بالدور الأميركي المتحيّز لإسرائيل؛

د) آليات تحول دون خلق وقائع جديدة تجحف بوضع وحقوق أحد طرفي المعادلة، وفي الحالة الموصوفة وقائع إستيطانية وتهويدية أفضت إلى مفاقمة الخلل في ميزان القوى لصالح الجانب الإسرائيلي وأجحفت بالموقع التفاوضي للجانب الفلسطيني، وأضعفته.

4– كما أن فشل العملية السياسية يعود إلى غياب إستراتيجية عمل وطني فلسطيني تسهم بدورها في تصحيح تراكمي للخلل في ميزان القوى، إن كان بتوفير عوامل التماسك الداخلي للحالة الفلسطينية، أو بالمثابرة على تحدي الضغوط التي تواجه مساعي تدويل القضية الوطنية...، ضمن أولوية تغذية روافد عمل وطني تصب في مجرى إستراتيجية صمود مديدة تجمع ما بين المقاومة الشعبية للإحتلال والإستيطان، ونضال الحركة الأسيرة، وتزخيم حركة اللاجئين بالتوازي مع تعاظم فعل وتأثير الحركة الجماهيرية في مناطق الـ 48، واستراتيجية دفاعية واقعية وذات مغزى في قطاع غزة.. وكل هذا في إطار السعي الجاد لفك الإرتباط بشكل متدرج عن إملاءات إتفاق أوسلو والإنعتاق من قيوده، وبالذات من جانبيه الأساس: الإرتهان الأمني والتبعية الإقتصادية.

5– في هذا الإطار يتضح كم هي غير منتجة تلك السياسة التي تراهن على إنجاز بناء مؤسسات الدولة العتيدة كعامل مؤثر في الصراع الدائر، بدليل أن الشهادات المتواترة من الأمم المتحدة إلى البنك الدولي.. على إمتلاك السلطة الفلسطينية لوزارات وإدارات بمستوى إدارة مرافق«دولة ناجحة» لم تفلح في إزالة العقبات (الإسرائيلية أساساً) التي تعترض طريق تقدم مشروع الدولة المستقلة.

مع الإشارة إلى هذا، لا يفوتنا التمييز الواجب بين الكفاءة الوظيفية لمؤسسات السلطة الفلسطينية، وبين مواصفات ومضمون إدارات الدولة المستقلة السيدة، وهي الإدارات التي لا يمكن أن ترتقي السلطة الفلسطينية لامتلاكها، طالما أنها لا تمارس سيادتها على الأرض والمياه والمعابر والحدود والدورة الإقتصادية..الخ

(2)

أزمة النظام السياسي الفلسطيني

1– يقوم النظام السياسي الفلسطيني على جسمين جامعين: منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والسلطة الفلسطينية، أي سلطة الحكم الإداري الذاتي على السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي أنتجها إتفاق أوسلو والتي إتخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير، نيابة عن المنظمة وباسمها، قراراً بتشكيلها في العام 1994، ما يعني – نظرياً – أن المنظمة هي المرجعية الأعلى للسلطة.

2- على عكس ما قد يوحي به هذا التعريف، فإن علاقة السلطة بالمنظمة لا تحكمها قاعدة الجزء بالكل، لسبب جلي ومعروف، وهو: أن م.ت.ف إثر إقامة السلطة الفلسطينية، قد تراجع دورها وانحسر بشكل متسارع بعد أن نُقلت مؤسساتها الرئيسية إلى ولاية السلطة الفلسطينية: فجيش التحرير الوطني تحوَّل إلى قوات الأمن الوطني؛ والأمن الموحد وسائر الأجهزة الأمنية تحوَّلت إلى جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي؛ والصندوق القومي إنتقل عملياً إلى وزارة المالية؛ وممثليات م.ت.ف في الخارج (أكثر من مئة ممثلية) إنتقلت إلى وزارة الخارجية؛... والأمر نفسه إنسحب على عديد المؤسسات الأخرى من إعلامية وبحثية وثقافية وإجتماعية..الخ.

3- في السياق المذكور، تجدر ملاحظة مايلي: إن هذه النقلة المؤسسية الواسعة لا تكمن مشكلتها – بالطبع -  في إنزياحها إلى الداخل الفلسطيني، بل في خروجها الكامل عن ولاية م.ت.ف وعن مسئولية هيئاتها القيادية، والأمثلة على ذلك –إضافة إلى ما ذكر– تترى، وآخرها المرسوم الرئاسي بإحالة مسئوليات دائرة الجاليات الفلسطينية المغتربة في الأمريكيتين وأستراليا وأوروبا، وهي إحدى الدوائر الرئيسية الممثلة والمرتبطة مباشرة باللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، إلى وزارة الخارجية في حكومة السلطة الفلسطينية، التي تضحى، والحال هكذا، وزارة الخارجية والمغتربين(!).

إن ما يفاقم كل هذا، واقع إضمحلال مؤسسات الحركة الجماهيرية من إتحادات شعبية ومهنية.. الخ، في الشتات الفلسطيني، التي كانت تلعب دوراً رئيسياً في تعبئة وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني من مختلف القطاعات في الشتات، في المعترك الوطني.

4- إلى ما سبق توضيحاً للمنحى التراجعي لموقع ودور م.ت.ف، نضيف غياب حركات الإسلام السياسي عنها، ما يؤدي إلى إهتزاز المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير بحكم القاعدة الجماهيرية المعتبرة لهذه الحركات، فضلاً عن نفوذها السياسي الناجم – بشكل رئيسي– عن تقديماتها الإجتماعية ودورها في مقاومة الإحتلال.

وإذا كانت المكانة القانونية لمنظمة التحرير مازالت مصانة – وإن بصعوبة – على الرغم من مرور أكثر من عقدين على إلتئام آخر دورة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي هو بمثابة المؤتمر الوطني العام والأعلى للشعب الفلسطيني وعموم الحركة الوطنية، فإن بقاء الخلل في النصاب التمثيلي، لا بد وأن يؤدي – في حال إستمراره – إلى ثلم المكانة الشرعية لمنظمة التحرير، التي لا تكتمل نصاباً، إلا بالتقاء مركزها القانوني مع مركزها التمثيلي الشامل.

5- السلطة الفلسطينية بدورها تعاني من أزمة مركبة: فهي منقسمة على نفسها مؤسسياً وجغرافياً، وهي بيد حزبين حاكمين متصارعين ينفردان عملياً بها، ما يؤدي إلى تعميق سماتها البيروقراطية وممارساتها القمعية، ويقوى نزوعها إلى مصادرة الحريات العامة وميلها إلى قمع الحركة الجماهيرية، وصولاً إلى إستخدام أساليب القمع المباشر كلما تتطلب الأمر، وإن كنا نميّز – بالدرجة ليس إلا – بين ما تعتمده السلطة في غزة والسلطة في رام الله، حيث الأولى أكثر إسرافاً في إستخدام القبضة الحديد المجللة عقدياً في التعاطي بشكل عام مع الحراك المجتمعي، مطلبياً كان أم ديمقراطياً.

6- من عوامل الأزمة المركبة التي تعانيها السلطة الفلسطينية المغتربة عن الجمهور، أنها صُممت للعمل ككيان إداري – وظيفي تحت الإحتلال لفترة إنتقالية سقفها خمس سنوات (تنتهي في العام 1999)، هي الفترة الإنتقالية المنصوص عليها في إتفاقات أوسلو.

وعليه فليس من المستغرب أن يضيق هذا الإطار الوظيفي المصمم لفترة زمنية محدودة، ويعجز عن تلبية إحتياجات المجتمع (الإقتصادية، وغيرها) لفترة زمنية أطول تجاوزت العقدين، في ظرف تضافرت فيه عوامل عدة لمفاقمة أزمة النظام السياسي الفلسطيني، أهمها: هيمنة الريعية في الإقتصاد مصدراً للغنائمية والزبائنية في التوزيع خلف أسوار إحتلال ما إنفكت قبضتة تزداد بطشاً على خلفية تكالب الإستيطان في الضفة وإستشراء التهويد في القدس والخليل، وإحكام الحصار على القطاع مع تصعيد العدوان الإسرائيلي عليه 

(3)

القوى السياسية الفلسطينية في مدار الأزمة

1– إذا ما وضعنا جانباً التأثيرات بالغة السلبية لمجمل التطورات الدولية وفي الإقليم على الحالة الفلسطينية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا، بدءاً من إنهيار المعسكر الإشتراكي وتفكك الإتحاد السوفياتي وتداعيات الإحتلال العراقي للكويت، مروراً بتفشي ظاهرة الإرهاب عالمياً بعد 11/9/2001، وحتى مسلسل الحراكات العربية مع نهاية العقد الأول من القرن الـ 21 التي إنحدر بعضها وتحلل إلى حروب أهلية، فإلى مواجهات وحروب إقليمية مازالت تتوالى فصولاً حتى يومنا، وتنذر بالمزيد..

إذا ما وضعنا كل هذا جانباً، مع إدراكنا لأهميته البالغة وتأثيره البنيوي السلبي الفائق على مسيرتنا الوطنية، وذلك من أجل وضع اليد على مسئوليتنا الخاصة كحركة وطنية عن أزمتها الراهنة، والأزمة التي يواجهها المشروع الوطني الفلسطيني عموماً، لا بد من تحديد مساهمة القوى السياسية الفلسطينية في تحمل مسئولية نشوء هذه الأزمة، بما هي أزمة مشروع وطني وأزمة نظام سياسي.

2- في سياق ما تقدم، ينبغي التوقف أمام مايلي:

أ) مسؤولية الحزبين الأكبر حجماً والأوسع نفوذاً: فتح وحماس، قبل وبعد تحولهما إلى حزبين حاكمين. وفي هذا الموضوع أفترض أن بعض الزملاء المشاركين في هذا المؤتمر سوف يتطرقون إليه، إن لم يكن من موقع الإنتماء السياسي، فبأقله من موقع صديق لكل من هذين الحزبين.

ب) مسؤولية اليسار الفلسطيني، وهو يسار تعددي سياسياً وتنظيمياً وربما فكرياً، كما هو معروف، ومع ذلك فبالإمكان إستخلاص خطوط رئيسية جامعة تكثف قسطه في إنتاج الأزمة الراهنة للحركة الوطنية.

ج) لكن قبل هذا وذاك، من المفيد تسليط الضوء، أو التذكير بنقطة البدء في الأزمة الراهنة وجذرها.

3- يعود جذر الأزمة الراهنة للحركة الوطنية الفلسطينية وللمشروع الوطني عموماً إلى العملية السياسية بشروطها المجحفة التي إفتتحتها إتفاقية أوسلو، فتحوَّلت إلى عملية مديدة متواصلة الحلقات تكاد تتجاوز ربع قرن من الزمن، وما تزال تعد بالمزيد. لقد قادت هذه العملية السياسية إلى إقامة وإدامة حكم إداري ذاتي للسكان مكشوف على مواصلة إستيطان الأرض بأفق الضم الكولونيالي، مع إلغاء حق العودة للاجئين، وإبقاء السيطرة الإسرائيلية الأمنية على الأراضي الفلسطينية، ومن ضمنها المعابر والحدود.

4- من هذه النقطة إنطلقت الأزمة الوطنية، التي فشل اليسار في إحتوائها منذ البداية، لأنه لم يتمكن من تعبئة القوى الذاتية والتحالفية اللازمة لتغيير شروط العملية السياسية الجارية إنطلاقاً من القاعدة المسلم بها: مخرجات المفاوضات تحددها – إلى حد بعيد – الشروط التي تنعقد على أساس منها، ومن بين هذه الشروط، لا بل أهمها قاطبة – وعلى سبيل المثال – وقف الإستيطان، وإعتماد عملية تفاوضية في مرحلة واحدة أسوة بسائر الدول العربية المشمولة بالمفاوضات، وليس على مرحلتين كما فرضت على الفلسطينيين..الخ.

قد يقال في هذا السياق، كيف إستطاعت حركة حماس أن تشق طريقها بقوة في ساحة العمل الوطني وتفرض علاقة ندية على حركة فتح وإن كانت صراعية، رغم فشل حركة حماس في منع عملية أوسلو؟ والإجابة في متناول اليد: حركة حماس التي إفتقدت إلى الحنكة السياسية في إدارة المعركة السياسية عندما أحجمت عن التقاطع مع سائر القوى السياسية التي كانت تلتقي على ضرورة التمسك بشروط معيّنة تقوم عليها العملية التفاوضية وتحصنها، عوّضت عن هذا بتفعيل عوامل القوة الذاتية الناجمة عن تضافر عناصر القوة التنظيمية (والنفوذ الجماهيري إستتباعاً) والمؤسسية والعسكرية بعمق تحالفي خارجي ممتد، الأمر الذي كانت تفتقد إليه قوى اليسار الفلسطيني.

5- بعد قيام السلطة الفلسطينية إنحكمت العلاقات الفلسطينية الداخلية إلى توازنات جديدة، فبعد أن كانت فتح هي الأولى بين متساوين في إطار منظمة التحرير، تحوّلت إلى حزب حاكم – وإن تحت الإحتلال – يحتكر المال والسلاح والتمثيل السياسي الرسمي، إلى جانب تحكمه بمرافق الخدمات والتوظيف، وإمساكه بمفتاح بعض تسهيلات الحياة اليومية الشاقة مع سلطات الإحتلال. والعدوى نفسها إنتقلت إلى حركة حماس بعد أن إستولت بالإنقلاب على مقاليد الأمور في قطاع غزة.

غير أن هذا المشهد يختلف على نحو ملحوظ عند ما تتسع زاويته لتشمل الحالة الفلسطينية بكل تجمعاتها، وبقدر ما يتم الإبتعاد عن مناطق الحكم الذاتي في الضفة والقطاع، حيث يحتل اليسار موقع الصدارة في مناطق الـ 48 (من خلال حزبي الجبهة والديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، وأحزاب وشخصيات وتجمعات أخرى)، واليسار هو القوة المنافسة بجدارة وسط التجمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا، وهو القوة المتفوقة على حركة فتح في المغتربات الأوروبية والأمريكيتين.

ومن هذا نستخلص: تتحدد المهمة الرئيسية الأولى لليسار الفلسطيني ببناء الذات وتوطيد التحالفات والإنخراط الواسع في الحركة الجماهيرية، مسترشداً ببرنامج سياسي واقعي يضع خلف الظهر التجربة البائسة لاتفاقات أوسلو التي لم ولا يمكن أن تقود إلى إنجاز الحقوق الوطنية لشعب فلسطين■

(4)

«حل الدولتين».. إلى أين؟!

1– إقتحم هذا المصطلح ساحة العمل السياسي بقوة إثر خطاب الرئيس بوش الإبن في حزيران (يونيو) 2002، أي بعد ثلاثة شهور من إطلاق «مبادرة السلام العربية»، وكان من بين أهدافه قطع الطريق على هذه المبادرة. وإن إضطرت الإدارة الأميركية لاحقاً، التخلي عن مشروع «حل الدولتين» لصالح تضمينه في إطار أوسع هو خطة «خارطة الطريق» في نيسان (إبريل) 2003 من أجل التغطية على إحتلال العراق وتصفية مؤسسات الدولة ومرتكزاتها في هذا القطر العربي الواعد في المعادلة الإقليمية، فسرعان ما غسلت الإدارة الأميركية يديها من خطة «خارطة الطريق» لصالح ما أطلق عليه مجازاً «وعد بوش» في نيسان (إبريل) 2004 الذي إعترف بموجبه (في رسالة موجهة إلى أريئيل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية)، بضم الكتل الاستيطانية إلى دولة إسرائيل. وضمن هذه الأجواء عاد مصطلح «حل الدولتين» إلى دائرة التداول في إدارة الرئيس بوش وحتى نهاية ولاية الرئيس أوباما (كانون الثاني/ يناير 2017).

2- «حل الدولتين» مصطلح فضفاض يقع على مسافة حقيقية من البرنامج الوطني الفلسطيني بمرتكزاته الثلاثة: دولة مستقلة ذات سيادة على خط الخامس من حزيران (يونيو) 1967 بعاصمتها القدس + ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي يكفله القرار 194 + الإعتراف بأبناء الشعب الفلسطيني  في مناطق الـ 48 كأقلية قومية وعلى قاعدة المساواة في المواطنة.

وبالمقابل فإن «حل الدولتين» ينطوي مسبقاً، وقبل أن تصل العملية التفاوضية إلى خواتيمها، على ثلاثة تنازلات رئيسية: تغيير خطوط الـ 67 باتجاه هابط من خلال ما يسمى بتبادل الأراضي + القدس عاصمة لدولتين + شطب حق العودة إلى الديار والممتلكات.

3- بغض النظر عن الموقف من «حل الدولتين»، فمن المسلم به أن الحالة الفلسطينية غير قادرة على فرضه، والرباعية الدولية (في بيانها، تاريخ 1/7/2016) أدارت الظهر له، وإسرائيل (مجتمعاً وحكومة، لا بل دولة) – رغم كل التنازلات الفلسطينية التي ينطوي عليه هذا الحل – لا تقبل به، والإدارة الأميركية في عهد ترامب لا تأتي حتى على ذكره( ).

أما عناصر الحل المتداولة في مركز القرار في الإدارة الأميركية( )، فإنها تدور حول عدد من العناوين، تنطلق من فرضية أن التوصل إلى إتفاق سلام قائم على حل الدولتين أمر وهمي حالياً، فيضحى المطلوب هو تقديم تسهيلات للفلسطينيين على غرار فتح أجزاء في المنطقة ج (62% من مساحة الضفة) أمام النشاط الإقتصادي الفلسطيني، فيما تعتبره إسرائيل تقديم تنازلات للفلسطينيين من المفترض أن يقابلها الإقدام على خطوات عربية علنية ملموسة تبرر هذه التنازلات(!). وفي هذا الإطار يجري الكلام عن جذب دول عربية التي تجد مصالح إستراتيجية تجمعها بإسرائيل، بما في ذلك ما يتصل بالتحديات الأمنية في المنطقة..، وصولاً إلى عقد مؤتمر إقليمي بوظيفتي التطبيع والتعاون الأمني والإقتصادي.

4- بعيداً عن التكهن بما سوف تسفر عنه هذه السياسة من نتائج، فالواضح أن ما يسمى بمسار «حل الدولتين» بات مستبعداً في المدى القريب بأقله، كما أن «حل الدولة الواحدة» لا يملك أي دينامية خاصة به، على جاذبيته ووقعه الحسن ومخاطبته للوجدان الفلسطيني كونه يعيدنا إلى أصل الصراع، أي إلى نكبة الـ 48. وعليه، يبقى الخيار المجدي المطروح على الحالة الفلسطينية هو الذي ينطلق من الإنجازات الثمينة التي حققها النضال الوطني الفلسطيني من أجل إرتياد آفاق البرنامج الوطني بمرتكزاته الثلاثة السابق ذكرها. إن هذا يعني بالملموس مايلي:

أ) إطلاق وتجديد الحركة الشعبية المناهضة للإحتلال في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني على أرض الوطن وفي شتات أربع جهات الأرض، فالداخل يواجه، والخارج يساند في وحدة نضال وعمل.

ب) مواصلة دينامية تدويل قضيتنا الوطنية من خلال: 1- توسيع دائرة الاعتراف بدولة فلسطين وبسائر الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ 2- توسيع عضوية دولة فلسطين في جميع المؤسسات والوكالات الدولية المتاحة بعد أن تم الإعتراف بالعضوية المراقبة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة (القرار 19/67)؛ 3- ملاحقة إسرائيل ومقاضاتها على إنتهاكاتها لإتفاقيات جنيف الخاصة بالبلدان والشعوب المحتلة أراضيها، وعلى إرتكابها جرائم حرب ..الخ، من خلال الإحتكام إلى مجلس حقوق الإنسان، محكمة الجنايات الدولية.. الخ؛ 4- توسيع حملة المقاطعة (BDS) لإسرائيل على أوسع نطاق.

ج) السعي الجاد لتجاوز الإنقسام المؤسسي القائم وإستعادة وحدة المؤسسة الأم (منظمة التحرير)، كما والسلطة الفلسطينية بجناحيها.

ه) تحشيد كل الطاقات المتاحة لتأمين متطلبات الصمود لشعبنا في الضفة والقطاع كما وفي مخيمات الشتات.

د) إجتراح صيغ تنسيقية مستقرة وثابتة إن أمكن، بين منظمة التحرير وما يمكن أن يقابلها على مستوى التمثيل الفلسطيني في مناطق الـ 48