إدارة اوباما مهدت الطريق للإدارة الجديدة كي تحصد ثمار سياسة «إضعاف الجميع» في الصراعات العربية الناشبة

مؤشرات كثيرة دلت على أن الإدارة الأميركية الجديدة تقطع مع محددات موقف الإدارة السابقة من عملية التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ وجميع تلك المؤشرات كانت لصالح دولة الاحتلال، وخاصة في فترة ترشح ترامب وقبل ترسيمه رئيساً للولايات المتحدة.

لذلك، لم تخف حكومة نتنياهو ارتياحها لفوز المرشح الجمهوري، ووجدت أن الفرصة باتت متاحة كي ينتقل «الصديق» الأميركي من دور الصامت والمتواطئ مع سياساتها التوسعية إلى شريك في ترسيم هذه السياسة وحمايتها من أية تداعيات إقليمية أو دولية كما حصل أواخر عهد إدارة أوباما التي مررت اتخاذ قرار في مجلس الأمن يدين الاستيطان.

مع ذلك، تؤكد الوقائع أن الاستراتيجية الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لم تتغير في الجوهر، وأن الإخراج الهوليودي لقدوم ترامب لم يستطع إقناع أحد بأن للولايات المتحدة نسختين مختلفتين واحدة في عهدة «الديمقراطيين» والأخرى بيد غريمهم «الجمهوري».

لا يختلف اثنان على أن تصريحات المرشح ترامب حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي عاكست مواقف إدارة أوباما، بدءاً من إدانته القرار الأممي ضد الاستيطان، مروراً بعزمه على نقل سفارة بلاده إلى القدس وصولاً إلى نعي «حل الدولتين».

وفي الفترة الأولى القصيرة بعد ترسيمه، عزز ترامب وإدارته هذا الاستخلاص من خلال تجاهله السلطة الفلسطينية وقيادتها، والاحتفاء بزيارة نتنياهو إلى واشنطن وتعمد تغييب موضوعة الاستيطان عن اللقاء بينهما؛ مع أن الحكومة الإسرائيلية بدأت التحضير لضم مستوطنة معاليه أدوميم، وسبقها الكنيست في سن تشريعات في الاتجاه ذاته بما يخص مستقبل الاستيطان وترسيم نهب الأرض الفلسطينية.

مع ذلك، تدرك الإدارة الأميركية الجديدة أن الحديث عن تسوية قادمة لا يستقيم دون الإقرار بوجود طرفي الصراع. وأن المفاوض الفلسطيني كان دائماً «شريكاً مناسباً» في كل محطات التسوية؛ وأن نعي «حل الدولتين» لا يفيد حتى ولو كان المسار الذي يدفع باتجاهه نتنياهو لا يقترب من هذا الحل. وفهمت إدارة ترامب كما الإدارة السابقة أن موضوعة الأمن هي المحور لكل ما يمكن أن تناقشه الحكومة الإسرائلية مع الجانب الفلسطيني. لذلك يمكن القول إن الإدارة الأميركية الجديدة ذات «عمق أوبامي»؛ إن صح التعبير.

يتضح ذلك من خلال ما كشفت عنه صحيفة هآرتس العبرية بأن إدارة ترامب تدرس إمكانية تطبيق خطة وضعتها إدارة أوباما بشأن الترتيبات الأمنية في الضفة الغربية في حال حصل تقدم في مسار التفاوض حول مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتنطلق هذه الخطة من أن الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. واعترضت حكومة نتنياهو على الكثير مما جاء فيها انطلاقاً من تعريف الدولة منزوعة السلاح بأنها منزوعة السيادة أيضاً. وانصب الاعتراض على أية مؤشرات سيادية في الخطة ومنها إقامة مطار وتحريك سرب من الطائرات المروحية تابعة للسلطة في أجواء الضفة؛ مع أن الهدف الأميركي من وجود هذه الطائرات هو تمكين أجهزة أمن السلطة من قمع أية تحركات مناهضة للاحتلال.

والتنسيق الأمني الذي رعته الإدارات الأميركية السابقة تشدد عليه إدارة ترامب وتسعى إلى تحويله تعاوناً بين السلطة والاحتلال. والشروط التي كان يكررها وزير خارجية أوباما جون كيري حول «عدم التحريض» و«محاربة الإرهاب» كثفها مبعوث ترامب في تسعة شروط في الإطار ذاته.

وربما من الضروري الإشارة إلى أن المسار التصعيدي لمواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه الحالة الفلسطينية يعود في جزء أساسي منه إلى المسار التراجعي الذي تتموضع فيه هذه الحالة بسبب الانقسام من جهة، واستمرار الرهان الخائب على التسوية ونهج السياسة الانتظارية الذي سلكته القيادة الرسمية الفلسطينية، وهو ما أقنع واشنطن وغيرها بأن الجانب الفلسطيني هو من يجب أن يتلقى الضغوط وليس الاحتلال.

وبشأن التسوية، لم تأتِ يافطة «صفقة ترامب»  الإقليمية بجديد عما حاولت إدارة أوباما القيام به في قمة العقبة في العام الأخير لولايتها، وكان جوهر ما بحث في هذه القمة إمكانية عقد مفاوضات مباشرة بين أطراف عربية ومعهم المفاوض الفلسطيني وبين الاحتلال. بمعنى تقديم التطبيع على التسوية.

وما يتغير في هذه المعادلة هو التدهور المتسارع في الحالة العربية بفعل الصراعات والحروب الدائرة في دول عربية عدة فيما تشتعل هواجس باقي الدول من امتداد لهيب ما يجري إلى عقر دارها.

وضمن هذا «المناخ» من الطبيعي أن يتعاظم التأثير الأميركي وتزداد قدرة واشنطن على استعادة زمام المبادرة من جديد والتدخل في إعادة رسم خريطة الجغرافيا السياسية في المنطقة. ويمكن القول في هذا المجال إن إدارة أوباما مهدت لترامب وإدارته الطريق من خلال اعتمادها سياسة «إضعاف الجميع» في سياق الصراعات الناشبة.

لذلك، تتمكن الإدارة الأميركية الجديدة بسهولة من عقد صفقات أسلحة بمبالغ هائلة وتحصد ثمار سياسة زرع الخوف من الجار الإيراني مقابل تمهيد الطريق نحو التطبيع مع دولة الاحتلال ووسم مقاوميه بالإرهاب.

بالطبع، الاختلافات قائمة بين إدارة وأخرى، وبين رئيس أميركي وآخر حتى لو كانا من الحزب ذاته، لكن ذلك لا يمس جوهر الاستراتيجية الأميركية، وتحديداً في مجال السياسة الخارجية، فيما يبقى باب الخلاف في الملفات الداخلية مشرعاً كما حصل حول قانون التأمين الصحي الذي أقر في عهد الرئيس السابق أوباما وفشل ترامب في محاولة إلغائه.

ربما اللافت في أداء ترامب، هو اقترابه من سلوك المناورة. كما حصل مع إعلانه نعي «حل الدولتين» ليقول لاحقاً إنه من الممكن نقاش ذلك في حال أقدمت السلطة الفلسطينية على مجموعة من الخطوات تثبت جديتها في البحث عن تسوية. وكما حصل مع تأجيل نقل سفارة واشنطن إلى القدس لمدة ستة أشهر، واعتراف مندوبة أميركا في الأمم المتحدة بأن التأجيل لا يعني التراجع، وأن المسألة برمتها تشكل بالنسبة للرئيس ترامب «ورقة تفاوض» ىفي حال أقلعت عملية التسوية مجدداً.

على كل، ستبقى المعادلة التي تحكم أداء واشنطن تجاه التسوية على وضعها، وسيزداد مع الوقت انحيازها لدولة الاحتلال. ويسهل عليها ذلك غياب الحالة الفلسطينية وغرقها في أزماتها المتراكمة في ظل إدارة الظهر لقرارات الإجماع الوطني التي يكفل تنفيذها وضع هذه الأزمات على سكة الحل.

دون ذلك، سيواصل الاحتلال سياساته التوسعية ورسم مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بقلم الاستيطان.