لا يمكن النهوض باستحقاقات هزيمة العام 1967 دون رد الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري الموحد

بينما كان الفلسطينيون قد بدأوا مسار عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم، وقع عدوان حزيران، ليضيف إلى أثقال نكبتهم أعباء الهزيمة وتداعياتها. وبذلك، وجدت الثورة الفلسطينية المعاصرة نفسها أمام مهام «جديدة» تطلبت الإجابة على أسئلتها الملحة أعواماً حتى تمكنت من بلورة البرنامج الوطني التحرري تحت راية منظمة التحرير الائتلافية التي مكنت الفلسطينيين من قطع الطريق على محاولات تبديد شخصيتهم الوطنية.

وإذا كان القائمون على المشروع الصهيوني في فلسطين نجحوا في فرض الاقتلاع والتشرد على غالبية الشعب الفلسطيني في أراضي الـ48، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام خريطة ديمغرافية مختلفة جداً في الأراضي التي احتلوها بعدوان العام 1967، وهو ما جعلهم يشقون  طريقهم الالتفافي لنهب الأرض وتهويدها عبر نشر الاستيطان وقطع الطريق على  إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

خمسون عاماً مرت على الهزيمة وما تزال الأرض جوهر الصراع في معركة مفتوحة بين الاحتلال وأصحابها.

منذ وقوع هزيمة حزيران، تصاعدت بعض الأصوات التي قالت بضرورة فصل استحقاقات النكبة عن المهام التي طرحها بقوة وقوع تلك الهزيمة على محاور العمل الوطني الفلسطيني.

ورأى أصحاب هذه الأصوات أن الثورة الفلسطينية المعاصرة التي اندلعت قبل سنوات قليلة من عدوان حزيران لا تمتلك القدرة على النهوض بالمهام التي أملتها النكبة إضافة إلى المهام التي ظهرتها هزيمة العام 1967.

عملياً، كانت هذه الدعوات سنداً لمشاريع الاحتلال السياسية في الضفة والقطاع المحتلين، في سياق جهده المبذول لتشكيل «قيادات» فلسطينية تزاحم منظمة التحرير في تمثيلها للشعب الفلسطيني وتشوش على المهام المطروحة على الثورة الفلسطينية. وكان جوهر المشروع الإسرائيلي في تلك الفترة يتمثل في قطع الطريق على البرنامج الوطني التحرري الذي نجحت منظمة التحرير في بلورته مع اعتماد البرنامج المرحلي في المجلس الوطني الفلسطيني. وانحسر مع الوقت دور ما سمي بـ«روابط القرى» وكافة الأشكال التي سعى الاحتلال لتكريسها من أجل فصل قضية الأرض عن مسار تحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان العام 1967، من خلال تقزيم الطموح الفلسطيني إلى حدود مطالب وتطلعات مجموعة من السكان تقيم أبداً في ظل الاحتلال وولايته الأمنية.

في المقابل، جاء البرنامج المرحلي ليجمع في عناوينه ومهامه تجسيد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم كرد مكافئ على نشوء النكبة الفلسطينية ومواقع اللجوء والتشرد الذي انتجته إلى جانب تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه عبر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وبذلك وضع أمام الحركة الوطنية الفلسطينية مهام تتعامل مع الحقوق الوطنية الفلسطينية من موقع تكاملها، على العكس مما قالته الأصوات الداعية إلى فصل استحقاقات النكبة عن تداعيات عدوان حزيران؛ وبالتالي فصل الحقوق الفلسطينية عن بعضها البعض تمهيداً لبازار المقايضة فيما بينها. وهي المعادلة التي لا تزال تطل برأسها حتى الآن من خلال محاولة تشكيل كيانية فلسطينية لا ترقى إلى مصاف الدولة المستقلة على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان الـ67 وتقديم هذا الخيار على حساب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم والذي يكفله لهم القرار الدولي 194. ولذلك كانت جميع محاولات تجاوز البرنامج الوطني المرحلي تأتي على حساب تجسيد هذا الحق؛ وكانت قضية اللاجئين هي المستهدفة بالتصفية من خلال هذا التجاوز. لذلك، عندما تم توقيع اتفاق أوسلو، ومن ثم انطلق مسار التسوية، كان مبدأ الفصل بين حقوق الفلسطينيون هو الذي حكم قواعد هذه التسوية؛ لتصبح القضية الفلسطينية مجموعة من القضايا المبعثرة على مسارات تفاوض متعددة لا ترتبط مآلات أي منها بالأخرى.

فتلاشت لجنتا اللاجئين والنازحين، ولم يبق في المشهد سوى حلبة تفاوض ثنائية بين المفاوض الفلسطيني والاحتلال وبإشراف أميركي حصري. والأهم، أن مسار التفاوض لم يستطع التقدم خطوة واحدة نحو تجسيد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الوقت الذي كان بلدوزر الهدم والاستيطان هو المتحرك الوحيد في المشهد.

وعلى مساوئ اتفاق أوسلو، أدركت تل أبيب أن ما ينبغي الإقلاع في تنفيذه من هذا الاتفاق هو الجانب الذي يضع مستقبل «السكان» في الضفة والقدس على حساب مستقبل أراضيهم، من خلال تحييد موضوعة الاستيطان وحملات التهويد عن عملية التفاوض؛ لذلك، لاحظ المراقبون أن الاحتلال قام بتسليم السلطة الفلسطينية تجمعات سكنية فلسطينية مع محيطها الضيق في إطار نبضات التسليم التي أصيب لاحقاً بالسكتة التفاوضية، وكل ذلك عبر معادلة إسرائيلية خاصة «سكان أكثر.. أرض أقل».

لذلك، وبعد نحو ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو لا تزال مسألة توسيع نطاق ولاية السلطة على بعض المناطق محل جدل، وهي لا تتجاوز الوعود والمحفزات من اجل عودة المفاوض الفلسطيني إلى حلبة التفاوض ووضعه مجرداً أمام حائط الاعتبارات الأمنية والتوسعية الإسرائيلية.

وبالطبع، لا تتخلى تل أبيب عن مكتسباتها من وراء الاتفاق وتحديداً في المجالين الأمني والاقتصادي. من خلال التنسيق الأمني وتكريس إلحاق النشاط الاقتصادي الفلسطيني بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي كما أسس له «بروتوكول باريس».

يمكن القول إن تعرج مسار العمل الوطني الفلسطيني منذ وقوع النكسة حتى اليوم، غالباً ما يعود سببه إلى «منهج» الفصل بين الحقوق الفلسطينية أو تقديم أحدها على الآخر في سياق فهم خاطئ يقول بإمكانية تجسيدها بالتتابع. وقد أكدت المحاولات المتزايدة لشطب حق العودة خطأ هذا التصور.

وضمن هذا «المنهج» يعم الخطر على كافة الحقوق الفلسطينية وخاصة حق تقرير المصير وقيام الدولة المستقلة، فما يطرحه الاحتلال وتتساوق معه واشنطن لا يؤدي إلى قيام هذه الدولة بعاصمتها القدس وعلى حدود الرابع من حزيران /يونيو 1967. وقد تأكد ذلك مع تبني إدارة ترامب لفكرة مناقشة قضايا الحل الدائم كل على حدة. وعدم ربط نتيجة النقاش حول أحدها بالآخر.

بعد خمسين عاماً على عدوان حزيران، لا يزال البرنامج الوطني التحرري الموحد هو الغائب الأكبر.. ولا نعتقد بإمكانية التصدي لاستحقاقات الهزيمة دون رد الاعتبار له والعمل على تحقيقه.