مقبلون في الساعات القليلة القادمة على محطة سياسية شديدة الأهمية تتمثل في زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض.

الملاحظ أن جدول أعمال الزيارة غير تقليدي. فهو لن يقتصر على لقاء أميركي مع قيادة العربية السعودية. إلى جانب هذا اللقاء، ستعقد قمة أميركية ــ خليجية، وقمة أميركية ــ عربية، تشارك فيها دول مسلمة، وربما قمة أمريكية عربية إقليمية، تضم إلى جانب العربية السعودية، دول الإمارات، والأردن، ومصر، والبحرين، والكويت، وفي هذه القمم ستبحث ملفات عديدة، منها ملف التعاون الأمريكي مع العربية السعودية، ومع دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي سيثير في النقاش مسألة العلاقات مع الجارة إيران وكذلك قضايا «الإرهاب»، الأمر الذي سيثير قضية حزب الله، والأهم أن أحد هذه الإجتماعات سيبحث «صفقة السلام» العربية، الإسرائيلية التي مافتئ ترامب يؤكد عزمه على إنجازها وإنهاء الصراع في المنطقة لصالح التفرغ لخدمة المصالح الأميركية، عبر التعاون العربي، الإسرائيلي ضد «الإرهاب» بإعتباره الخطر الأول الذي يتهدد المنطقة. وإذا ماعدنا إلى التقارير المتداولة في الكونغرس الأميركي فإن إيران، هي «الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم». وبالتالي يصبح مفهوماً إلى حد كبير  ما معنى هذا التعاون الإقليمي ضد الإرهاب.

ولكن يبقى السؤال المهم بالنسبة لنا، دون التقليل من أهمية باقي الأسئلة:

لماذا الوصول إلى صفقة «عربية ــ إسرائيلية» في «حل إقليمي» يمهد لحل فلسطيني ــ إسرائيلي؟

مبادرة القمة العربية في بيروت (2002) والتي أعادت قمة عمان الأخيرة التأكيد عليها، تتحدث عن حل فلسطيني ــ إسرائيلي (أولاً) يليه تطبيع غربي ــ إسرائيلي، وكذلك تطبيع إسرائيلي مع الدول المسلمة (ثانياً وثالثاً) المشروع الأميركي القادم في حقيبة ترامب يعكس الآلية. وبالتالي هذا يضعنا أمام صيغة جديدة ذات وظائف معينة.

فالحل الإقليمي لبحث الصراع مع إسرائيل، سيكون بديلاً للدعوة لمؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

• والحل الإقليمي سيبقي المفاوضات والحلول تحت الرعاية المنفردة للولايات المتحدة، التي تصر على الإمساك المنفرد بالمنطقة العربية.

 

 

• والحل الإقليمي سيستند إلى «الأفكار» الأمريكية، وحدها، كرهينة قانونية لأي حل (بديلاً للمرجعية الدولية) ولآليات تعرضها الولايات المتحدة مع الجانب الإسرائيلي (بديلاً لآليات تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني).       

• والحل الإقليمي من شأنه أن يفتح خطوط التطبيع العربي ــ الإسرائيلي، قبل الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، ما يعني إفراغ مبادرة بيروت من مضمونها، وشطب مواقف القمم العربية، لصالح الإلتزام بما قررته إسرائيل في زمن شارون (بعيد إطلاق مبادرة بيروت) وأولمرت ونتنياهو: التطبيع العربي ــ الإسرائيلي أولاً، ثم الحل مع الفلسطينيين ثانياً.

*  *  *

هذا جانب من القضية.

يبقى الجانب الآخر، ولا يقل أهمية عن سابقه.

فالإدارة الأمريكية، أجرت دراساتها المعمقة للملف الفلسطيني، إن عبر جولات مدير المخابرات الأميركية في رام الله، ثم جولات المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات، أو تقارير السفير الأميركي في تل أبيب، أو القنصلية الأميركية في القدس المحتلة، أو في إستدعاء رئيس المخابرات الفلسطينية إلى واشنطن، أو الجولات التمهيدية مع أكثر من وفد فلسطيني. زار واشنطن عشية لقاء أبو مازن مع ترامب. خرجت الإدارة الأميركية من هذا كله بإستنتاج كبير يقول إن أبو مازن ــ والقول للمصادر الأميركية ــ الذي تدهورت شعبيته مؤخراً وبات عاجزأً حتى عند توحيد فتح تحت قيادته، والذي عجز عن حل صراعه مع حماس، لا يملك القوة الكافية ليقدم ما هو مطلوب منه، كمتطلب للوصول إلى حل مع الجانب الإسرائيلي، وأنه، كي يستطيع التجاوب للدعوات الأميركية والإستجابة لها، بحاجة ماسة إلى غطاء سياسي لا يمكن أن تقدمه له سوى الدول العربية خاصة مصر والأردن، والسعودية، كما يحتاج إلى غطاء اسلامي، يمكن أن توفره له تركيا، وربما المغرب أيضاً.

فإضافة إلى الشروط التسعة التي نقلها إليه غرينبلات، [وهي في الأساس شروط إسرائيلية]، تتناول «عدم وقف  الإستيطان» وقف التحريض، وإعادة صياغة البرامج التربوية، ووقف رواتب عائلات الشهداء والأسرى، ووقف تدفق الأموال إلى القطاع...(وهي كلها شروط تطال إعادة هندسة الوضع الفلسطيني الداخلي وإعادة تأهيله لإستقبال إستحقاقات  الصفقة الأميركية).. هناك متطلبات أخرى على الصعيد الإقليمي والدولي على أبو مازن أن يؤهل نفسه لإستقبالها، منها مسألة القدس، ومستقبلها (عاصمة موحدة وأبدية لدولة إسرائيل حتى ولو لم تنقل إليها السفارة الأميركية في هذه المرحلة). وفي السياق مصير الحرم القدسي وباقي المقدسات الإسلامية في المدينة المحتلة.

ومنها أيضاً قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين أسقطت مبادرة بيروت (2002) حقهم في العودة ودعت بديلاً عنه إلى «حل متوافق عليه» مع الجانب الإسرائيلي. ومنها أيضاً مسألة الحدود والإجراءات الأمنية، مع الأردن من جهة، ومع مصر من جهة أخرى، بما في ذلك البت بمصير البحر الميت، حيث تعمل إسرائيل على الإستفراد بشراكته مع الأردن وحدها، وضم المناطق الفلسطينية المحتلة المشاطئة له، لإخراج الكيان الفلسطيني (أياً كان إسمه) من المعادلة. وتحت هذه العناوين، ستندرج عناوين أخرى، تسمى تفصيلية، لكنها أساسية بل ورئيسية، كالتعاون الإقتصادي. ومستقبل الإقتصاد الفلسطيني، وحركة المسافرين، وأخيراً وليس آخراً، ملامح «الكيان الفلسطيني الجديد»، خاصة وأن إسرائيل تدعو لحل مركب، يكون فيه القطاع «قلب الدولة الفلسطينية»، وتكون الضفة الفلسطينية إقليماً يخضع للإدارة الذاتية، في علاقة ثنائية، تربط بينه وبين الأردن.

*    *    *

هل هذا يعفي القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية من مسؤولياتها، بحيث تتهرب من مسؤولياتها وتلقيها على الدول العربية المتساوقة مع الأفكار الأميركية – الإسرائيلية.

بكلمة واحدة.. نقول لا.

وبكلمة واحدة نقول إننا لا نعفي القيادة السياسية الرسمية من مسؤولياتها عما وصلت إليه سيناريوهات الحلول المطروحة ومشاريعها من هبوط.

• فهي التي لوحت بل أوضحت عن استعدادها للتخلي عن حق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات وتمسكت فقط بحق التعويض و«بالعودة» إلى الضفة والقطاع كحل نهائي.

• وهي التي وافقت (في أوسلو) على اعتبار حل قضايا الوضع الدائم حلاً نهائياً، لا يكون لها بعده مطالب أخرى، تحديداً مطلب حق اللاجئين في العودة.

• وهي التي شطبت قضية الأهل في مناطق الـ 48 كجزء من المسألة الفلسطينية، واعتبرتهم «مواطنين إسرائيليين».

• وهي التي وافقت على مبدأ تبادل الأرض ما أسقط حدود 4 حزيران كأساس لرسم حدود الدولة في الإطار المرحلي.

• وهي التي وافقت على  القدس «عاصمة لدولتين» في صيغة تتيح لإسرائيل أن تستولي على معظم أجزاء وأحياء القدس الشرقية المحتلة، دون أن يكون للجانب الفلسطيني السيادة على باقي الأحياء.

• وهي التي قبلت بتواجد أجنبي على حدود الكيان الفلسطيني لمراقبة حركة العابرين، حتى لا يعود فلسطينيو الشتات إلى الضفة والقطاع دون موافقة إسرائيلية مسبقة ما يشطب حتى فكرة «العودة إلى الضفة والقطاع».

دعونا نفكر قليلاً

• لماذا ابتهجت القيادة الفلسطينية الرسمية في رام الله بالرئيس ترامب واعتبرت لقاءه مع أبو مازن ناجحاً جداً؟

• لماذا تبدي القيادة الفلسطينية استعدادها،  دون شرط لقمة ثلاثية مع نتيناهو (+ترامب)؟

• لماذا تشيد القيادة الرسمية بالمشاورات مع عمان والقاهرة والرياض بشأن التعاون مع واشنطن في حل القضية الفلسطينية في إطار «صفقة السلام» التي يكثر الحديث عنها بتفاءل مريب؟

• ثم أخيراً وليس آخراً، إلى ماذا استندت الرئاسة الفلسطينية في تأكيدها أن عام 2017 سيكون عام حل القضية الفلسطينية؟

لا بد من أجوبة شافية. وللبحث صلة