بدأت الكتابة الروائية خارج المكان، فكانت علاقتي به عبر المشاعر والذاكرة، والكثير الكثير من الأبحاث التي أجريتها، والشهادات التي جمعتها قبل الشروع في كتابة كل عمل روائي؛ لذلك، فأنا أقدم، هنا، شهادة عن تجربتي الخاصة.

بين درويش وشاندور

للكتابة من خارج المشهد، زمانيا ومكانيا، ميزة، هي إمكانية رؤيته بدرجة أكبر من الموضوعية الإبداعية. حين تكون منغمسا فيه، ربما يكون أصعب عليك الانفلات من التأثير الذي يخلقه التماس مع عناصره، وربما كان من الصعب عليك أن تنظر إليه من زوايا مختلفة. وحين تبتعد عنه وتنغمس في مشهد مغاير، فإنك تكتسب معارف إضافية وأساسا للمقارنة، ربما ساعدتك على التحرر من النظرة الأحادية للأمور.

بداية إقامتي في المجر، والتي شهدت بداية كتاباتي الروائية، حصلت معي حادثة كانت بمثابة صدمة لي، لكنها وضعتني على بداية الطريق الرمادي، طريق تعددية الاحتمالات، وقلة التشنج، والحرص على التأمل بحيادية.

الزمان: 1982، سنة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية منه؛ حالة الضياع والخوف من المجهول وانعدام الثقة بالمستقبل، التي كانت تنتاب الفلسطينيين. كنت أحضر أمسية تضامنية في بودابست، وكان ممثل مجري يلقي قصيدة محمود درويش: «سجل أنا عربي»، على نحو رائع. كان بصحبتي صديق مجري، بعد انتهاء الممثل من إلقاء القصيدة سألني: هل هذه القصيدة لشاعر معروف عندكم؟ قلت بفخر: نعم، هو الأفضل! قال باستغراب: لكن هذا ليس شعرا... هذه خطابة!

أحسست بإهانة، وبدأت أتحدث معه بانفعال عن محمود درويش وشعر المقاومة، لكنه لم يقتنع. بعد بضعة سنوات، وكنت قد تعلمت اللغة المجرية بمستوى يساعدني على فهم الشعر، كنت  أحضر حلقة دراسية عن الشعر المجري، وكنا نحلل قصيدة بعنوان: 'أغنية وطنية»، لأحد كبار شعرائهم، واسمه شاندور بتوفي، كتبها أثناء ثورة عام 1848، يقول فيها: 'أعبيدا نبقى أم نصبح أحرارا؟ هذا هو السؤال، أجيبوا عليه. نقسم بإله المجريين أننا لن نبقى عبيدا».

لم أفهم لماذا تحظى هذه القصيدة بكل هذا الإعجاب، ولم أجد فيها أي شعرية، ثم فهمت! فهمت عدم استيعاب صديقي لقصيدة درويش، وعدم اقتناعي بعظمة قصيدة شاندور. فهمت أن السياق يضفي قيمة معرفية، وربما عاطفية، على الشعر. وإن غاب السياق، فلا بد من تعويضه بخطاب يرتكز على قيم كونية، تجد صدى لها عند القارئ في كل مكان.

براثن النوستالجيا

وجودي بعيدا عن المشهد هو ما ساعدني على فهم هذا، وكان له دور حاسم في تشكيل وعيي وصوتي السردي. أنت، مبدعا، تنقل صورة للآخر، المتلقي، أيا كان انتماؤه؛ فإن كان المتلقي داخل المشهد الذي تنقله، فمن حقه عليك أن تلتقط عناصر يصعب عليه، ربما، أن يراها من داخله، وكذلك من حقه عليك أن تنزع الألوان والمشاعر عن جزئيات المشهد، وتقدمه له على نحو قابل للتأمل المجرد والمساءلة. أما إذا كان المتلقي خارج المشهد، فهو يتوقع منك أن تقدم له رؤية متجردة، وأن تعطيه الفرصة للتفاعل معها، والخروج برؤيته الخاصة.

أما البعد الزمني، والذي يحيلك إلى الذاكرة، وقد يوقعك في براثن الحنين، فهو سلاح ذو حدين؛ يمكن، من جهة، أن يمدك بمعارف أنتجها مرور الزمن، وحدوث تطورات في المشهد سلطت المزيد من الضوء على مكنوناته، ويمكن، من جهة أخرى، أن تساهم النوستالجيا، إن وقعت في براثنها، في تضليلك ودفعك إلى رسم صورة انتقائية مشوبة بالمشاعر الذاتية.

سردية مضادة

أنا أعيش في أوروبا منذ ما يزيد على أربعين عاما، كتبت خلال ذلك تسع روايات، ست منها تدور أحداثها في الوطن. كتبتها متكئا، إلى حد كبير، على الذاكرة الفردية. أما الذاكرة الجمعية، في حال الشعب الفلسطيني، فهي هيكل تاريخنا وبرهان وجودنا. من الواضح أن كل شعب بحاجة إلى سردية تتكئ على ذاكرة لإثبات وجوده في معركة الصراع على الوجود.

واضح أن الوجود الفيزيائي والحضور الراهن ليس دليلا كافيا على الحضور التاريخي. امتلاك أي شعب لذاكرة جمعية، تحتضن تراثه، ومطبخه، وتاريخ لغته المحكية، هو الأداة الأكثر تأثيرا لمواجهة التشكيك بوجوده. لا يكفي الخطاب العاطفي، والثقة بالنفس، والشعارات القوية لمواجهة حملات التشكيك القوية. امتلاك الذاكرة أساس بناء السردية المضادة، وللرواية دور أساسي في تقديم ملامح تلك السردية وبنائها على الذاكرة الفردية والجمعية.

++ مقتطفات من شهادة قدمها الكاتب في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، (7 ـ11 أيار).