ما انفكّت تداعيات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «أف بي آي»، جيمس كومي، تتوالى ويتعاظم وقعها داخل الطبقة السياسية الأميركية. وكان آخر تلك التداعيات التهدّيد المبطّن الذي وجّهه ترامب، بإذاعة تسجيلات صوتيه لمحادثاته مع كومي، «إذا بادر الأخير إلى الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام»، الأمر الذي زاد من تأجيج العاصفة التي فجّرها أصلاً قرار الإقالة المفاجئ (9/5)، والتبريرات الغامضة وغير المقنعة، بل والمتناقضة، لاتخاذه!.

وكان القرار أثار انتقادات واسعة وشكوكاً حول خلفياته والأسباب الحقيقية التي وقفت وراءه، والتي وصلت حدّ توجيه اتهامات، من قبل مشرّعين «ديمقراطيين»، بأنّه يهدف إلى «محاولة طمس حقائق» تتصل بالتحقيق الذي تجريه الـ«إف بي آي» بشأن المزاعم المتعلقة بـ «تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتواطؤ محتمل بين مسؤولين في حملة ترامب الانتخابية والحكومة الروسية».

وأبدت مصادر سياسية أميركية استغرابها من تدني السجال بين الرئيس الأميركي ومؤسسات الدولة إلى هذا المستوى (التهديد)، فضلاً عن استمرار لجوء ترامب إلى وسائله التي كان يستخدمها حين كان مرشحاً، وهي التغريدات على موقع «تويتر»!.

ارتجال وعشوائية

ورأت المصادر أنّ ترامب يتصرف، كرئيس للولايات المتحدة، وكأنه ما زال يدير شركاته أو فنادقه، وليس الدولة التي تفاخر بأنها «الديموقراطية الأولى في العالم». فقراراته تتسم بالارتجال والاعتباطية، ولا تراعي احترام «المبدأ المقدس في أي نظام ديموقراطي، وهو الفصل بين السلطات»، وعدم تدخل الرئيس في شؤون القضاء، أو في حرية الإعلام والتعبير.

وكمثالٍ على اعتباطيته وتناقضه؛ فقد برّر قرار إقالة كومي بسبب «أدائه السيء وعدم كفاءته في إدارته التحقيق بقضية البريد الإلكتروني الخاص بالمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون، عندما كانت وزيرة للخارجية»، علماً أن ترامب كان أشاد سابقاً بمهنية كومي، وذلك بالضبط، لأنه «فتح تحقيقاً في سوء استخدام هيلاري كلينتون لبريدها الإلكتروني»، وها هو يعود الآن ليقول بأنّ كومي «أساء إدارة التحقيق بحق كلينتون»، مع أنه سبق وهدّد منافسته أيضاً بدخول السجن خلال إحدى المناظرات الانتخابية بينهما!.

كما اعتبر الرئيس الأميركي أنّ كومي «استعراضي، وخسر ثقة الجميع في واشنطن من المعسكرين الجمهوري والديمقراطي». لكن القائم بأعمال مدير «اف بي أي»، أندرو ماكابي، وكبار المشرعين في الكونغرس نفوا ذلك. وقال ماكابي إنّ كومي «كان، وما يزال، يتمتع بدعم واسع داخل اف بي آي»، مضيفاً أن لدى «الغالبية العظمى من موظفي اف بي آي صلات عميقة وإيجابية مع كومي». ووعد ماكابي بإخطار أعضاء مجلس الشيوخ بأي تدخل من البيت الأبيض في التحقيق الخاص بروسيا، متعهداً بأن «يمضي التحقيق في صلات محتملة بين حملة ترامب وروسيا بقوة».

كما رفض كبار أعضاء مجلس الشيوخ وصف ترامب لكومي، بأنه استعراضي. وأقدم بعض الجمهوريين، الذين كانوا أعلنوا تأييدهم لترامب بعد تردّد، على النأي بأنفسهم مجدداً عن الرئيس. وتساءل بعضهم عن «توقيت الإقالة وسببها الحقيقي»؟، مشيرين إلى «غرابة» بعض ما جاء في رسالة ترامب إلى كومي بشأن الإقالة!.

وإلى ذلك، فقد أثار قرار ترامب، بداية، الإبقاء على كومي في منصبه، الدهشة في أوساط المنتقدين الذين رأوا فيه «مكافأة ضمنية على دوره في التقليل من فرص كلينتون خلال الانتخابات».

لكن، وفي غضون أشهر قليلة، عاد كومي مجدّداً إلى الواجهة، مستهدفا ترامب هذه المرة. فخلال شهادة أدلى بها أمام الكونغرس الشهر الماضي، «تحدّى كومي الرئيس بشكل علني رافضاً ادعاءه المفاجئ بأن أوباما كان يتنصت عليه»!. ثم نُقل عنه فيما بعد، أنه «يعتزم توسيع التحقيق بشأن دور موسكو في الانتخابات».

«كومي غيت»

أما الديموقراطيون فقد أعربوا عن قلقهم، معتبرين أن «تحقيق اف بي آي بات الآن في خطر»، ودعا عددٌ منهم إلى ضرورة «تولي لجنة مستقلة استكمال التحقيقات». و رأى زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر أنّه في حال عدم تعيين قاض مستقلّ لمتابعة التحقيق، فـ«يحق حينها لكل أميركي التشكيك في أنّ قرار إقالة كومي جزءٌ من عملية التستر على أمور متعلقة بالقضية». وشبّه بعضهم الأمر بـ«النيكسونية»، معتبرين أن «تبرير ترامب لإقالة كومي سخيف»، وبأنه «ليس أكثر من ورقة توت للتغطية على الحقيقة»، وهي أن الرئيس أزاح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي في خضم أحد أكثر تحقيقات الأمن القومي حرجاً في تاريخ الولايات المتحدة، في إشارة إلى الاتهام بـ«التدخل الروسي لمصلحة حملة ترامب الرئاسية». وهي التهمة التي أطاحت، من قبل، بمستشار الأمن القومي مايك فلين.

وعليه، فقد استدعى قرار ترامب، لدى البعض، فضيحة «ووترغيت» التي أطاحت بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، حيث قارن العديد من المعنيين بين إقالة كومي وطرد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون المدعي العام أرشيبالد كوكس عام 1973، وما لحق ذلك من عزل نيكسون عن الرئاسة. وفي سياق ذلك، أدرج مراقبون المطالبات الداعية إلى «تشكيل لجنة مستقلة لإدارة التحقيقات المتصلة بمزاعم التدخل الروسي في الانتخابات».

وإذا كان الوقت لا يزال مبكراً لاستشراف آفاق هذه الأزمة، وتقييم ما إذا كانت ستؤول إلى تهديد مستقبل الرئيس الأميركي بشكل جدّي أم لا؟، وخاصة بعد أن رفض كبار المسؤولين الجمهوريين مطلب الديمقراطيين بـ«تعيين مدعٍ عام خاص للتحقيق في العلاقات المفترضة بين أفراد فريق ترامب الانتخابي وروسيا»، مشيرين إلى أن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ «ستواصل تحقيقاتها، وإن الكونغرس سيكون له رأي حاسم عند تعيين خلفٍ لكومي»، إلا أن مصادر أميركية عدة تحدّثت عن «حساسية الموقف الذي يهدّد طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسات الأمن في البلاد». خاصة وأنّ الـ«اف بي آي» تعتبر مؤسسة مهمة جداً بالنسبة للأميركيين، ومديرها يُعيّن بولاية من عشر سنوات، بوصفه شخصاً مهنياً بعيداً عن الانحياز لهذا الحزب أو ذاك.

وكانت التحقيقات الأولية التي أجرتها «اف بي آي» توصلت إلى نتيجة مفادها أن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعطى الضوء الأخضر لحملة واسعة بهدف قلب نتيجة الانتخابات الرئاسية لتصبّ في صالح ترامب».

وعلى رغم نفي ترامب وموسكو للاتهامات، واعتبارها «أخباراً كاذبة»، إلا أنه بات واضحا بشكل متزايد أن كومي كان وضع مسألة التدخل الروسي في الانتخابات نُصبَ عينيه، وهي «مسألة ألقت ظلالاً قاتمة على رئاسة ترامب منذ بداية عهده»؟!.

 

السودان خارج «اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب»

خلت لائحة أميركية للدول الراعية للإرهاب، أعلنت أخيراً، من اسم السودان، بينما ورد فيها اسم إيران باعتبارها «الراعي الأول للإرهاب في العالم». ولم يعرف بعد إذا كان استبعاد السودان من هذه اللائحة، سيؤثر على وضع الرئيس السوداني عمر البشير، بوصفه «مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، على خلفية الصراع الدموي الذي دار منذ سنوات في دارفور». كما ربط بعض المحللين بين استبعاد السودان من اللائحة، وانضمامه إلى «التحالف العربي» الذي يقاتل في اليمن، تحت قيادة المملكة السعودية.

واعتبرت الاستخبارات الأميركية، في تقرير إلى الكونغرس، أنّ الخرطوم «أوفت بحزمة شروط تمهّد لرفع العقوبات المفروضة عليها منذ عشرين سنة». وورد في التقرير الذي قدّمه مديرها دانيال كوتس إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، أن «النظام السوداني التزم بشكل كبير بوقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع». وبأنه «لم يقم بمنع توزيع المساعدات الإنسانية»، وهو شرط وضعته الإدارة السابقة للرئيس باراك أوباما لرفع العقوبات، فيما اتهم التقرير حكومة جنوب السودان بأنها «لا تزال تستمر في إعاقة إيصال المساعدات الإنسانية».

وأضاف التقرير أن «السودان يسعى عموماً إلى استمرار الحوار البناء مع واشنطن»، وهو ما كان مهّد لقرارها رفع بعض العقوبات عنه في كانون الثاني/ يناير 2017. وأشار إلى أن «السخط الشعبي بسبب الاقتصاد الضعيف وإجراءات التقشف ستختبر قدرة الحكومة السودانية على ضبط النظام».

وكانت واشنطن اشترطت لرفع العقوبات نهائياً أن تقدم أجهزة الدولة تقريراً بحلول 12 تموز/ يوليو المقبل، يفيد بأن السودان ملتزم بعدة شروط منها مكافحة الإرهاب، والإيفاء بتعهده بوقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع.