تسلّم الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون، مقاليد الحكم (14/5)، في احتفال تقليدي في الإليزيه، ليصبح بذلك ثامن رئيس للجمهورية الخامسة.

وقد أبدى الرئيس الجديد في خطابه الافتتاحي، حرصه الشديد على «توحيد الفرنسيين وإعادة إطلاق أوروبا من جديد»، وتعهد باستعادة وضع فرنسا على الساحة العالمية، وتعزيز مشاعر الثقة في النفس على المستوى الوطني، وعلاج الانقسامات التي أثارتها الحملة الانتخابية الشرسة، مشدداً على أن «الجهود التي سيبذلها، ستحدد مصير فرنسا»، في إشارة إلى التهديدات الإرهابية والصعوبات الاقتصادية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

وكانت الحملة الانتخابية كشفت عن انقسامات عميقة في المجتمع الفرنسي؛ تطال دور فرنسا في أوروبا وموقفها من الهجرة وسياسات إنعاش الاقتصاد الراكد الذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة.

ويشعر كثير من الفرنسيين بفقدان الفرص بسبب العولمة وانتقال وظائف التصنيع إلى الخارج، فيما تُشوّش الهجرة والعالم المتغير بسرعة على إحساسهم بهويتهم الفرنسية.

وانعكست إرادة الرئيس الجديد بتوحيد الفرنسيين، في إشادته بأسلافه الرئاسيين كافة من اليمين واليسار، من الجنرال ديغول إلى هولاند.

ولأول مرة في فرنسا، خامس أكبر اقتصاد في العالم وإحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي، سيتولى فيها السلطة «وافد جديد شاب»، لا ينتمي إلى أي حزب سياسي معروف، ليصبح بذلك أول رئيس يولد بعد عام 1958، عندما أسس الرئيس شارل ديغول الجمهورية الخامسة.

رهان على أوروبا

وقد اختار ماكرون برلين كوجهة خارجية أولى له، مراهناً على تعميق علاقات بلاده مع ألمانيا، الدولة القائدة في الاتحاد الأوروبي.

وكان ملفتا أن يقدم ماكرون أوروبا على الكثير من الأولويات المحلية، الأمر الذي يعني عمق مراهنته على مشروع الاتحاد الأوروبي. واعتبر مراقبون أن الرئيس الجديد أراد تأكيد تميّز فرنسا عن حلفائها الغربيين، لا سيما الولايات المتحدة، تبعا للنهج الذي تبناه الجنرال شارل ديغول، الذي أرسى أيضا سياسة فرنسا العربية، التي اعتمدت أيضا من قبل الرؤساء الاشتراكيين في ما بعد.

وقد تحدث ماكرون عن «معاهدة لإعادة بناء الاتحاد الأوروبي»، لكن فكرة تعديل الاتفاقيات الأوروبية تشكل خطاً أحمر لدى برلين منذ أن رفض الفرنسيون مشروع الدستور الأوروبي في 2002.

ويطرح ماكرون تخصيص ميزانية وبرلمان ووزير مالية لمنطقة اليورو، وهي قضايا يمكن أن تغضب المسؤولين الألمان، الصارمين جدا على الصعيد المالي، في وقت يعرب فيه كثيرٌ من المحافظين المحيطين بميركل عن شكوكهم بدعوات ماكرون لتوثيق التكامل خشية أن تتحول منطقة اليورو إلى اتحاد تصبح فيه ألمانيا مطالبة بالسداد بدلا من الدول المتعثرة التي تقاوم الإصلاح.

 

ماكرون يغازل اليمين بتعيينه إدوار فيليب رئيساً للحكومة

كشف اختيار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للنائب «الجمهوري» اليميني المعتدل، إدوار فيليب (46 عاماً)، رئيساً للوزراء، عن رغبته في الجمع بين كافة الأطياف السياسية، والتقرب من تيار اليمين بهدف اجتذاب المزيد من المؤيدين في الانتخابات التشريعية الحاسمة، علماً أنّ هذه هي المرة الأولى في التاريخ السياسي المعاصر لفرنسا التي يعين فيها رئيس الجمهورية رئيساً للحكومة من خارج معسكره السياسي، من دون أن تجبره هزيمة في الانتخابات البرلمانية على ذلك!.

وحسب محللين فرنسيين، يأمل الرئيس الجديد من وراء خطوته هذه ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن جهة يكون قد وجه رسالة تقدير واحترام للقاعدة الشعبية اليمينية في البلاد مقنعاً إياها بأنه فعلياً قد شرع بتنفيذ مشروعه التصالحي لتقليص الشرخ الحاصل بين شرائح المجتمع الفرنسي، ومن جهة ثانية يكون قد خطا خطوة مستقبلية مسرحها البرلمان، على أمل تسهيل عملية تمرير مقترحاته ومشاريعه الرئاسية من دون عراقيل.

وفيما اعتبر البعض أنّ من شأن هذا التعيين أن يجتذب أصوات قسم من اليمين لتأمين غالبية في الجمعية الوطنية خلال الانتخابات التشريعية المرتقبة في حزيران/ يونيو، رأى آخرون أنّ الغرض منه هو «زعزعة حزب «الجمهوريين» وإضعافه تمهيداً للاستيلاء على مواقعه التقليدية في الانتخابات.

وفي هذا السياق، فقد تبرّأ فرانسوا باروان، رئيس حزب «الجمهوريين»، من إدوار فيليب، لقبوله تشكيل الحكومة، في وقت يعاني فيه الحزب من تشتّت صفوفه. وقد أصدر 21 نائباً عن الحزب اليميني، إضافة إلى شخصيات لها ثقلها فيه ووزراء سابقين، بياناً مشتركاً حثوا فيه الحزب على الرد بإيجابية على «يد الرئيس الممدودة».

ورئيس الحكومة المكلف غير معروف كثيراً لدى الفرنسيين، عمل كمدير للعلاقات العامة لمجموعة «أريفا النووية» الحكومية بين عامي 2007 و2010، قبل أن يصبح عضواً في البرلمان عام 2012، ثم رئيسا لبلدية لوهافر (في منطقة النورماندي) منذ العام 2010، وحتى عام 2014. وهو مقرّب من رئيس الحكومة الأسبق آلان جوبيه، وبدأ حياته السياسية كناشط «اشتراكي» (يساري) قبل أن يتحول إلى اليمين.

 

بذلة متواضعة

كان لافتاً أن الرئيس الفرنسي الجديد ارتدى بذلة متواضعة، قيل إن سعرها بلغ 450 يورو، في محاولة، على ما يبدو، للنأي بنفسه عن البهرجة والبذخ، بينما استعارت زوجته زياً من قطعتين من دار أزياء شهيرة.

وخلافا للتقاليد اختار ماكرون الانتقال إلى قوس النصر في سيارة جيب عسكرية، وليس ليموزين، ووقف تحت المطر دون معطف يقيه ولا مظلة، لإيقاد شعلة تكريماً لقتلى الحرب الفرنسيين عند قبر الجندي المجهول.

 

الانتخابات التشريعية.. ميزان اختبار لقدرة ماكرون على التجديد

كشف الرئيس الفرنسي المنتخب إيمانويل ماكرون أسماء غالبية مرشحيه إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة، ودلت الأسماء على استعانته بكثير من «الاشتراكيين»، قبل أن يسند رئاسة الوزراء إلى «الجمهوري» إدوار فيليب. سعياً منه إلى تشكيل كتلة برلمانية وازنة، بالاستناد إلى دعم جزء من القاعدة الانتخابية والسياسية لكلا الحزبين التقليديين، في وقت يعوّل فيه ماكرون على نيل غالبية 289 مقعداً نيابياً، ما يسهل تبنّي قوانين مطلوبة لتحقيق إصلاحات وعد بتنفيذها.

واختارت الحركة نصف مرشحيها من شخصيات المجتمع المدني والنصف الثاني من النساء، في حين اقتصر عدد النواب السابقين في لائحتها على 24 جميعهم من الحزب الاشتراكي، ولم تتضمن أي نائب سابق من حزب «الجمهوريين» اليميني.

وأكدت الحركة أن اللائحة «تعكس التجديد باعتبار أن 52 % من المرشحين لم يتولوا سابقاً أي منصب رسمي، وكذلك المساواة بين عدد النساء والرجال، إضافة إلى التعددية، كون المرشحين يمثلون مختلف الأوساط السياسية في الجمهورية». وأشارت إلى أن من بين المرشحين 2 % من العاطلين عن العمل، و4 % من المتقاعدين، وتتراوح أعمارهم بين 24 و72 سنة.

وكان ماكرون حدد معايير دقيقة اتبعت في اختيار المرشحين، من بينها عدم صدور أحكام في حقهم حرصاً على النزاهة والصدقية. كما تعمد أن يكون نصف المرشحين من المجتمع المدني من أجل كسر احتكار خريجي المعاهد الفرنسية النخبوية للحياة العامة.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيلاب»، أن 52 % من الناخبين يريدون فوز ماكرون بغالبية برلمانية. لكن استطلاعات أخرى أشارت إلى صعوبة حصول معسكره على غالبية قوية أو مطلقة تسمح له بالحكم من دون التعرض لضغوط من أحد.

ولم تستعجل الحركة اختيار مرشحيها في نحو 149 دائرة انتخابية يعتبرها محللون بأنها «شديدة الحساسية»، في حين برر الأمين العام للحركة ريشار فران ذلك بـ «ضرورة الإفساح في المجال أمام مزيد من المشاورات لكي تخدم الترشيحات شعار إعادة تشكيل الخريطة السياسية لفرنسا من خلال منح نواب اليمين فرصة الانضمام إلى الحركة، والتعمق في درس الترشيحات في أقاليم ما وراء البحار».

وأعلن فران أنّ الحركة لم تقبل ترشّح رئيس الوزراء السابق إيمانويل فالس ضمن قائمتها للانتخابات، على رغم أنه أبدى رغبته بذلك، «لأنه لم يلبِ كل الشروط المطلوبة في طالبي الترشيح، وفي مقدمها الانضمام إلى الحركة».

لكن فران أشار إلى أن فالس، النائب عن منطقة إيفري في ضاحية باريس، لن يواجه منافساً من الحركة التي «ترغب في جمع الفرنسيين، وعدم إهانة أحد، خصوصاً أن رئيس الوزراء السابق دعم ماكرون قبل الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية».

وستكون الانتخابات التشريعية حاسمة بالنسبة إلى ماكرون، الذي عليه أن يقنع الفرنسيين بأنه يستحق الحصول على الأغلبية ليتمكن من الحكم وإدخال الإصلاحات التي وعد بها، وتمرير خططه الهادفة إلى خفض الإنفاق الحكومي وتعزيز الاستثمارات وخلق فرص عمل بعد سنوات من الوهن الاقتصادي.