من حق أي مواطن فلسطيني يعتقد بأن م.ت.ف، هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبه، وأن اللجنة التنفيذية هي القيادة اليومية لهذا الشعب، معنية بأن تسهر على مصالحة وحقوقه وأن تعني بقضايا، وأن تحمي قضيته وأن تتابع تطوراتها وأن تتخذ بشأنها القرارات اللازمة،.. من حقه أن يتساءل أين هي هذه اللجنة، وأين هي القيادة. ومن تراه يأخذ القرارات بشأن القضية، خاصة في ظل غياب (أو تغييب) اللجنة التنفيذية لأكثر من ثلاثة أشهر لم تجتمع. لم تناقش. لم تأخذ القرارات اللازمة. والأهم من هذا من هو المعني باتخاذ القرارات في ظل غياب (أو تغييب) اللجنة التنفيذية.  وهل أصبحت م.ت.ف. مؤسسة رئاسية، ينوب رئيس اللجنة التنفيذية عن كل المؤسسات في إتخاذ القرارات المناسبة. أم أن هناك «قيادة ظل»، هي التي تقوم بهذا العمل، بعيداً عن الأضواء، وخارج إطار أية مساءلة نظامية أو قانونية أو سياسية مؤسساتية.

لقد شهدت القضية الفلسطينية تطورات عدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

• إنعقدت قمة عمان العربية. تشكل الوفد الفلسطيني بقرار لم تكن اللجنة التنفيذية معنية به. كما جرى تحضير الملفات الضرورية بإسم الدولة الفلسطينية [التي تعتبر اللجنة التنفيذية حكومتها المؤقتة] دون العودة إلى اللجنة التنفيذية. حضر رياض المالكي (مثلاً) بإعتباره عضواً في الوفد، رغم أنه وزير خارجية السلطة ذات المسؤوليات المحدودة في القطاع والضفة. وليس عضواً في اللجنة التنفيذية. وهو من مثل «دولة فلسطين» في إجتماعات وزراء الخارجية التحضيرية. أين هي دائرة الشؤون السياسية في م.ت.ف. ولماذا لم يتشكل الوفد الفلسطيني من أعضاء اللجنة التنفيذية. السبب هو الإصرار على تغييب اللجنة التنفيذية.

• إنتهت القمة العربية، وصدرت القرارات. وجرت مشاورات خلف الجدران. بعضها كان مستوراً، لأسباب مفهومة، وبعضها تقصدت الدوائر تسريبه، ولأسباب معلومة أيضاً. ما هو تقييم اللجنة التنفيذية لأعمال القمة العربية. ماهي التوجهات الفلسطينية، والعربية التي بنيت على أساس من نتائج أعمال القمة العربية. لا جواب لدى اللجنة التنفيذية لأنها كانت الطرف الرئيسي المغيب.

• صدرت سلسلة قرارات على يد حكومة السلطة تخص رواتب ومصاريف قطاع غزة بما في ذلك المساعدات التي تقدمها وزارة الشؤون الإجتماعية إلى الحالات الإجتماعية الصعبة. كذلك تسربت أنباءً عن تحضيرات لإعادة النظر بلجنة الشؤون الإجتماعية الخاصة بالأسرى والشهداء (تحت رئاسة الأخت أم جهاد) وإعادة النظر بمبدأ صرف مستحقات هؤلاء الأسرى ومستحقات عائلات الشهداء.

 وأثارت هذه الأنباء ضجة كبرى في صفوف الحالة الفلسطينية. ولم يعد سراً القول أن الجانب الأميركي طلب رسمياً من أبو مازن أن يوقف دفع رواتب الموظفين في القطاع، وأن يتوقف عن رصد ميزانيات خاصة بوزارات السلطة في القطاع، وأن يتوقف عن إمداد مدارس القطاع بالمواد التربوية ومستشفيات القطاع بالمواد الطبية وبالأدوية وأن ثمة نية للضغط على الجهات الممولة لوقف تمويل المؤسسات والجمعيات الأهلية في القطاع بذريعة تجفيف تمويل حماس. وصدرت على لسان أبو مازن تصريحات واضحة، بهذا الشأن كما صدرت تصريحات مماثلة على لسان مسؤولين أخرين في فتح والسلطة. من إتخذ هذا القرار السياسي الخطير وأين هي اللجنة التنفيذية. وهل هي مسألة تجفيف مصادر حماس أم تشديد الخناق على الشعب الفلسطيني.

• وفي قضية خطيرة أخرى، بدت اللجنة التنفيذية هي الغائب الأكبر. نعني بذلك قضية الأسرى. ها هو إضرابهم البطولي يدخل شهره الثاني (أسبوعه الخامس) وفي الوقت الذي تحركت فيه الأحزاب والقوى الفلسطينية (بنسب مختلفة ولأسباب باتت مكشوفة) كما تحركت فيه القوى والأحزاب العربية (تونس، المغرب، العراق، لبنان، الأردن، البحرين، الكويت، سوريا، السودان، مصر) بقيت اللجنة التنفيذية متفرجة على المشهد وكأنها مجرد مراقب.

لم يصلنا للأسف أن أعضاء اللجنة التنفيذية قد ساهموا في الاعتصام بالخيم المنصوبة في أنحاء الضفة الفلسطينية. كما لم تصلنا أنباء عن مشاركتهم في مسيرات الغضب تضامناً مع الأسرى. هنا السؤال لا يقتصر على رئيس اللجنة التنفيذية وحده بل يطال كذلك كل أعضاء اللجنة التنفيذية دون إستثناء، العاملون منهم، والمراقبون.

• أما بشأن القمة الأميركية ـــــ الفلسطينية. فتتبادر إلى الأذهان العديد من التساؤلات. وهي شبيهة إلى حد كبير بالتساؤلات الخاصة بالقمة العربية بدءاً من تشكيل الوفد، وصولاً إلى تحضير الملفات.

الأكثر أهمية هنا هو السؤال عما دار في اللقاءات بين الرئيس ترامب وأبو مازن، ومع أركان الإدارة الأميركية. الصحف الغربية حافلة بالمعلومات وكذلك الصحف العبرية وبعض الصحف العربية. ما جاء في الصحف الفلسطينية شحيح ولا يكشف حقيقة ما دار. ما جاء في الصحف الأجنبية خطير وخطير جداً. خطورته لا تقتصر على ما قاله ترامب لأبو مازن، بل وكذلك على ما قاله أبو مازن لترامب. أين هي المحاضر الرسمية للقاءات. هل جرى توزيعها على أعضاء اللجنة التنفيذية أم أن هؤلاء، مثلنا، يستقون معلوماتهم من الصحف ووكالات الأنباء. هل قيمت اللجنة التنفيذية نتائج القمة في واشنطن.

• أمر آخر يحتاج إلى وقفة. هو جولة ترامب والحديث عن المؤتمر الإقليمي العربي الإسرائيلي. هل دخلت اللجنة التنفيذية الصورة. أم أن القضية الفلسطينية، ستوضع على جدول أعمال الأطراف الدولية والإقليمية بينما «قيادة م.ت.ف» غائبة أو مغيبة.

قد نستمر طويلاً في عرض قضايا مهمة مرت علينا ومازلنا نعاني نتائجها في ظل غياب القيادة الفلسطينية ممثلة باللجنة التنفيذية. منها الإنقسام وتداعياته، وتطورات الموقف لدى حماس وكيف يجب أن يتم إستقبال هذا الموقف. منها ذكرى النكبة ودور اللجنة التنفيذية في إحياء الذكرى وطنياً (بيان صحفي كحد أدنى!).

ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها تغييب اللجنة التنفيذية في م.ت.ف مع ضرورة التنبه إلى أن المجلس المركزي مغيب منذ 5/3/2015 وإن قراراته معطلة بقرار منفرد من أبو مازن. مع ضرورة التنبه إلى أن المجلس الوطني الفلسطيني معطل منذ العام 1996. وأن الانتخابات الرئاسية معطلة منذ العام 2010. وكذلك التشريعية. (2010). كل شيء في مؤسسات السلطة معطل. حتى الحكومة في السلطة الفلسطينية، دورها معطل في القطاع، ولا تعمل في الضفة إلا بقرارات «الرئيس»، بحيث باتت عملياً «حكومة الرئيس» ولم تعد لا حكومة السلطة ولا حكومة الشعب. هذا الإهتراء، ينذر بمخاطر كبيرة، خاصة وإن الحالة الفلسطينية مقبلة على تطورات مهمة وذات شأن ومصيرية في ظل الهجمة الأميركية على قضايا المنطقة.

أليس من بين أعضاء اللجنة، التنفيذية من يتقدم إخوانه وزملاءه ليعلق الجرس؟!