لا تخفي أوساط السلطة الفلسطينية تفاؤلها بنتائج زيارة الرئيس عباس إلى واشنطن. وخلال شهرين فقط انتقلت هذه الأوساط من حالة التشاؤم وهواجس التهميش على يد الرئيس الأميركي الجديد وإدارته، إلى وضع مختلف تماماً منذ المكالمة الهاتفية بين البيت الأبيض ومقر المقاطعة في رام الله.

وقرأت هذه الأوساط ـ على طريقتها ـ لقاءات غرينبلات مبعوث الرئيس الأميركي مع قيادة السلطة ومسؤوليها وخرجت باستخلاص مفاده أن هذا الاهتمام «الترامبي» يؤكد إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وعدم إمكانية تجاوزها، ربطاً بالاعتراف بشرعية قيادة السلطة ومنظمة التحرير.

أما الشروط التي طلب غرينبلات من السلطة تنفيذها، فقد أرادت الأوساط المذكورة أن تفهم بأنها مجرد تبادل لوجهات النظر، وكأن التكافؤ هو المسار الذي حكم العلاقات الفلسطينية ـ الأميركية على امتداد العقود الماضية.

الفريق الأميركي الذي استقبل الوفد الفلسطيني تحضيراً لزيارة الرئيس عباس كان واضحاً عندما أكد عدم رضاه على أداء السلطة ومؤسساتها. وإذا كان قد تحدث عن مظاهر الفساد الذي يسري في عدد من هذه المؤسسات، فإنه في الجوهر طلب إعادة تأهيل المؤسسة الأمنية للسلطة بما يلبي الدور الذي يرضي الاحتلال، عبر الانتقال من التنسيق الأمني إلى التعاون. وما طرحه الفريق الأميركي كان قد طلبه غرينبلات مباشرة عند زيارة مقر المقاطعة في رام الله. حتى الوفد الفلسطيني، وجد نفسه أمام تقاطعات واسعة بين ما طرحه الفريق الأميركي وبين ما كرره مراراً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن الشروط الأمنية الواجب توافرها كي يستعيد المفاوض الفلسطيني «جدارته» بأن يكون شريكاً في عملية التسوية، وما بين إدارتي أوباما وترامب، لم يتغير القاموس الأميركي في تعريف «الإرهاب».

 وكما كان كيري يؤكد على أن الانتفاضة الشبابية الفلسطينية إرهابية، فإن إدارة ترامب شددت منذ بداية لقاءاتها مع السلطة على ضرورة نبذ التحريض ضد الاحتلال، وليس فقط مقاومته.

وإذا كانت إدارة أوباما وسابقاتها تتدخل مباشرة في توجيه وظيفة مؤسسات السلطة عبر التحكم بوجهة انفاق المساعدات الدولية التي تعيلها، فإن إدارة ترامب دخلت على خط وظائف مؤسسات منظمة التحرير عندما تدخلت في بنود اتفاق الصندوق القومي الفلسطيني وطلبت وقف صرف المساعدات لذوي الشهداء والأسرى. ودخلت على خط الانقسام على الطريقة الإسرائيلية من زاوية العمل ليس فقط على تأبيده، بل وتفاقمه عبر الطلب الذي قال به غرينبلات بقطع التمويل عن المؤسسات في قطاع غزة.

في المسار السياسي، لم تعط إدارة ترامب أي إجابة شافية لسيل التساؤلات التي لهجت بها السلطة الفلسطينية حول حقيقة رؤية هذه الإدارة لعملية التسوية ومآلاتها. وتعمد فريق ترامب إطلاق تصريحات قطعية حول عدم تبني «حل الدولتين» ليتبين لاحقاً أن الهدف هو إطلاق «مناقصة» جديدة مفادها الإفراج عن الحديث عن هذا الحل، مقابل إجراءات وخطوات فلسطينية عملية ضمن دائرة التأهيل الأمني كما ورد سابقاً. لكن الأخطر، هو وضع عربة تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في المضمار الإقليمي ضمن ما أطلق عليه «صفقة ترامب». وعندما عقدت القمة العربية في عمان، وكررت قراراتها ذات الصلة بخصوص القضية الفلسطينية تبين أن المسار الذي سيوجه العمل العربي بخصوص هذه القضية هو بوصلة المحددات الأميركية التي طرحها غرينبلات مع أكثر من طرف عربي على هامش حضوره افتتاح القمة. وبالنسبة لإدارة ترامب، كل قضايا المنطقة في سلة واحدة، ويحكم ترتيب أولوياتها جدول أعمال الإدارة المذكورة واهتماماتها.

وتجاوزت إدارة ترامب، مستفيدة من الأحداث في المنطقة، معادلات حكمت توجهات إدارات أميركية سابقة اعتمدت تقديم يافطة التسوية على جبهة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، كمدخل لتحشيد أطراف عربية في خدمة أجندتها في المنطقة. بينما الآن يتم قلب الأولويات، عبر «التطبيع قبل التسوية». حتى أن أطرافاً عربية عدة مستعدة للتطبيع الرسمي المعلن مع إسرائيل بمجرد إعلان استئناف المفاوضات مع إسرائيل.

ويستفيد كل من واشنطن وتل أبيب من تنامي «القلق الكياني» لدى عدد من الدول العربية كي تضغط باتجاه تهميش القضية الفلسطينية لصالح تهدئة هواجس هذه الدول؛ وبالتالي، فإن أية رهانات على الجعبة «الترامبية» هي خوض في متاهة الأمنيات وإنعاش وهم القدرة «الخاصة» على إقناع واشنطن بعدالة الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو الوهم ذاته الذي تبدت مظاهره مع مقدمات إطلاق التسوية عقب أوسلو والتبشير  بقرب الاستقلال الناجز ونشر الوعود بالازدهار الاقتصادي المرتقب.

لذلك، لن يكون ـ برأينا ـ مجدياً الرهان على دور أميركي نزيه وخاصة أن واشنطن لن تطلق وعوداً قبل أن تنفذ السلطة الفلسطينية الشروط الأميركية. وحتى بعد ذلك، لن يعني إطلاق الوعود أي أفق لتحقيقها.

المسار الوحيد المجدي، هو المسار الذي تمتلك الحالة الفلسطينية خطوطه الأساسية شرط توافر الإرادة السياسية. ونقصد بذلك الالتفات إلى الوضع الفلسطيني الداخلي وتصويبه. والأولوية في ذلك لوضع قرارات الإجماع الوطني موضع التنفيذ العملي المباشر. وهي قرارات تكفل معالجة جوهر الأزمات الفلسطينية المتراكمة بدءاً من الانقسام والتزام قرارات الحوارات الوطنية الشاملة بهذا الشأن.

ومن الضروري التأكيد على فشل سياسة استخدام قرارات الإجماع الوطني وخاصة قرارات المجلس المركزي الأخيرة كورقة صالحة للمساومة واستدراج عروض تفاوضية «أنسب». لقد فهمت كل من واشنطن وتل أبيب من التردد في تنفيذ هذه القرارات أن المفاوض الفلسطيني حكم نفسه بخيار وحيد. هو التفاوض، وربط مستقبله بهذا الخيار. لذلك، كانت السياسة الانتظارية التي مارستها القيادة الرسمية الفلسطينية هي الفضاء الرحب الذي تمددت فيه السياسات التوسعية والأمنية الإسرائيلية.

وفي سياق الالتفات إلى الوضع الداخلي، هناك الكثير من المهام الكبرى بانتظار العمل بها بفعالية بدءاً من دعم الأسرى وتظهير قضيتهم في المؤسسات الدولية، مروراً بدعم المقاومة الشعبية وإنهاض مقاطعة الاحتلال اقتصادياً وأمنياً.