يقول تشرشل أن نظام الحكم الديمقراطى هو أفضل الأسوء وهو تعبير مختصر جداً لكنه يحوى مضامين عميقة جداً عن الديمقراطية بوجهها الحقيقى كما فهمها وطبقها هذا العملاق السياسى الفذ في أصعب الأوقات كما في أيسرها . ويروى التاريخ أنه خلال الحرب العالمية الثانية وعندما سوت طائرات المحور مدينة لندن بالأرض اضطرت المملكة المتحدة إلى إنشاء قواعد جوية خارج المدن وفى مناطق الريف الانجليزى بعيداً عن أعين الحلفاء خوفاً من استهدافها، لكن أهل إحدى تلك القرى المجاورة لم يرق لهم الأمر فما كان منهم إلا أن تقدموا إلى محكمة المقاطعة ورفعوا لها قضيتهم على تلك القاعدة التى كانت تقلع وتهبط منها طائرات الحلفاء وتضررهم من أصوات تلك الطائرات والأخطار التى قد تلحق بهم حال استهدافها كما استهدفت مدن المملكة فما كان من المحكمة إلا أن حكمت لهم بإخراج القاعدة العسكرية من البلدة فوراً لكن تنفيذ القرار كان بحاجة لتوقيع اللورد وينستون تشرشل ليشرع في التنفيذ، وهنا وقف تشرتشل أمام امتحان صعب بين إخراج القاعدة من البلدة وما يعنيه من خطر خسارة الحرب وبين خطر أكبر هو خسارة المملكة المتحدة لنظامها الديمقراطى، لكنه نجح في الامتحان ووقع أمر التنفيذ لقرار المحكمة وقال حينها قولته الشهيرة نخسر الحرب ولا نخسر الديمقراطية ولا يخسر القضاء البريطانى هيبته، وبعدها بسنوات قليلة انتصر تشرشل والأمة البريطانية لأن الأحرار هم من ينتصروا ولا نصرة للعبيد .

اليوم وبعد عشرية سوداء لا زالت تقبض بمخالبها على حالتنا السياسية الفلسطينية تجرى انتخابات محلية في الضفة الغربية بدون غزة المحتلة المحاصرة وهى المرة الثانية التى تجرى فيها مثل هذه الانتخابات المحلية، فقد جرت قبل أربع سنوات انتخابات مماثلة في الضفة، وتبدو الحالة السياسية في الضفة أكثر انفتاحاً وديمقراطية حيث تجرى الانتخابات على مستوى النقابات والاتحادات الطلابية بشكل دورى وديمقراطى واضح وشفاف يتيح للجميع المشاركة والفوز بشفافية وليس أدل على ذلك من فوز الكتلة الاسلامية لدورتين متتاليتين في جامعة بيرزيت وكذلك مشاركة مؤيدى حركة حماس بالانتخابات المحلية سواء بالترشح في قوائم مختلفة أو بالانتخاب وعدم ممانعة حركة حماس بمشاركتهم وذلك بدعوة السيد أبو زهرى لهم بالمشاركة، أما في غزة فتبدو الحالة على النقيض فلم تسمح حكومة الظل في القطاع ومن قبلها حكومة حماس من إجراء أى انتخابات لا على صعيد النقابات ولا الاتحادات الطلابية ولا المحلية، وقد يبرر البعض امتناع حركة حماس من إجراء الانتخابات المحلية في غزة لما شابها من تجاذبات وخلافات أدت إلى إجرائها في الضفة دون القطاع، لكن ما هو المبرر لتعطيل باقى الانتخابات على مستوى القطاع، لا يوجد هناك أى مبرر منطقى لتلك السياسة التى تمنع الحد الأدنى من الديمقراطية غير ذاك الفهم الاستبدادى للديمقراطية بتحديدها بالزمان والمكان المناسبين .

لا أحد يدعى أننا كشعب فلسطينى نمتلك إرث ديمقراطى أو لدينا تجربة عريقة في الديمقراطية ولا أحد بمقدوره اليوم أن يحلم أن بمقدورنا انتاج نظام ديمقراطى كنظام المملكة المتحدة، لكن في المقابل لا يستطيع أى حاكم أن يُقنع شعبه بأنه يمتلك نظام آخر غير النظام الديمقراطى وبمقدوره أن يصنع النصر والتحرير والحرية والتقدم والازدهار، ولا أحد يدعى أنه اكتشف العجلة فقد اكتشفت منذ آلاف السنيين وتم تجريبها .

لن يأتى الاستبداد بالتحرير ولا بالنصر ولا التقدم، على العكس سيتحول الاحتلال إلى عبودية والهزيمة إلى استسلام والتأخر إلى تخلف ومن لا يصدق فليقرأ التاريخ، علينا أن نختصر الوقت ونستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين أو حتى من تجارب عدونا وأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون وأن نسلك المسار الصحيح الذى أدى دوماً إلى النصر والحرية والتقدم، وأن نتوقف عن العبث بمستقبل الأجيال القادمة فيكفيهم ما قدمناه لهم من مآسى وانهزام .