بدون مقدمات، يفترض بنا أن نعترف بحالة التراجع التي أصابت حركة اللاجئين في السنوات الماضية، وتراجع زخمها عما كان عليه منذ أكثر من خمس سنوات. التراجع أصاب الجانب السياسي والقانوني [إذا جاز التعبير] من نشاطها، الذي برز منه، ولأسباب موضوعية جانبه النضالي من أجل الحقوق المدنية والإجتماعية والإنسانية، خاصة في لبنان أو سوريا، وقطاع غزة.

ففي هذه المناطق الثلاث، فرضت التطورات على اللاجئين التركيز على جانب معين من قضاياهم المعيشية بفعل الظروف الكارثة التي أصابتهم، وتراجع الإهتمام بالجانب السياسي والقانوني من حق العودة.

في سوريا، عكست الأزمة نفسها على اللاجئين الفلسطينيين، الذين أصابهم ما أصاب أشقاءهم السوريين من تهجير ودمار وقطع أرزاق وقتل وخطف وتشتيت وتمزيق للبنية الإجتماعية وتدمير للبنية التحتية في المخيمات.

وبالتالي تحول الشأن الإجتماعي والمعيشي إلى الهم الأول على حساب باقي الهموم، وبات الرجوع إلى المخيمات المدمرة هو الهدف المباشر، جنباً إلى جنب مع همّ تأمين لقمة العيش، ومكان آمن بديل.

وفي لبنان، برزت بوضوح إنعكاسات تراجع خدمات الأونروا على الهم اليومي، إلى جانب الهموم التي حملها معهم اللاجئون الفلسطينيون المهجرون من سوريا، فضلاً عن الجانب الأمني الذي أقلق سكان مخيم عين الحلوة بشكل خاص، وعموم المخيمات الفلسطينية في الوقت نفسه. يضاف لذلك الهم الدائم المتعلق بإستكمال  إعادة بناء مخيم نهر البارد.

• وفي قطاع غزة، يعاني اللاجئون ما يعانيه كل سكان القطاع من حصار وعدوان، ومأساة تهجير بعد أن دمر العدوان الإسرائيلي آلاف الشقق السكنية كما يعانون البطالة وشحة المصادر وتقطع مساعدات وكالة الغوث وغياب دور فاعل للسلطة في رام الله، ولسلطة الأمر الواقع متمثلة في حركة حماس.

 

مقارنة بين مرحلتين

 

إذا ما قارنا بين المرحلة الراهنة، والمرحلة التي عاشتها حركة اللاجئين، في منتصف تسعينيات القرن الماضي وما بعده، نلاحظ تراجعاً ملموساً في الجانب السياسي والقانوني من قضية اللاجئين. أمكن قراءته في أكثر من مظهر.

• أهمها تراجع الدور الملموس للجان الدفاع عن حق العودة. إذ بعد أن تحولت هذه «اللجان» إلى ظاهرة إمتدت على مستوى الفصائل، تقريباً دون أي إستثناء، وصولاً إلى صف من الناشطين المستقلين، تراجعت هذه الظاهرة، تراجعاً ملموساً، وإندثر صف واسع من هذه اللجان، إلا القليل منها. بعضها مازال يقوم بالحد الأدنى من دوره إعلامياً وبحثياً، والبعض الآخر، يقوم بمهام إغاثية وإنسانية ضمن الطاقات والإمكانات المالية المتوفرة، وهي شحيحة، إذا ما قورنت بحجم الأعباء الملقاة على عاتق هذه اللجان أو المؤسسات.

• بالمقابل نلاحظ أن دائرة شؤون اللاجئين، في م.ت.ف، والتي لم تسجل لنفسها أنها قدمت دعماً للجان الدفاع عن حق العودة أو للمؤسسات الإجتماعية الناشطة في صفوف اللاجئين، تحولت هذه الدائرة إلى مجرد لجنة محلية، محيطها ومحيط إهتمامها قطاع غزة، حيث يقيم رئيس الدائرة الدكتور زكريا الآغا.

صحيح أن إهتماماتها إنصبت على أمور القطاع وأنها حافظت ضمن هذا الإطار المحلي، على وتيرة إجتماعات معينة إلا أن الصحيح أيضاً أنها دائرة  معنية بكل فئات اللاجئين في كافة أماكن إقامتهم. وهذا أمر لم تقم به، سوى في المناسبات، حين كانت تكتفي بإصدار بيانات خاصة بكل مناسبة، وإن كنا لا نشكك بصدق شكوى رئيس الدائرة من أنها لا تتوفر على موازنة تقدم لها من قبل اللجنة التنفيذية، إلا أن هذه الشكوى دلالة كافية على طبيعة السياسة التي تتعامل بها اللجنة التنفيذية ورئيسها مع بعض الدوائر المهمة كدائرة شؤون اللاجئين.

• من جانب آخر،  نلاحظ تراجعاً في إسهام النخب الفلسطينية، الناشطة داخل الفصائل، أو المستقلة في إهتمامها بقضية اللاجئين. نقرأ هذا التراجع في غياب المقالات والدراسات التي كانت تصدر تباعاً، وتزين العديد من الصحف والمجلات، تلقى الضوء على التطورات السياسية والقانونية لقضية اللاجئين، وتشكل أداة معرفية وتعريفية بالقضية وتطوراتها، وبحيث أسهمت هذه الأعمال في بلورة ثقافة العودة، بجوانبها السياسية والقانونية وبنت خطاباً سياسياً فلسطينياً وطنياً، تحمل المسؤولية في التصدي للخطاب الإسرائيلي (أولاً)، ولخطاب جماعة أوسلو (ثانياً) الذين دعوا إلى حلول بديلة لحق العودة بذريعة أن هذا الحق «غير قابل» للتطبيق وأنه يشكل «عقبة» أمام الحلول السلمية. الملاحظ في هذا السياق، أن «ثقافة العودة» فقدت أدواتها الإعلامية والصحفية والبحثية هذه، وأن ما ساد في الحالة الفلسطينية هو صوت فريق أوسلو، الذي بات يدعو علناً، ودون أي تردد أو وجل إلى «حل متفق عليه» مع الجانب الإسرائيلي، وباتت مبادرة قمة بيروت (2002) غطاءه السياسي، وصارت بيانات النخبة للتنفيذية، الناطق الرسمي باسم م.ت.ف. تدعو علانية إلى «الحل العادل المتفق عليه» مع إسرائيل، علماً أن هذه الفكرة، هي واحدة من بنات أفكار شمعون بيريس، أحد طابخي مشروع أوسلو، وليست من بنات أفكار الفريق الفلسطيني. ويبدو أن الأذن الفلسطينية والعربية قد إعتادت، على مر الزمن، مثل هذه الحلول، التي، كما يبدو، لم تعد تشكل إستفزاز للمشاعر الوطنية كما كان عليه الحال قبل سنوات. وكأن الحالة العامة قد إستسلمت لمثل هذه الدعوات، وباتت على قناعة أنها الحل الوحيد المطروح. وهذا خطر جداً.

• كذلك نلاحظ غياب إهتمام النخب السياسية الفلسطينية بسياسات وكالة الغوث (الأونروا) رغم ما يطرأ على هذه السياسات من تطورات عميقة تقود إلى إعادة صياغة وظيفتها لتنسجم مع الدعوات إلى الحلول البديلة لحق العودة.

وصحيح (أيضاً) أن الحركة الشعبية في لبنان نشطت مؤخراً ضد سياسات الوكالة وإجراءاتها، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الحراك لم يكن يستند إلى دراسات وأرقام ومعرفة كاملة تمكن من مساجلة الدوائر المعنية للوكالة، والتي تحاول دوماً أن تموه على سياساتها بتقديم معلومات مغلوطة عن موازناتها وأرقامها وطبيعة خدماتها. إن غياب مثل هذه الدراسات أضعف من قدرة حركة اللاجئين على مجابهة الوكالة والتصدي لسياساتها بطريقة علمية، خارج إطار التقولب داخل شعارات معنية لا تتطور ولا تتقدم إلى الأمام.

 

خلاصة القول

 

في الذكرى التاسعة والستين للنكبة، نعتقد أن الفرصة مازالت سابحة أمام النخب السياسية والمختصة في الحراك الشعبي الفلسطيني للإلتفات مرة أخرى إلى الهم السياسي والقانوني لقضية اللاجئين، في أماكن تواجدهم كافة، وإطلاق المبادرات على المستوى الوطني لإعادة الإعتبار للدور المطلوب من حركة اللاجئين، في مرحلة لم يعد خافياً أن الدوائر المعنية في واشنطن، في تل أبيب، وفي بعض العواصم العربية، بصدد بلورة مشاريع حلول للقضية الفلسطينية تتجاوز إلى حد بعيد الحد الأدنى للحقوق الوطنية والقومية للفلسطينيين، وفي مقدمها حق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات. مثل هذه الدعوة موجهة إلى النخب والقوى الوطنية الفلسطينية بشكل عام، ونعتقد أن قضية اللاجئين وحق العودة أحد المداخل الكبرى للفرز الواضح بين الحلول الوطنية، والحلول البديلة التي يتم طبخها على نار أمريكية ـــــــ إقليمية