في كتاب جديد باللغة العبرية يستعرض الباحث والمحاضر الجامعي مناحم كلاين بعض فصول علاقات العرب واليهود في القدس، ويافا والخليل قبيل وبعد نكبة عام 1948 . الكتاب غني بسرده الروائي وبفتحه نافذة إضافية على فلسطين وما فيها قبل 1948. وهذه نافذة مهمة لأن تاريخ الشعب الفلسطيني لا ينحصر بالنكبة مهما كبر زلزالها.

الكتاب مفيد جدا ويلبي حاجات المعرفة والهوية لدى الأجيال الناشئة بالاطلاع على حياة المجتمع الفلسطيني قبل 1948 في الأرياف والمدن لاسيما أن محاولات إسرائيل لاحتلال الوعي والتاريخ مستمرة بعد احتلال الجغرافيا. والكتاب يروي أيضا عن زيارات فلسطينيين عادوا بعد حرب 1967، إلى بيوتهم التي طردوا منها داخل أراضي 48 في مثل هذه الأيام من عام النكبة. بطبيعة الحال يروي قصص البيوت(القصور) الفخمة في الأحياء الفلسطينية داخل القدس الغربية مثل الطالبية والقطمون والبقعة والحي الألماني والحي اليوناني الخ.

يقول كلاين في كتابه« شولميت هارإيفن جندية إسرائيلية قاتلت عام 1948 في القدس ولاحقا صارت كاتبة. شاركت في احتلال البيت الفخم التابع لأنطون عواد رجل أعمال مقدسي في حي الطالبية داخل الشطر الغربي للقدس المحتلة منذ 1948». وهي تقول في مذكراتها: «دخلنا بيت أنطون عواد. فتحنا الثلاجات والخزائن، أكلنا وشربنا كل ما وجدناه. أحد الجنود قاس بدلة العروس الخاصة بزوجة أنطون. جندي آخر لم يحتمل مشاهدة التمثال الحجري المنحوت على هيئة فتاة فقام برسم شوارب فوق شفتها. وجدنا خزانة فيها عشرات الأحذية لأهل البيت. قدم الجندي موشيه كانت صغيرة فلم يلائمه سوى صندل السيدة أنطون. رؤوفين انتعل حذاء الكعب العالي وصارا يسيران داخل الدار. أنا دخلت غرفة النوم. وجدت على المائدة كتاب لشكسبير فأخذته.

بعد 1967 ومع سقوط أسوار القدس التي حالت دون أنطون في الشطر الشرقي من المدينة وبين بيتها في الشطر الغربي بدأ يساورني شعور بعدم الراحة. فتشت عن أنطون عواد بدفتر تلفونات القدس وما لبثت أن سافرت إليه لأنني لم احتمل هذا الشكسبير. ذهبت لأعيد الكتاب لأنطون وأعيد النظام لسابق عهده. دخلت بيته الجديد وقلت: قدر الحرب جاء بهذا الكتاب الذي يرد اسمك عليه. أنطون لم يفهم. فقلت: جئت لأعيد لك كتابك الذي كان في بيتك السابق. من هذه اللحظة تطور الحوار المؤدب بيننا لحديث مرّ  وموجع. لم  ينتج لقاء حقيقي بيننا فكل وقف خلف متراسه. لم أجرؤ على الحديث عن أسرار العائلة التي انكشفت أمامي يوم دخلنا بيتها عام 1948 وقرأت على نور شمعة يوميات كتبها جوزيف ابن أنطون. يوليوس قيصر تم أخذه عنوة من بيت فلسطيني لبيت يهودي وكدت أعيده لصاحبه لكن ليس للبيت الذي أخذ منه وحيث كان على مائدة غرفة النوم. ردة فعل أنطون كانت صعبة: «بيتي السابق؟ لا أريد سماعك. فلتعيدو لي كل شيء. سرقتم عشرات آلاف الجينهات من البيت بل كل ما كنت أملك والآن تريدون إعادة كتاب واحد؟.. ما هذه النكتة السوداء؟.. بفعلكم صرت إنسانا عصبيا وكل مرة يفتح أحدهم معي هذا الموضوع فكأنه يفتح جرحا لم يندمل».

ويوضح كلاين أن أنطون رفض استلام الكتاب من شولميت ويرجح أنه بسبب رمزيته لم يتمكن صاحب البيت المسلوب من اعتبارها شخصا عاديا حركه ضميره بل رأى بها رمزا ومندوبة دولة دمرت عليه عالمه وخربت بيته.

يشار الى أن منازل الأحياء الفلسطينية في القدس الغربية شيدت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بتصميم عمراني جمع بين الطرازين الشرقي والأوروبي، سكنتها الطبقة الوسطى المقدسية خارج أسوار القدس في نهاية الحكم العثماني. ويقيم في هذه البيوت المسطو عليها محامون وأطباء ومهندسون ومثقفون وأكاديميون( وأساتذة الجامعة العبرية) إسرائيليون وفي واجهة كثير منها لوحات رخامية حفرت فيها مخطوطات عربية : هذا من فضل ربي «أو أسماء أصحابها.. وفي كثير منها ما زالت شجرة التوت في ساحة الدار يانعة تزهر وتثمر للمرة التاسعة والستين .. تنتظر بصبر عودة أصحابها وقصة منزل أنطون عواد واحدة من عشرات القصص المشابهة الواردة في كتاب كلاين.

 

 

 

فلسطينيو الداخل في نظر معظم الإسرائيليين: خطيرون ومخيفون وغير مخلصين

 

غداة نكبة 1948 رسم رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون سياسة التعامل مع فلسطينيي الداخل (140 ألف نسمة وقتها) باعتبارهم «طابورا خامسا» و «خطرا أمنيا»، واليوم وبعد سبعة عقود يعتمد نصف الإسرائيليين الرؤية ذاتها.

وأظهرت دراسة جديدة أعدها معهد «مدغام» أن 50% من الإسرائيليين يعتبرون فلسطينيي الداخل اليوم (1.4 مليون نسمة) خطيرين، ومخيفين وغير مخلصين.

وتعكس الدراسة واقعا سيئا حول الكراهية المتفشية في اسرائيل. وتم الكشف عن نتائج الدراسة خلال مراسم تدشين حركة شعبية جديدة تحمل اسم «الى الداخل». وينتمي الى هذه الحركة رئيسا الأركان السابقان لجيش الاحتلال غابي اشكنازي وبيني غانتس، ووزير التعليم السابق شاي فيرون، ومسؤولة الشؤون الاجتماعية في بلدية اللد فاتن الزيناتي وغيرهم. وركز الاستطلاع على الكيفية التي يعرف بها الاسرائيليون أنفسهم، ويستدل من النتائج ان 45% يعتبرون أنفسهم علمانيين، 44% غربيين، 34% يمينيين و24% شرقيين، 16% متدينين، 12% يساريين، 7% متزمتين و5% مستوطنين. وفي مسألة القومية قال 46% من اليهود إنهم يهود أولا، بينما قال 41% إنهم اسرائيليون.

ولدى فلسطينيي الداخل قال 60% منهم إنهم عرب، فيما اعتبر 8% أنفسهم اسرائيليين والبقية اعتبروا ذواتهم فلسطينيين.

كما فحص الاستطلاع نظرة القطاعات الى بعضها البعض، فأشارت النتائج الى عمق الشرخ المتسع بين القطاعات المختلفة في الجانب الاسرائيلي. فقال 60% من اليهود إنهم يعتقدون أن المتدينين المتزمتين يستغلون الدولة، وقال 22% منهم إن اليساريين يشكلون خطرا على الدولة، فيما اعتبر 52% من اليهود العرب خطرا، واعتبرهم 53% مخيفين، فيما اعتبرهم 51% غير مخلصين. أما بين العرب فقال 62% منهم إنهم مخلصون، ويعتبر 30% منهم أن اليهود الغربيين هم حضاريون، بينما اعتبر 53% من العرب ان المستوطنين خطيرون، فيما قال 35% من العرب إن الإثيوبيين بدائيون. وقال 19% من الاسرائيليين فقط إن العلمانيين يقدمون مساهمة للدولة، بينما قال 30% إن المستوطنين يسهمون في الدولة. واعتبر 49% من الإسرائيليين أن سكان تل ابيب متعجرفون. وتبين من الاستطلاع ان أكثر مظاهر العنصرية على شبكة الإنترنت كانت موجهة ضد العرب، ومن ثم ضد النساء، ثم المتدينين المتزمتين واليساريين.

وقالت الحركة في بيانها انه رغم ان هذه النتائج ليست مفاجئة، إلا انها تؤكد عمق الاغتراب، والتمزق والكراهية التي تعتبر ميزة بارزة لدى الإسرائيليين. كما قالت إن هذا الاستطلاع يؤكد الى أي حد ترجع فيه الكراهية الى عدم معرفة القطاعات لبعضها لدى الإسرائيليين، ومدى تحركهم بدافع وصم وشيطنة الآخر.