نعم. استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئيس أبومازن عند عتية البيت الأبيض بالحفاوة المطلوبة.

نعم. استقبل ترامب أبومازن في القاعة نفسها، وعلى المقاعد نفسها التي استقبل فيها وعليها المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل.

ونعم (ثالثة) وقف الرئيسان في المؤتمر الصحفي، وانتصب خلف أبومازن العلم الفلسطيني جنباً إلى جنب مع العلم الأميركي.

ونعم (رابعة) الرئيس أبومازن هو واحد من بين أول عشرة رؤساء استقبلهم ترامب في البيت الأبيض.

هل تعني هذه الحفاوة في الاستقبال، وهذه الرسميات أن ثمة تغييراً في السياسة الأميركية إزاء القضية والحقوق الوطنية والقومية الفلسطينية. وأن الزيارة حققت أهدافها، في كسب تأييد الإدارة الأميركية لصالح هذه القضية وهذه الحقوق، وأنها ابتعدت عن الحليف الإسرائيلي، واقتربت من «الصديق» الفلسطيني.

أم أن هذه الحفاوة، والتي بالغت وسائل الإعلام الرسمية والموالية للرئيس عباس في إبرازها، جاءت لتغطي على قضايا أخرى أثارتها الزيارة، وعمد أعضاء الوفد الفلسطيني إلى واشنطن للتكتم عليها.

هل توصلت الزيارة واللقاء مع ترامب إلى حل لقضية القدس، بعد أن وعد ترامب بنقل سفارة بلاده إليها.

وهل توصلت الزيارة إلى حل لقضية اللاجئين يضمن لهم حق العودة بموجب القرار 194. وهل توصلت إلى حل يكفل للفلسطينيين حقهم المشروع في الإستقلال والسيادة والعودة وتقرير المصير. هل تناولت قضية «حل الدولتين»، وقضية «إسرائيل وطن قومي لليهود»، وقضايا الاستيطان، والأسرى، والحصار الإسرائيلي على القطاع. وإلا فما يضمن أن الزيارة كانت ناجحة وحققت أهدافها؟

*      *       *

بعيداً عن أي غموض نعود إلى البيانات الرسمية، وإلى ما قاله السكرتير الصحفي للبيت الأبيض شون سبايسر(4/5/2017):

• الرئيس ترامب طلب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس المساعدة على منع التحريض على العنف، ولا سيما في وسائل الإعلام المرتبطة مباشرة بالسلطة الفلسطينية.

• أعرب الرئيس ترامب عن قلقه إزاء المدفوعات التي تدفعها السلطة الفلسطينية إلى أسر «السجناء» في السجون الإسرائيلية. مشيراً إلى أن ترامب أكد على ضرورة وضع حد، وإيجاد حل لهذه المشكلة.

• ناقش ترامب مع عباس التدابير اللازمة لمكافحة الإرهاب، وتطوير نظام التنسيق الأمني مع إسرائيل. وأشاد ترامب بالدور الذي تلعبه الأجهزة الفلسطينية في هذا المجال وتعهد في الوقت نفسه بتوفير الدعم الدائم لهذه الأجهزة.

• وعد ترامب بإتخاذ التدابير لتمكين الإقتصاد الفلسطيني وتوفير الفرص الإقتصادية للفلسطينيين.

• في هذا الوقت، وبينما كان أبومازن في البيت الأبيض، كان مايك بينس، نائب الرئيس الأميركي، يشارك في إحتفالات «ذكرى تأسيس إسرائيل»، ويصرح علناً في خطابه الإحتفالي أن إدارته مازالت تبحث في موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة. بينما من جانبه رفض السكرتير الصحفي للبيت الأبيض التعليق على هذا الأمر مؤكداً «أن سياسة ترامب تقوم على عدم كشف الأشياء بشكل علني بما في ذلك عدم القيام بمفاوضات علنية».

• وأخيراً وليس آخراً، تجاهل ترامب «حل الدولتين»، وتجاهل في السياق نفسه أية إشارة إلى «الدولة الفلسطينية»، وتحدث عن التوصل «إلى إتفاق شامل من شأنه إنهاء الصراع الفلسطيني ــــــ الإسرائيلي».

بالمقابل علينا أن نلاحظ أن جورج بابو دوبولوس، مستشار ترامب للشؤون الإسرائيلية، وفي زيارة له مؤخراً إلى تل أبيب لينقل لها نتائج زيارة أبو مازن، تحدث للمرة الأولى عن الضفة الفلسطينية بالمسمى الذي تفضله إسرائيل أي «يهودا والسامرة»، الأمر الذي فهمته تل أبيب إشارة أميركية شديدة الوضوح لإعتراف واشنطن المسبق «بحق» إسرائيل في ضم الضفة الفلسطينية. وكرر هذا الأمر مع رئيس «مجلس المستوطنات» يوسي داجان بقوله «إننا نتطلع إلى الدخول في علاقات جيدة مع كل إسرائيل بما فيها يهودا والسامرة التاريخية». أما جيمس ماتيس وزير الدفاع الأميركي فقد صرح في زيارته إلى تل أبيب بأن «إسرائيل حليفتنا وصديقتنا القديمة في المنطقة، والخطران اللذان تواجههما هما التطرف الشيعي بقيادة إيران والتطرف السني بقيادة داعش وهما الخطران اللذان جيئت لبحثها مع الحكومة الإسرائيلية».

وهكذا نلاحظ أنه مقابل «الغموض» و«عدم التصريح بوضوح»، الذي لازم حديث السكرتير الصحفي للبيت الأبيض عن الموضوع الفلسطيني، برز الوضوح الشديد، في الحديث الأمريكي عن إسرائيل، ما يعني أن ما يتم التخطيط له في البيت الأبيض، هو بلورة إستراتيجية عمادها وأساسها «مصلحة إسرائيل أولاً»، وأن على الأطراف جميعها أن تصوغ سياستها الإقليمية بما يخدم هذه المصلحة.

من هنا، تحدث ترامب عن «الصفقة الشاملة للسلام»، دون أن يحدد معالمها، ومن هنا قوله إنه يؤيد ما يتم التوصل  إليه بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وهو الذي يدرك أن الجانب الإسرائيلي هو الذي يرسم خطوط الحل، يرسمها ميدانياً، ويرسمها إلى الطاولة. ولعلها مصادفة مثيرة للأسف والسخرية في أن يصرح أحد أعضاء الوفد الفلسطيني إلى البيت الأبيض أن الرئيس عباس وافق على إستئناف المفاوضات من النقطة التي إنتهت إليها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود أولمرت، والتي إستندت إلى خرائط قدمها أولمرت نفسه إلى المفاوضات، تتناول إعادة رسم الحدود بما فيها ضم مدينة القدس بإعتبارها عاصمة إسرائيل.

*      *       *

إذن لماذا هذا الإبتهاج بنتائج الزيارة، وهذا الثناء على الرئيس ترامب، حتى أن أحد المطبلين في الصحافة الفلسطينية، أشار إلى ما وصفه بقدرة الرئيس عباس على التأثير على ترامب، إلى الحد الذي «أعادت فيه الولايات المتحدة إكتشاف نفسها على ضوء الزيارة التاريخية».

بكل وضوح يجب الإقرار بأن هذا الضجيج الإعلامي، ما هو إلا محاولة ممجوجة  للتغطية على أزمة المفاوض الفلسطيني وفشل مشروعه التفاوضي الذي انطلق مع إتفاق أوسلو، وإنهار مع مفاوضات كامب ديفيد (2000) ومازال ينتقل من فشل إلى فشل، في ظل هبوط متواتر للموقف الرسمي الفلسطيني، وتعنت وتصلب متزايد للموقف الإسرائيلي.

هذا الضجيج الإعلامي هو للتغطية على الرؤية الأميركية لطبيعة الإجراءات التمهيدية لإستئناف المفاوضات والوصول إلى «صفقة سلام شامل» ومنها:

• مفاوضات بلا شروط فلسطينية مسبقة. لا بشأن القدس، ولا الحدود ولا الحقوق ولا قرارات الشرعية الدولية.

• لا وقف للإستيطان. يتواصل الإستيطان في المستوطنات القائمة بإعتباره حقاً من الحقوق السيادية الإسرائيلية.

• لا حلول خارج طاولة المفاوضات. وبالتالي لا لجوء إلى مجلس الأمن، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أو محكمة الجنايات الدولية أو غيرها  [يلاحظ على سبيل المثال الإصرار الرسمي الفلسطيني على إعتبار قضية الأسرى مجرد قضية إنسانية وليست قضية سياسية وبدلاً من اللجوء إلى الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية لجأ وزير خارجية السلطة إلى المنظمة الدولية للصليب الأحمر.]

• التأكيد على التعاون الأمني مع إسرائيل ضد الإرهاب [المقاومة الفلسطينية].

• وقف رواتب الأسرى وتعويضات عائلات الشهداء.

• وقف التحريض الإعلامي ضد الإحتلال.

• إعادة صياغة برامج التربية في مدارس السلطة بما ينسجم مع السلام مع إسرائيل. «ووقف التحريض وسياسة الكراهية» [هذا الشرط لا يلزم إسرائيل مثلاً]

أخيراً وليس آخراً، العودة إلى المفاوضات من نقطة الصفر. أي شطب ربع قرن من المعاناة التفاوضية ومن حياة شعب فلسطين وقضيته. دون تجديد سقف زمني للحل.

موقع «والا» المقرب من حكومة نتنياهو قال إن الرئيس ترامب إستقبل محمود عباس بكرم وحفاوة وقام بمعانقته  لكنه أعاده إلى رام الله يخفي حنين دون أي إنجاز يلوح به لشعبه.

تناسى الموقع حزمة التكليفات التي دسها ترامب في حقيبة عباس لتكون هي خطة السلطة الفلسطينية في إعادة برمجة نفسها لتصبح مؤهلة لتكون شريكاً في الصفقة الأميركية.