طوت فرنسا صفحة انتخاباتها الرئاسية (2017)، المثيرة للجدل ليس على المستوى الداخلي فحسب، بل على المستوى الأوروبي والدولي عموماً، ليبدأ معها عهد سياسي جديد، تمثل بوصول إيمانويل ماكرون، السياسي الوسطي الذي كان أحد أهمّ مفاجآت الانتخابات منذ بدايتها، بحصوله على نحو 66,1  % من الأصوات، فيما حصلت منافسته مارين لوبن، مرشحة «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة، على قرابة 33,9 %. وذلك في الجولة الثانية من الانتخابات التي سُجّلت فيها نسبة امتناع كبيرة  وغير مسبوقة (25,38 %)، في اقتراع رئاسي منذ 1969.

كما بلغت نسبة الأوراق البيضاء أو اللاغية حوالي 11,5 % (أكثر من أربعة ملايين)، وهي نسبة قياسية كذلك. وبين الامتناع عن الاقتراع ووضع ورقة بيضاء، رفض واحد من كل ثلاثة فرنسيين الاختيار بين ماكرون ولوبن، وهو ما يؤشر إلى معضلة سياسية تعاني منها الأحزاب الفرنسية التقليدية، بيمينها ويسارها، إذ أنها عجزت عن إيجاد البدائل الحقيقية والحلول الملموسة لشرائح واسعة من الشعب الفرنسي، فرفضت تلك الأحزاب بمختلف أطيافها، وأخذت تبحث عن بدائل وفاعلين سياسيين جدد، يمكن أن يلبوا مصالحها وطموحاتها.

مفاجأتان كبيرتان

وقد أجمع المراقبون على أن الانتخابات تكشفّت عن مفاجأتين كبيرتين؛ تمثلت الأولى في إقصاء الأحزاب التقليدية الكبرى عن السباق الرئاسي، الحزب «الجمهوري» الديغولي، والحزب «الاشتراكي» اليساري. أما الثانية فتمثلت في تمكن ماكرون، هذا الشاب الذي لا ينتمي إلى أي حزب، من إنجاز ما لم تستطع الأحزاب العريقة الكبرى إنجازه، إلى درجة تمثيله لفرنسا الاعتدال في مكافحتها لفرنسا التطرف التي تمثلها لوبن.

لكن المراقبين لفتوا إلى أن الانتخابات أعادت تعويم حزب «الجبهة الوطنية»، وجعلته حزباً مقبولاً داخل المشهد السياسي القائم، فيما كان على الهامش تقريباً فيما مضى. وحذرت أوساطٌ سياسية فرنسية من أن خسارة لوبن «لا تشكل ضربة كبرى لليمين المتطرف، بل قد تكون محطة للقفز نحو استحقاقات كبرى».

وأشارت الأوساط إلى أن خطاب لوبن يستفيد من الأزمات التي تعاني منها فرنسا والعالم، وأن استمرار هذه الأزمات والإخفاق في إيجاد حلول لها، سيرفعان من شعبية «الجبهة الوطنية»، كما التيارات الشعبوية الأخرى في أوروبا.

عهد سياسي جديد

وفي أول كلمة له عقب فوزه، أكد الرئيس المنتخب أن «عصراً جديداً بدأ في التاريخ الفرنسي، وأنه سيعمل على معالجة الانقسامات العميقة التي دفعت البعض إلى التصويت لأحزاب اليمين المتطرف في فرنسا»، وسيسعى كذلك إلى «تقريب المؤسسات الأوروبية إلى شعوب أوروبا». وفيما يخص الحرب على الإرهاب، قال إن بلاده ستكون في طليعة الحرب عليه.

وبيّن ماكرون أنه سيسعى إلى «خدمة فرنسا بالبقاء مخلصاً لمبادئ الجمهورية وهي الحرية والمساواة والأخوة». ولكن الانتخابات التشريعية المقرّرة في الشهر القادم، ستكون، في نظر المحللين، المحدّد الحقيقي لمدى قدرة الرئيس الجديد على الوفاء بتعهداته، ذلك أنه سيكون في حاجة إلى كتلة برلمانية وازنة لتكريس شرعيته الجديدة في الجمعية العمومية، وإجراء التغييرات التي وعد بها ناخبيه. كما سيحتاج الرئيس الجديد إلى فريق حاكم يجمع بين القطيعة مع الماضي، والوصل مع المستقبل. القطيعة مع طبقة سياسية خيبت أمل الفرنسيين خلال العقود الماضية، والوصل مع كفاءات سياسية هي بالنهاية نتاج هذه الطبقة السياسية نفسها.

في المقابل، وعلى رغم هزيمتها، فقد عبرت مارين لوبن عن ارتياحها لـ«النتيجة التاريخية والكبيرة» لحزب «أصبح القوة الأولى في المعارضة». وقد حصلت على 10,5 ملايين صوت، خلافاً للنتيجة المتواضعة التي حصل عليها والدها، جان ماري لوبن، في مواجهة شيراك في انتخابات 2002.

وشدّدت لوبن على أنه يتعين إعادة إطلاق حزبها «الجبهة الوطنية»، الذي «يجب أن يجدّد نفسه بصورة جذرية لكي يرقى إلى مستوى الفرصة التاريخية ويلبي توقعات الشعب الفرنسي».

وإذا كان فوز ماكرون قد قوبل بترحيب في العواصم الأوروبية، باعتبار أنه أبعد عن الاتحاد الأوروبي شبح الشعبوية والتمزق، إلا أنّ قوى سياسية عديدة اعتبرت أنه ما زال يتعين بذل المزيد، «نظراً إلى الأخطار التي تمثلها نسبة التأييد التي حصلت عليها لوبن، والتي إذا أضيفت إلى نسبة تأييد مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلانشون، فإنها تظهر أن نحو نصف الفرنسيين ما زالوا يؤيدون تيارات مشكّكة بأوروبا، كما رأى العديد من المحللين.

ردود الفعل الداخلية

وقد لقي انتصار ماكرون ترحيب غالبية الطبقة السياسية الحاكمة، من الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته فرانسوا هولاند، إلى رئيس وزرائه برنار كازنوف، اللذين اعتبرا أن «الشعب اختار أن يبقى في قلب أوروبا». وأعلن المسجد الكبير في باريس أن فوز ماكرون؛ «علامة على المصالحة بين الأديان في البلاد»، و«علامة واضحة على الأمل للمسلمين الفرنسيين أن بوسعهم العيش في وفاق واحترام للقيم الفرنسية».

وعلى المستوى النقابي تبين أن هناك انقساماً؛ ففيما أصدرت كبرى النقابات المهنية في فرنسا تحذيرات في شأن فوز ماكرون، ودعت إحداها إلى التظاهر احتجاجاً، رحبت «الكونفدرالية الديموقراطية الفرنسية للعمل»، أكبر نقابة عمالية فرنسية، بفوز ماكرون، لكنها اعتبرت أن النسبة التي أحرزتها «الجبهة الوطنية» لا تزال مرتفعة للغاية. وقالت: «يتعين الاستماع لكل مباعث القلق التي عبر عنها جزء من جمهور الناخبين».

وكشفت الانتخابات انقساماً مجتمعياً مقلقاً بين مشروعين متناقضين؛ الأول تحمله لوبان، ويدعو إلى الانعزال والانسحاب من منطقتي اليورو والشينغن، ثم الانسحاب من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ومؤسسات العولمة الكبرى. والثاني يحمله ماكرون، ويدعو إلى الانفتاح وتأكيد الخيار الأوروبي مع العزم على إصلاحه، وتأكيد الدور الفرنسي في العالم.

وفيما ركزت لوبان حملتها على معارضة الهجرة وانتقاد الوجود المسلم في فرنسا وتأثيره على هوية البلاد، لم يجد ماكرون مشكلة في الإسلام والمسلمين ودعا إلى احترام قيم العدل والتسامح والمساواة بين مكونات المجتمع.

ترحيب خارجي

 

 

وفي الخارج، لقي فوز ماكرون ترحيباً واسعاً من قبل القادة الأوروبيين، إذ شكل فوز ماكرون «انتصاراً على الشعبوية» في نظرهم. وبالتالي فإن فوزه وضع حداً، ولو مؤقتاً، لهواجسهم، حيث أنهم كانوا يرون في فوز لوبان «نذيراً بتفكك الاتحاد الأوروبي». وقد وصفوا هذا الفوز بأنه «تصويت للوحدة الأوروبية وضربة للقوى السياسية التي سعت إلى البناء على «البريكيست» من أجل تفكيك الاتحاد الأوروبي». وقال الناطق باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «انتصاركم انتصار لأوروبا قوية موحدة وللصداقة الألمانية الفرنسية». 

وكان لافتاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بادر، بدوره، إلى تهنئة ماكرون، وكتب في موقعه على «تويتر» إنه يتطلع للعمل معه. وهو ما فعله أيضاً الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

 

 

ماكرون أصغر رئيس فرنسي يدخل قصر الإليزيه؟

يُعدّ إيمانويل ماكرون أصغر رئيس لفرنسا، حيث يبلغ من العمر 39 عاماً، لا ينتمي لأي تيار سياسي تقليدي، بل يصف نفسه بالوسطي المجدد. هو خريج «المدرسة الفرنسية للإدارة» في 2004، وتخصص في المالية والاقتصاد، ثم شارك بعد ذلك في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، قبل أن يعمل مصرفياً في بنك روتشيلد. في عام 2012 عيّنه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند نائباً لأمين عام مكتب رئاسة الجمهورية، وشغل منصب مستشار اقتصادي حتى عام 2014، بعدها بعامين استقال ماكرون ليعين وزيراً مكلفاً بالاقتصاد والصناعة في حكومة مانويل فالس الثانية.

انطلاقاً من عام 2014 كان إيمانويل ماكرون مهندس السياسة الاقتصادية التي اعتمدها الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته فرنسوا هولاند، واقترح إصلاحات عميقة للنهوض بالاقتصاد الفرنسي وتخفيض نسبة البطالة، وهي إصلاحات تقوم أساساً على تقديم مساعدات ضخمة للمؤسسات الاقتصادية، أملاً في تنشيط الدورة الاقتصادية وخفض نسبة البطالة.

وقد احتجّت النقابات العمالية على «إصلاحاته» واعتبرتها بمثابة هدية لأرباب العمل، مما أثار جدلاً واسعاً وتظاهرات في جميع ربوع فرنسا. في نيسان/ أبريل من عام 2016، أطلق ماكرون حركة أسماها «إلى الأمام»، تمهيداً لترشحه للانتخابات الرئاسية، معتبراً أنه من خلال ذلك، يريد «استخدام أفضل الكفاءات والمهارات البشرية الفرنسية، لمواجهة المشاكل المطروحة والنهوض بالاقتصاد الفرنسي».

وهو، على الرغم من تجربته السياسية المتواضعة، يؤمن بأوروبا موحدة، ويدعم اقتراح إنشاء منصب وزير مالية لمنطقة اليورو، ولا يتفق مع الأصوات التي تتخوف من العولمة، بل يروج لها كمشروع حميد يقوم على اتفاقيات ومؤسسات دولية دائمة وفعالة.

كما يتبنى مبادئ «الأخلاقية السياسية». فقد سبق وامتدح سياسة اللجوء التي تبنتها أنجيلا ميركل، التي «أنقذت بتصرفها كرامة أوروبا»، على حد تعبيره.