سيقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب قريباً بأول جولة خارجية له بعد تسلّم مهامه، سيبدأها من المملكة العربية السعودية، في مؤشر واضح على عزم الإدارة الجديدة تعزيز علاقاتها مع حليف رئيسي لواشنطن في المنطقة. وستشمل الجولة كلاً من إسرائيل والفاتيكان، ثم بروكسيل حيث سيشارك في قمة الحلف الأطلسي في الخامس والعشرين من هذا الشهر، ويختتمها في إيطاليا بعد مشاركته في قمة مجموعة الدول السبع الكبرى في 26 و27 من الشهر ذاته.

وفيما رأى ترامب أنّ الغرض من جولته «بناء ائتلاف يضمّ أصدقاء وشركاء يتقاسمون هدف مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والفرص والاستقرار في الشرق الأوسط الذي مزّقته الحرب»، اعتبر مسؤول أميركي أن «محطات السعودية وإسرائيل وروما» في هذه الجولة، هي لـ«جمع الأديان الثلاثة وتوجيه رسالة رفض للتطرف»، قبل أن يضيف أن الهدف من كون المملكة هي أول محطة في جولته، هو «شجب ما قيل خلال الحملة الانتخابية، والانطباع بعدها أن ترامب معادٍ للمسلمين».

وأشار المسؤول إلى أن هدف جولة ترامب هو «التصدي لإيران وتنظيم داعش». في حين ذكرت الإدارة الأميركية أنّ هناك ثلاثة أهداف استراتيجية للزيارة، هي «التصدي لإيران ومواجهة داعش ومشاركة الأعباء».

وفي هذا السياق، أكد مسؤولون أميركيون أن هناك «حماسة كبيرة (في المنطقة) للعمل مع ترامب»، لافتين إلى وجود «فرصة تاريخية لتحسين الوضع الإقليمي والعلاقات مع واشنطن». ونقل عن هؤلاء قولهم أنّ ثمة شعوراً إقليمياً بأن «أميركا كانت تنسحب من المنطقة، بينما تريد الإدارة الجديدة تأكيد انخراطها وعملها مع الشركاء»، لافتين إلى أن المحادثات والزيارات التي أجراها ترامب مع قيادات شرق أوسطية «تبعث على التفاؤل والأمل»!.

وحسب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، سيعقد ترامب قمة ثنائية مع الملك سلمان بن عبدالعزيز، تلحقها قمة مع قادة دول مجلس التعاون، ثم قمة تجمعه وعدد من قادة دول عربية وإسلامية.

وبعد أن وصف الجبير زيارة ترامب للمملكة بأنها «تاريخية»، وأثنى على موقف إدارته «الأكثر صرامة إزاء إيران»، اعتبر أنّ الزيارة «تضع حداً لتصور أن الولايات المتحدة مناهضة للإسلام»، وقال إنها «رسالة واضحة للغاية للعالم بأنه يمكن للولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية تكوين شراكة». كما رأى أن «فرص نجاح ترامب في التوصل لاتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين جيدة لأنه يتبع نهجاً جديداً». وكان ترامب «أحجم عن إلزام إدارته بحل الدولتين، الذي ظل لفترة طويلة أحد دعائم السياسة الأميركية تجاه هذه القضية»!.

الأهداف المأمولة

لكن، وبعيداً عن الكلام الرسمي من قبل هذا الطرف أو ذاك، بشأن أهداف جولة ترامب في المنطقة، وخصوصاً زيارته للسعودية وإسرائيل، فقد رأى محللون كثرٌ أنّ ثمة أهدافاً عدة لهذه الزيارة لعلّ أهمّها ما يلي:

1ـ إن اختيار السعودية كمحطة أولى في زيارات ترامب الخارجية، يعني تصميم إدارته على إعادة إحياء العلاقة التاريخية التي تربط الولايات المتحدة بالسعودية ودول الخليج العربي، بعد أن تعرضت هذه العلاقة لاهتزاز كبير في عهد الإدارة السابقة، على خلفية التفارق في رؤية الأولويات المحدّدة لتوجهات تلك الإدارة في المنطقة، وعلى وجه الخصوص، الموقف من إيران وتوقيع الاتفاق النووي معها، والذي اعتبرت الرياض، ومعها معظم العواصم الخليجية، أنه تمّ على حساب تحالفها التقليدي مع واشنطن، علماً أنّ الأمر وصل حدّ توجيه انتقادات علنية من قبل الرئيس أوباما للسياسات التي تتبعها المملكة وباقي الدول الخليجية، كما ورد في مقابلته مع دورية «ذي أتلانتيك» المعروفة بعنوان «عقيدة أوباما».

2ـ إعادة إحياء هذه العلاقة التاريخية يراد توظيفها، في الوقت الراهن، لتشكيل مظلة عربية وإسلامية للسياسة المعلنة من قبل إدارة البيت الأبيض الجديدة، سواءً في مواجهة الإرهاب و«داعش»، أم في مواجهة طهران ونفوذها في المنطقة، حيث تعتبر إدارة ترامب أنّ إيران هي «عدوها الأول» في المنطقة، بوصفها «الداعم الأول للإرهاب»، كما تزعم، وستعمل ما في وسعها على مواجهتها والحد من تدخلاتها، كما أعلن غير مسؤول أميركي. ولعلّ اختيار الرياض لتكون أولى محطات ترامب الخارجية «تشكل رسالة لا لُبس فيها إلى طهران بشأن خيارات الإدارة الجديدة التي تمثل النقيض العملي لمواقف الإدارة السابقة حيالها»!.

تقاسم الأكلاف المالية

وفي هذا الصدد، لاحظ المراقبون أنّ استراتيجية إدارة ترامب في «الحرب على الارهاب» تنطلق من ضرورة أن «يتحمل حلفاء الولايات المتحدة مزيداً من العبء في مكافحة الجماعات المتطرفة»، مع الإقرار بأن «تهديد الإرهاب لن يتم القضاء عليه نهائياً»، وبأن على الولايات المتحدة أن تسعى إلى «تجنّب التدخلات العسكرية الأميركية المكلفة وواسعة النطاق في مواجهة الإرهاب».

وعلى ذلك، يمكن أن نفهم ونفسّر إشارة الإدارة الأميركية إلى الأهداف الاستراتيجية الثلاثة لزيارة ترامب إلى المنطقة، وهي «التصدي لإيران ومواجهة داعش ومشاركة الأعباء»، إذ يعني الهدف الأخير بوضوح أن تتحمل المملكة وغيرها من الدول الخليجية قسطاً، وربما القسط الأكبر، من الأعباء المالية لمواجهة «داعش»، أو مواجهة النفوذ الإيراني في عددٍ من العواصم العربية، هذا فضلاً عن «الثمن» المتوجب عليها دفعه لقاء تشكيل «مظلة حماية» أمنية وعسكرية لها.

لكن، وعلى أية حال، فإن الشيء الجوهري بالنسبة للسعودية وباقي الدول الخليجية هو «إعادة الاعتبار» لثوابت التحالف الاستراتيجي الذي يربطهم مع واشنطن، وغير ذلك كلّه تفاصيل لا قيمة كبيرة لها، ويمكن التوافق عليها بمنتهى البساطة!.

وهناك من يتحدث، في هذا الصدد، عن «إزاحة تيار فكري أميركي كان يدعو منذ اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية إلى التحالف مع الشيعة ضد السنّة في العالم»، وكان هذا التيار قد عبّر عن نفسه من خلال العديد من السياسات الأميركية تجاه إيران، من أهمّها التوصل إلى الاتفاق النووي معها، كما عبّر عن نفسه داخلياً من خلال إقرار قانون «جاستا». أما الآن، فإن هنالك من يعتبر أن سياسة الإدارة الجديدة، المعبّر عنها في مختلف مراكز صنع القرار الأميركي، تنطلق من التسليم بالدور الذي «تحتلّه» السعودية في العالمين العربي والإسلامي.

3ـ وإلى ذلك، هنالك حاجة أميركية لوجود «مظلة عربية» لتغطية مقترحها الخاص بإطلاق مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية جديدة، بالاستناد إلى تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية أولاً، وليس العكس. وفي سبيل ذلك، عملت القمة العربية الأخيرة في البحر الميت على «إعادة انعاش المبادرة العربية للسلام»، لعلّها تتقاطع مع مقترحاته الجديدة بصدد «التسوية المحتملة»، أو «المتوخاة»، للصراع العربي الإسرائيلي.

وضمن الإطار السابق، تندرج زيارات الرئيس المصري المتواترة للدول الخليجية، التي سبقت زيارة ترامب إلى المنطقة، واعتبرت أنها تأتي في إطار إعادة ترتيب علاقات القاهرة بدول الخليج، والتنسيق معها حول عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدّمها القضية الفلسطينية، بمعنى «تهيئة مظلة عربية للتعامل مع مشروع التسوية السياسية الذي يود الرئيس الأميركي طرحه قريباً». إضافة إلى «كيفية مواجهة النفوذ الإيراني» في المنطقة.

وفي رأي البعض، فإن القاهرة حسمت أمرها وخففت ممانعتها السابقة حيال مواجهة طهران، ليس بوصف ذلك «قضية مفصلية» لتطوير علاقاتها مع الدول الخليجية، بقدر ما هو استجابة لتوجّه أميركي جديد بات يرى أنّ هناك ضرورة ماسّة لقيام «تكتل عربي وإسلامي بوجه ما يعتبره خطراً تشكله إيران في المنطقة»، مثلما هو ضرورة أيضاً لمشروعها العتيد الخاص بالقضية الفلسطينية!.

وأكد محللون أن زيارة السيسي الأخيرة إلى الرياض، لم تكتف بإزالة الالتباس الذي شاب العلاقات المشتركة خلال الأشهر الماضية، بل تعدّته إلى «التفاهم حول عمق القضايا المشتركة، والتي من المرجّح أن تشهد تغيرات لافتة خلال الفترة المقبلة».

وفي هذا المنحى يندرج، في نظر كثير من المحللين، المسعى المصري لـ«تفعيل دور اللجنة الرباعية العربية المكوّنة من مصر والسعودية والإمارات والأردن، وإعادة إحياء مبادرة السلام العربية»، تمهيداً للهدف الأهم وهو «توفير غطاء عربي لمساعي ومقترحات جديدة للتسوية، يمكن أن يضم مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، علاوة على المغرب بصفته رئيس لجنة القدس».

كما لفت المحللون إلى أن «وجود تفاهمات عربية واسعة يمكن أن يساهم في إقناع ترامب بإمكانية تبنّي مشروع جاد للتسوية»، ويفتح الباب، في الوقت نفسه، أمام إقامة علاقات قوية بين واشنطن وكلٍّ من القاهرة والعواصم الخليجية، يمكن أن تمتد لتشمل ملفات وترتيبات إقليمية أخرى؟!.