تسعى الحكومة الإسرائيلية لتشريع نص جديد لـ«قانون القومية». ومن قرأ نص مشروع القانون يتأكد من أن المؤسسة الصهيونية تعمل على إنتاج فصول جديدة من النكبة الفلسطينية تطاول في عنصريتها الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء في ما استطاعوه من  أرضهم وأملاكهم.

وكان من الطبيعي أن ترى الأحزاب العربية ممثلة بـ«القائمة المشتركة» في الكنيست أن مشروع القانون هو الأخطر مما طرح للتداول خلال العقود الأخيرة، وأن تعتبر قرار اللجنة الوزارية التي أقرته بمثابة إعلان حرب على الفلسطينيين في أراضي الـ48.

يأتي ذلك والشعب الفلسطيني يحيي الذكرى التاسعة والستين لنكبته الكبرى متمسكاً بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، ومن بين فعاليات الذكرى كانت المسيرة إلى قرية الكابري التي شارك بها آلاف الفلسطينيين في أراضي الأ48 وفي مقدمهم الجيل الشاب الذي دحض مقولتهم «الكبار يموتون.. والصغار ينسون».

يعطي «قانون القومية» المزمع مناقشته في الكنيست الشرعية للتمييز العنصري الذي تمارسه المؤسسة الصهيونية تجاه الفلسطينيين، ويمثل استحضاراً لقوانين «الأبارتهايد» التي طبقت في جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري. وهو بحد ذاته (في العنوان والمضمون) يشكل استمراراً للخطاب الأيديولوجي الصهيوني المتناقض مع قوانين علم الاجتماع ومحددات وسمات التشكيلات الاجتماعية والسياسية، وهو خطاب يلوي عنق الحقائق بدءاً من إعطاء الدين سمة القومية في سياق تمرير المشروع الإحلالي الاستعماري في فلسطين. لذلك، يكرس مشروع القانون المذكور شرط الانتماء للدين اليهودي كي يسبغ على رعاياه الحقوق المدنية والسياسية ويحصر حق تقرير المصير بهم دون غيرهم.

مخاطر ترسيم مشروع القانون لا تنحصر في محاولته تكريس فوقية اليهود على سواهم في إسرائيل؛ بل هو يحاول «تصحيح» المعادلة التي استطاع من خلالها فلسطينيو الـ48 تكريس حضورهم على الرغم من جميع القوانين التمييزية التي مورست ولاتزال بحقهم.

وهذا «التصحيح» يبدأ بقطع الطريق نهائياً على إمكانية أن يتملك الفلسطيني قطعة من أرض ولو كانت لأسرته قبل النكبة، على اعتبار أن مشروع القانون حصر المواطنة بمعناها الحقوقي باليهود وأنسالهم.

ويتغول المشروع على الشخصية الفلسطينية بسماتها الرئيسية المكونة لهويتها الوطنية. فينقل مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى «لغة لها مكانة خاصة». وهذا يعني إلغاء الحصانة الثقافية بالمعنى القانوني، وبالتالي ستتعرض الأدبيات والروايات الفلسطينية السياسية والاجتماعية والفكرية إلى رقابة أشد من السابق.

لكن الأخطر مما ورد في نص مشروع القانون أنه يحصر حق تقرير المصير بـ«الشعب اليهودي». وبالتالي لا أفق للفلسطينيين في التعبير عن تطلعاتهم ومستقبلهم الذي ينشدونه خارج السقف الصهيوني في منح الحقوق أو تقليصها وصولاً إلى طمسها.

ومن خلال اعتماد هذا المشروع في اللجنة الوزارية تمهيداً لطرحه في الكنيست، ستنشط بالضرورة مناخات العداء للفلسطينيين على قاعدة تحفيزات التحريض التي تضج بها نصوص مشروع النص الجديد للقانون.

ويمتد القانون في تطبيقاته إلى مجالات متعددة وتشمل كافة السياسات والإجراءات والقوانين والمشاريع والمخططات وتوزيع الموارد والميزانيات ربطاً بتعريف الدولة كما ورد في النص «دولة إسرائيل هي البيت القومي لليهود». وعلى اعتبار أن السياسات المعتمدة وتوزيع الموارد كان يتم وفق قوانين وأسس تمييزية في ظل النص القديم، فإن الفلسطينيين سيجدون أنفسهم أمام مزيد من التهميش والإفقار في حال تم اعتماد النص الجديد لمشروع القانون. وهو ما دفع مكونات «القائمة المشتركة» في الكنيست لأن تعلن أنها بصدد إطلاق حملة للتصدي للقانون برلمانياً وشعبياً ودولياً، أي أن معركة مفتوحة ينبغي أن تخاض من أجل إجهاض مشروع القانون قبل ترسميه.

وربطاً بوحدة الشعب الفلسطيني وأهدافه المستقبلية يفترض بالحالة الفلسطينية الرسمية والشعبية أن تكون أمام استحقاقات المساندة السياسية والحقوقية والميدانية في مواجهة الاحتلال وسياساته العنصرية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده. ومن خلال تلك الوحدة، انتقلت فعاليات الانتفاضة الشبابية الفلسطينية من الأراضي المحتلة بعدوان العام 1967 إلى أراضي الـ48 وخلق هذا الانتقال رعباً حقيقياً في إسرائيل على صعيد الأجهزة الأمنية والمجتمع على حد سواء.

وكما كانت «هبة أوكتوبر» التي قام بها الشبان الفلسطينيون في أراضي الـ 48 إسناداً لأشقائهم في الضفة وغزة، فإن المشاريع الصهيونية التي تمس مصالح الفلسطينيين وقدرتهم على مواجهة التهميش والعنصرية تشكل حافزاً لعموم الشعب الفلسطيني وقواه السياسية كي ينخرطوا في مساندة أشقائهم في أراضي الـ48.

لقد وضع مشروع القانون أصحاب الأرض في «خانة الضيوف». وفي سياق مواجهة ترسميه تعمل مكونات «القائمة المشتركة» على بلورة خطاب بطرح البديل الديمقراطي والأخلاقي والإنساني الرافض لمشروع القانون وإسقاطاته الخطيرة على مكانة الفلسطينيين في أرضهم وحقوقهم الجماعية المفترضة.

ويشكل مشروع القانون المذكور امتداداً لسلسلة من مشاريع القوانين التي طرحت بهدف تقييد الفلسطينيين وشطب حضورهم السياسي، ومن هذه المشاريع «قانون الولاء» الذي يفرض على كل من ينشط في العمل الحزبي والبرلماني أن يعلن ولاءه للدولة العبرية بما في ذلك سياساتها العنصرية والإقصائية.

لذلك، أمام المجتمع الدولي ومؤسساته القانونية والحقوقية والإنسانية مسؤولية التدخل لمنع تغول المؤسسة الصهيونية في التعدي على حقوق الفلسطينيين والاستمرار في تهميشهم بما يتناقض مع أبسط حقوق الإنسان.

فنحن لسنا فقط أمام قانون عنصري بل هو بالتحديد يشرع العنصرية الاستعمارية، وقد كشفت مصادر من «القائمة المشتركة» أن مشروع القانون يفتح الباب أمام المزيد من مصادرة الأراضي والترحيل وهدم المنازل وإجراءات تهويد المكان برمته لأن «الدولة لليهود وحدهم» كما يقول نص مشروع القانون.

لذلك، على المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل كي تعترف بالحقوق الجماعية المتساوية للأقلية العربية الفلسطينية التي هي أقلية قومية أصلانية تقيم على تراب وطنها، ويستند حقها في المساواة الكاملة إلى الأساس المدني الفردي وإلى الأساس القومي الجماعي. وتشمل هذه الحقوق المكانة المتساوية للغة العربية وتعزيز مكانتها والتوزيع المتكافئ للميزانيات العامة.