بات مؤكداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيزور المنطقة نهاية شهر أيار(مايو) الحالي، وسيلتقي رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، ويعرج على عمان، والقاهرة، والرياض، وسيجد وسيلة للقاء بالرئيس أبومازن. خارطة الزيارة، بطبيعة الحال، تنبئ عن القضايا التي سيثيرها، وعما في حقبته من ملفات.

قبل ذلك، إلتقى في البيت الأبيض، الملك عبد الله الثاني، بصفته رئيس الدورة الحالية للقمة العربية، إطلع منه على نتائج مداولات القادة العرب، ثم إلتقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكان قد إلتقى الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد في العربية السعودية. ويفترض أن يكون قد إلتقى كذلك الرئيس أبو مازن.

اللافت للنظر أن ترامب سوف يزور المنطقة بعد زيارة لأوروبا، للمشاركة في القمة الأطلسية، وبالتالي سوف تكون منطقتنا، كما هي على الدوام، واحدة من أهم المناطق في الحسابات الدولية الأميركية لأسباب عديدة، منها مصادر الطاقة، وخطوط المواصلات، والسوق الإستهلاكية، والأهم ضمان مصالح إسرائيل. وفي السياق «معالجة القضية الفلسطينية والصراع العربي ــ الإسرائيلي».

وفي الوقت الذي مازالت الزيارة الأميركية للمنطقة ، خارج الإهتمام المباشر من الدوائر العربية، المنشغلة بملفات أخرى، نلاحظ أن هذه الزيارة تحتل موقعاً متقدماً في إهتمامات الجانب الإسرائيلي، خاصة وأن وفداً أميركياً ــ تقول المعلومات ــ أنه متواجد حالياً في إسرائيل، يعمل على إجراء الترتيبات الإدارية والأمنية، وتحضير الملفات السياسية التي ستكون موضع نقاش وتفاهم بين الطرفين. من بينها كما بات معلوماً: «الإرهاب، التسوية الفلسطينية، قضية الجولان، قضية القدس».

• في قضية الإرهاب لا نحتاج لجهد كبير كي ندرك أن المقصود، هنا، ليس داعش، ولا النصرة، بل، وفقاً للتصنيفات الإسرائيلية ــ الأميركية، «النفوذ الإيراني»، ومن ضمنه حزب الله في لبنان. ولا نعتقد أن القضية هي مجرد قضية تصنيف، بل هي إعادة صياغة للأولويات السياسية كما تراها الولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يعاد التأكيد على أن الخطر الرئيس والمباشر على أمن المنطقة، وإستقرارها، ومصالح دولها وشعوبها، لا يتمثل لا في الوجود ولا في الإحتلال الإسرائيلي، بل أولاً وآخراً، في النفوذ الإيراني، الأمر الذي يوجب بناء تحالف إقليمي [ناتو شرق أوسطي] في مواجهة هذا الخطر، تكون نواته إسرائيل، وعدد من «الدول السنية»، كما تصفها الدوائر الأميركية والإسرائيلية، وفي مقدمها بالطبع، العربية السعودية. ومن المؤكد أن محطة ترامب في الرياض، سوف تتناول بشكل رئيس هذا الأمر، بإعتباره من أهم ملفات المنطقة.

*    *     *

بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، بات واضحاً أن جدول أعمال ترامب سيتناول العناوين التالية:

• نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس المحتلة. المتوقع أن يتراجع ترامب عن قراره بالنقل، وأن يعوض عنه الجانب الإسرائيلي بإعادة التأكيد على أن القدس «الموحدة» هي «العاصمة الأبدية» لإسرائيل. هذه الخطوة يرى ترامب أنها «ترضي» العواصم العربية، وتزيل عن كاهلها كابوس الرد على خطوة النقل فيما لو تمت، في الوقت الذي تحرص فيه هذه العواصم على حسن علاقتها مع واشنطن. كما يرضي إسرائيل، من خلال الإعتراف بالقدس عاصمة (وليست محتلة) أي أنها ستكون خارج عملية التسوية.

• بشأن الإستيطان، من المتوقع أن يتوصل ترامب ونتنياهو إلى ما يمكن أن يسمى (زوراً) «بالحل الوسط». أي «لجم» الإستيطان، وليس وقفه نهائياً. بالتطبيق العملي،  يتواصل «البناء» في المستوطنات وفي القدس المحتلة يتواصل بالمقابل لا تقيم إسرائيل مستوطنات جديدة خارج هذا الإطار : أي عملياً، مواصلة الإستيطان، وتدفق المزيد من المستوطنين إلى مناطق الضفة وإلى القدس.

• أما بشأن التسوية النهائية، فالمعلومات، على تنوع مصادرها، تؤكد أن ترامب سوف يركز على ضرورة وضع «حل إقليمي» يستند إلى مبادرة القمة العربية في بيروت (2002) وبحيث تسير التسوية على مسارين متوازيين، الأول مفاوضات إسرائيلية - فلسطينية، تحت رعاية أميركية عربية، ما يقود إلى المسار الثاني، أي تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وإنهاء حالة الحرب (!) وتوقيع إتفاقات سلام. وتؤكد المصادر المختلفة أن هذا الأمر هو الذي كان على جدول أعمال القادة العرب الذين زاروا واشنطن، [عبد الله الثاني ـــــــ السيسي ـــــ محمد بن سلمان] وأنه سيكون على جدول أعمال مباحثات الرئيس أبو مازن مع ترامب في واشنطن.

كما تضيف هذه المصادر أنه لولا قناعة ترامب أن ثمة ترحيباً عربياً، إسرائيلياً بمشروعه [الحل الإقليمي]، لما قرر زيارة المنطقة، ولما قرر المغامرة بإطلاق مشروع لا ينال موافقة الأطراف المعنية وترحيبها به.

وبشيء من التدقيق، يمكن أن نلاحظ أن الأجواء العربية باتت إلى حد كبير، مؤهلة لإستقبال هذا الحل، بإعتباره «صفقة متكاملة» تمكن الجميع ــــ على حد قول الكثيرين ـــــ للتفرغ لمكافحة «الإرهاب» بتلاوينه التي يتم رسمها في هذه العاصمة أو تلك. وأن الأجواء الإسرائيلية هي الأخرى، باتت مؤهلة لإستقبال هذه الصفقة. وحتى ولو أدى هذا الأمر إلى إحداث أزمة حكومية في إسرائيل، قد تؤدي إلى وضع حد للإئتلاف الحكومي الحالي، فإن الإتجاه العام للصفقة، سيمكن نتنياهو من إعادة بناء إئتلاف جديد، يجذب فيه قوى أخرى إلى صف الحكومة.

*    *    *

بشأن الجولان، أفصحت المصادر عن أن إسرائيل ستطلب من ترامب أن يعلن إعتراف الولايات المتحدة بضم الجولان، بإعتبارها جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، مثلها مثل القدس الشرقية. هذا الأمر كانت الدوائر الإسرائيلية قد أثارته مع جيسون غرينبلات، مبعوث ترامب إلى المنطقة. ومع أن الولايات المتحدة تنظر «بعين العطف» إلى الطلب الإسرائيلي، إلا أن الدوائر المحيطة بترامب نصحته، كما بات معلوماً، بعدم الإندفاع كثيراً في هذا الإتجاه، خاصة وأن الظرف الإقليمي والدولي ليس مؤهلاً لمثل هذه الخطوة. لذا تتوقع المصادر الإسرائيلية أن يقدم لها ترامب هدية ذات قيمة أقل، يعتبر«أن الظروف السياسية التي تعيشها سوريا، وما تعكسه من خطر على مصالح إسرائيل وأمنها، من شأنها أن توفر الفرصة لإسرائيل لتطبيق قانونها على المستوطنات اليهودية في الجولان». وعبارة «تطبيق قانونها» هي كلمة السر التي تعني، بالتطبيق العملي، الضم الرسمي للجولان لإسرائيل. وهي كلمة السر التي سبق وأن لجأت إليها سلطات الإحتلال الإسرائيلي للتمهيد لضم الكتل الإستيطانية في الضفة والقدس  إلى «الدولة» وإعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها.

مما لا شك فيه أن جولة ترامب ستكون في حد ذاتها جولة مصيرية. فهي، إن نجحت في وضع حجر الأساس للحل الإقليمي، تكون قد نقلت المنطقة إلى حالة جديدة، سيعاد فيها صياغة الخارطة  السياسية، بما في ذلك إعادة رسم العلاقات العربية الإسرائيلية، وإدخال القضية الفلسطينية في دهاليز الحلول الهابطة، أكثر فأكثر. مما سيعكس نفسه بالضرورة على مجمل الحالة السياسية والإجتماعية الفلسطينية بمكوناتها المختلفة. خاصة في ظل أوضاع مشتته تعيشها الحالة الفلسطينية، إن داخل م.ت.ف، أو خارجها، بعدما بات واضحاً فشل مشروع أوسلو ووصوله إلى الإنسداد التاريخي.

أما إذا لم يتوصل ترامب إلى متل هذا الحل، فإن الوضع الفلسطيني، سيكون، من جهة أخرى، معرضاً لحراك سياسي، من عناوينه إفلاس القيادة الرسمية، وعجزها عن أية مبادرة، وإستغراقها في حالة إنتظارية، قد تؤدي حادثة ما، على غرار ما حصل في الإنتفاضتين الأولى والثانية إلى تفجير الأوضاع، لكن بأشكال مختلفة هذه المرة.

في كلا الحالتين، تقف القضية الفلسطينية، أمام إستحقاق سياسي، وأمام مخاطر جمة، لا مجال للتصدي لها، إلا بالعودة عن مشروع أوسلو، وبالتخلص من القيد الأميركي، لصالح إحياء البرنامج الوطني الفلسطيني.