عشية الدورة الثانية للانتخابات، ما تزال المؤشرات واستطلاعات الرأي تظهر أن رئاسيات فرنسا 2017، ليست كسابقتها في عام 2002، عندما وقفت فرنسا صفاً واحداً بأحزابها التقليدية، اليمينية واليسارية، خلف المرشح الديغولي جاك شيراك، لقطع الطريق على زعيم «الجبهة الوطنية» آنئذٍ جون ماري لوبن، والد مارين، واحتمال وصوله إلى الرئاسة.

أما اليوم، فحتى لو فاز إيمانويل ماكرون بنسبة 60 %، وفق ما تقوله الاستطلاعات، فإن النسبة التي ستحصل عليها لوبن، في المقابل، تعتبر مرتفعة جداً، وبالتالي مقلقة، ليس فقط بالنسبة لفرنسا، بل أيضاً بالنسبة لبقية البلدان الأوروبية التي ستتأثر أحزابها الشعبوية بإنجاز لوبن. بمعنى أن اليمين المتطرف في فرنسا بات قوة سياسية كبيرة ومؤثرة، لها حضورها ووزنها على الخارطة السياسية وليس مجرد قوة هامشية لا أحد يعتدّ بها ويوليها الاهتمام الكافي!.

في حين كانت هزيمة لوبن الأب، قبل خمسة عشر عاماً ساحقة، فلم يحصل إلا على حوالي 18 % فقط، وفاز شيراك بنسبة فاقت الـ 80 %. كما شهدت الفترة الفاصلة بين الدورة الأولى والثانية آنذاك، خروج مسيرات «مليونية»، عنوانها منع اليمين المتطرف من الوصول إلى الرئاسة، فيما لا تشهد أجواء الانتخابات الحالية نفس الحرارة ونفس الزخم السابقين، بل لقد خرجت مظاهرات شبابية للتنديد بكلا المرشحين؛ ماكرون ولوبن، وارتفعت أصوات فيها تتحدث عن الخيار بين الكوليرا والطاعون!.

وعلى ذلك، وعلى رغم مواقف الشخصيات السياسية البارزة التي أعلنت تأييدها لماكرون من اليمين واليسار، فقد وجد الأخير نفسه مضطراً للتنبيه والتذكير بأن «الامتناع عن تحديد موقف، ورفض الاختيار بينه وبين لوبن، يسدي خدمة للأخيرة»، داعياً الناخبين إلى ممارسة «خيار مسؤول» بين «البديل الديمقراطي»، الذي يمثله هو، وبين «التخلي عن الجمهورية وقيمها، والخروج من أوروبا ومن اليورو، واختيار العزلة والانغلاق وتأليب الفرنسيين ضد بعضهم بعضاً ..»، الذي تمثله لوبن.

وفيما يسعى ماكرون إلى جذب الممتنعين عن التصويت، فضلاً عن «كسب ناخبي مرشحي الحزبين؛ «الجمهوري» و«الاشتراكي»، اللذين دعوا إلى التصويت له، إلا أن الخشية تتملكّه من احتمال «تسرّب كثيف لأصوات هذين الحزبين باتجاه لوبان».

«اختراق» يميني!

وكانت لوبن حققت اختراقاً لا سابق له، تمثل في إبرام اتفاق مع رئيس حزب «فرنسا الناهضة» الديغولي نيكولا دوبون إينيان (4,7% من الأصوات في الدورة الأولى)، تعهدت بموجبه تعيينه رئيساً للوزراء في حال فوزها. وشكل هذا الاتفاق تحولاً لافتاً في موقف إينيان الذي أطلق خلال الدورة الأولى للانتخابات كل أنواع النعوت السلبية والعدائية تجاه لوبن.

وقد أدى هذا الأمر إلى ردود فعل غاضبة في الوسط السياسي الفرنسي، كان أبرزها لرئيس الوزراء السابق آلان جوبيه (يمين)، الذي وصف الخطوة بأنها «خيانة».

وانتقد جوبيه مجمل الطبقة السياسية الفرنسية، مركّزاً على الموقف «الملتبس» لزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، الذي دعا أنصاره إلى عدم التصويت لصالح لوبن، لكنه أحجم عن دعوتهم لتأييد ماكرون.

وندّد كذلك بموقف «التذاكي» الصادر عن حزبه «الجمهوريين»، الذي دعا أيضاً إلى الوقوف ضد لوبن، وليس لتأييد ماكرون، محذراَ من أن «ما كان يبدو مستحيلاَ في الأمس بات ممكناً اليوم، وبأن تولي اليمين المتطرف الحكم سيؤدي إلى زلزال سياسي وجغرافي واقتصادي، فضلاً عن كونه هزيمة أخلاقية».

وإلى ذلك، فإن لوبن، التي تخلّت عن رئاسة حزبها مؤقتاً لتقديم نفسها كـ«مرشحة الشعب» بدلاً من مرشحة الحزب، تعوّل على كسب المزيد من الأصوات، سواءً من أنصار اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون، أو من أنصار فيون الذين لا يوجد تتطابق بين مبادئهم ومواقف مرشح الوسط. وفي سبيل ذلك، تخاطب أنصار ميلانشون بلغة شبيهة بلغتهم قائلة: «إن ماكرون لن يتوانى عن تبديد مصالح البلاد لحساب الأوساط المالية الدولية، من دون أي اكتراث بمصير العمال». كما تخاطب مؤيدي فيون بنفس لغتهم كذلك بدعوتها «كل الوطنيين» لتأييدها، لأنه «بفضل حبنا لبلدنا سنسحق الانصياع والخيانة التي يتم السعي لفرضها على شعبنا»!.

وقد غاب عن خطابات لوبن الأخيرة أيضاً، أية إشارة إلى كنيتها (لوبن)، وإلى «الجبهة الوطنية» من منطلق حرصها على تمييز نفسها عن والدها، مؤسس الجبهة، الذي كانت طردته منها قبل عامين، بعد أن وصف «غرف الغاز النازية التي قتل فيها اليهود بأنها مجرد «حدث ضمن أحداث تاريخية»، وذلك من أجل «تنقية صورة الحزب من اتهامات وجهت إليه بمعاداة السامية».

لكن ماكرون نجح في تقويض محاولة لوبن تمييز نفسها عن جبهة والدها، واستحضر أحد أسوأ ممارسات جان ماري، بوضعه باقة زهور على اللوحة التذكارية لإبراهيم بوعرام الذي قضى غرقاً في نهر السين في أيار (مايو) ١٩٩٥، بعدما رماه مناصرون لليمين المتطرف في المياه.

 

ماكرون ولوبن: مشروعان متناقضان

يحمل كلٌ من إيمانويل ماكرون، ومارين لوبن، مشروعين متناقضين ومختلفين تماماً لمستقبل فرنسا، فماكرون يدعم العولمة والانفتاح والقيم الغربية الحرة، بينما تدعو لوبان إلى الانغلاق والحمائية وترفض تعدد الثقافات.

ويسعى ماكرون إلى أن تكون فرنسا أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الخارجية. ويرى من خلال خبراته السابقة في العمل بأحد البنوك الاستثمارية في باريس، أو من خلال موقعه السابق كوزير للاقتصاد، أن القيود المفروضة على التوظيف والعمالة تحدّ كثيراً من القدرة على جذب الاستثمارات.

وبالنظر إلى معاناة فرنسا من النمو البطيء، وتصاعد البطالة (نحو 10 %)، فقد طرح ماكرون برنامجاً للنهوض باقتصادها يقوم على تخفيض الضرائب على الشركات من 33 % تقريباً، إلى 25 %، علاوة على تخفيض الإنفاق العام بنحو 60 مليار يورو لكي تظل فرنسا ملتزمة بألا يزيد العجز في موازنتها عن 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي القواعد الواجب اتباعها في منطقة اليورو.

كما يريد ماكرون إطلاق برنامج للاستثمار العام في البنية الأساسية ومشروعات البيئة وغيرها بقيمة 50 مليار يورو، خلال خمس سنوات. ويريد أن تكون للشركات الحرية في أن يعمل الموظفون لديها أكثر من 35 ساعة، وهي عدد ساعات العمل في فرنسا حالياً.

ويدعو ماكرون إلى إعفاء 80 % من الأسر من ضريبة السكن في غضون ثلاث سنوات، و«تحويل الضريبة على الثروة إلى ضريبة على الثروة العقارية» .

علاوة على ما سبق، يريد ماكرون أن تحتفظ فرنسا بموقعها القيادي في الاتحاد الأوروبي، ويبدو أكثر تقبلاً للمهاجرين على اختلاف دياناتهم، كما سبق أن قام بزيارة إلى الجزائر أثناء حملته الانتخابية، ووصف ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر بأنه «جريمة ضد الإنسانية».

برنامج لوبن: العداء لأوروبا والمهاجرين

وعلى النقيض من ذلك، تدعو لوبن إلى سياسات حمائية تحافظ على مصالح الشركات الفرنسية، وعلى حقوق العمالة الفرنسية، حسبما تقول. كما تريد فرض ضرائب إضافية على توظيف غير الفرنسيين في أي قطاع داخل فرنسا للتشجيع على توظيف الفرنسيين.

وانسجاماً مع ذلك، تسعى لوبان إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والتخلي عن اليورو. ووعدت، إذا تم انتخابها، بإجراء استفتاء عام على الخروج من الاتحاد الأوروبي، على غرار ما تم في بريطانيا.

كما ترفض لوبان تغيير ساعات العمل لكي تظل 35 ساعة فقط في الأسبوع، على أساس أن هذا من بين المكاسب التي حصل عليها العمال الفرنسيون.

وتطالب لوبان بتعليق كافة أشكال الهجرة الشرعية حتى تتم السيطرة على الحدود بالكامل، وبعدها لن تقبل بأكثر من مئة ألف مهاجر سنويا. ويستدعي هذا ضرورة الخروج من اتفاقية «شينغن»، لأن هذه الاتفاقية تسمح بالتنقل بسهولة بين عدة دول أوروبية.

كما تطالب لوبان بفرض قيود على أنشطة المساجد، وإخضاع الأئمة لرقابة صارمة، ومنع الصلاة خارج المساجد. وانتقدت بشدة موقف ماكرون من إدانة الاستعمار الفرنسي للجزائر، خاصة وأن والدها كان ضابط مظلات فرنسي شارك في قمع الثورة الجزائرية.

ويمتد الاختلاف بين المشروعين المطروحين إلى الجمهور الذي يؤيد كلا منهما. فأغلب المؤيدين لماكرون ينتمون إلى الطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة، ولديهم مستوى جيد من التعليم ومن الدخل، ويعيشون في المدن الكبيرة. في حين ينتمي الكثير من أنصار لوبن إلى الطبقات العاملة أو من يعانون من البطالة، ويعيش الكثير منهم في المناطق الريفية، ويشعرون أن الانفتاح وتدفق المهاجرين على فرنسا أضرّ بفرصهم في العمل!.