مع كل عمل إرهابي يحدث في مصر تتجه الأنظار إلى «الأزهر»، لتقف على حقيقة الدور الذي يلعبه، أو يفترض أن يلعبه، في الحدّ من الإرهاب، من منطلق الافتراض أن بوسعه سحب البساط «الفقهي» من تحت أقدام التنظيمات المتطرفة، ودحض وتكذيب «المرجعيات العقيدية» التي يستند إليها «شيوخ» تلك التنظيمات في نهجهم العنفي الدموي، وتكفيرهم للآخرين وتحليل دمائهم.

وقد انقسمت الآراء، كالعادة، بين مدافع عن الأزهر ومهاجم له، فهنالك من شكك بدوافع مهاجمة هذه «المؤسسة» وانتقادها، معتبراً أنّ الأزهر يدافع عن «رسالة الإسلام الوسطية»، وبأنه «حافظ على الهوية المصرية، وعلى النظام والأمن وروح التسامح في المجتمع المصري». بل وهناك من «تحدّى العالم كله أن يكون هناك إرهابي واحد تخرّج من الأزهر»!.

وذهب البعض حدّ القول إن «الثورة على الأزهر إنما هي لعب بالنار..». وإنّ «اتهام الأزهر بإنتاج الأفكار المتطرفة أمر يثير السخرية»، ذلك أن «أصحاب الفكر التكفيري المتطرف يُكفرون القائمين على هذه المؤسسة الرسمية، ويسمونهم علماء السلطان»، على حد تعبيرهم.

وفي المقابل، وإزاء تجدّد العمليات الإرهابية في سيناء، وانتقالها إلى قلب المدن المصرية، بما في ذلك، استهداف الأقباط في أماكن عبادتهم (تفجير كنيستي طنطا والاسكندرية)، وهو حدث تكرر مراراً في السنوات الأخيرة، فقد عادت الأصوات لتتساءل، بقوة وبإلحاح هذه المرّة، عن الدور الذي يقوم به الأزهر على هذا الصعيد؟، من منطلق أنّ «الإرهاب يبدأ فكراً قبل أن يترجم نفسه إلى فعل ملموس». وقد ساق البعض مثالاً على ذلك، في أحد شيوخ «الدعوة السلفية» في مصر الذي أفتى عن الأقباط قائلاً: «لا تآكلوهم ولا تشاربوهم ولا تهنئوهم بأعيادهم». وعندما احتج البعض على مذبحة «كنيسة القديسين» كتب يقول: «الكنيسة استفزاز بلا حدود»!!.

 وإلى ذلك، فمن المعروف والمتفق عليه أنه باسم الإسلام يمكن أن يتمّ تبرير الشيء ونقيضه. وعلى سبيل المثال، فقد رفض متولي شعراوي، وزير الأوقاف وشؤون الأزهر، انتقاد أنور السادات حين شرع في الصلح مع إسرائيل، وباسم الإسلام ذاته، صدرت فتوى الأزهري عمر عبدالرحمن، بتكفير السادات للسبب نفسه، فأيهما كان يمثل الإسلام؟!.

 

 

 موقف ثابت! 

وفي الواقع، فقد اتخذ الأزهر موقفاً ثابتاً طوال قرابة ثلاث سنوات، تجنّب خلالها الخوض في مشكلة تكفير الجماعات الإرهابية، بما في ذلك داعش. وفي بيان رسمي صدر في نهاية العام 2014، رأى الأزهر أنه «لا يمكن تكفير مؤمن مهما عظمت ذنوبه»، ومنذ ذلك الوقت، أثار موقفه هذا سجالاً كبيراً لم يهدأ، إلى أن أعلن أخيراً أمين عام اللجنة العليا للدعوة في الأزهر، محمد زكي، أن «المنتحر التابع لتنظيم متطرف، يكون كافراً إذا استحلّ ما يقوم به»، ولكن مع تشدّيده على أن «الأزهر لا يحكم بالكفر إلا وفق ضوابط محدّدة».

ورأى مراقبون أن «الليونة الواضحة» في الموقف الأخير تجاه «الانتحاريين»، تعكس تغيراً جزئياً إزاء إمكانية تكفير أفعال الإرهابيين، وليس التنظيمات التي ينتمون إليها. وهي تهدف، أساساً، إلى «تبرئة الأزهر من تهمة مباركة الأفعال الإرهابية»، بمعنى أنه «شكل من أشكال الانحناء أمام العاصفة، أكثر منه تعبيراً عن جديد لدى الأزهر في هذا الصدد»، وخصوصاً بعد أن بات الأزهر أمام تهديد حقيقي بتحجيم دوره وحشره في الزاوية، كما يقال، إثر تشكيل المجلس الأعلى لمحاربة الإرهاب!.

الخشية من التهميش؟

واعتبر البعض أن موقف زكي، المخالف نسبياً لمواقف شيخ الأزهر أحمد الطيب في مسألة التكفير، ليس أكثر من «محاولة لتهدئة الناقمين على الأزهر، والايحاء بإمكانية التعاطي بشكل مختلف مع خطاب التطرف في مصر والعالم»، أقلّه من منطلق درء الشبهات التي وصلت حدّ اتهامه بـ«التواطؤ».

واستدلّ المراقبون على قولهم السابق بأن محمد زكي نفسه، كان شدّد على أن «ما يقوم به بعض الإعلام الرخيص، على أيدي مرتزقة الفكر الآثم من ملاحدة وشيوعيين، هو تنفيذ لأجندة ممنهجة مدفوعة الثمن، للنيل من مصر....الخ». وفي مكان آخر، وصف الهجوم على الأزهر بأنه «هجوم على الدين نفسه من قبل أولئك الذين يمثلون طائفة العلمانيين الذين يبغضون كلّ أمر يتصل بالدين»!.

ولكن هناك من رأى، في المقابل، أن «هيئة كبار العلماء» في الأزهر باتت تخشى، على نحو جدي، من أن تصل مساعي مؤسسة الرئاسة والبرلمان لتقليص صلاحيات الأزهر إلى درجة التهميش الكامل لدوره..»، الأمر الذي قد «يدفعه للإقدام على خطوات أكثر جرأة مستقبلاً، في سبيل المحافظة على استمراره ضمن المشهد العام، وفرملة محاولات سحب ملف تجديد الخطاب الديني منه، ولو أدى ذلك إلى تبنّي مواقف تتناقض مع مواقفه السابقة»!.

والحال، فالموقف الذي قد يرسو عليه الأزهر في هذا الشأن لا زال غامضاً، وربما لم تتضح معالمه النهائية بعد. فغداة طرح نائب مصري مشروع قانون لتعديل القانون رقم 103 لسنة 1961 لإعادة تنظيم الأزهر، خرج شيخ الأزهر عن صمته وهاجم الإعلام، معتبراً أن هنالك «حملة ممنهجة من بعض الإعلام على الأزهر»، ووصف مَنْ يهاجم الأزهر بحجة تجديد الخطاب الديني بأنهم «يبحثون عن مصالحهم المادية، وينفذون مخططات مدروسة لهدم مؤسسة الأزهر».

وكان لافتاً في هذا السياق، الموقف الذي اتخذه رئيس حزب «الوفد»، السيد بدوي، الذي حذر مما وصفه «محاولات تأميم الأزهر»، مؤكداً أن «محاربة الإرهاب ليست مسؤولية الأزهر وحده، وإنما مسؤولية مشتركة بين الأزهر والأوقاف والثقافة والإعلام والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني»، داعياً الحكومة للقيام بدورها لجهة «تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية، وتوفير فرص العمل لتجفيف منابع الإرهاب».

الخطاب الديني.. والتجديد المطلوب؟

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بالفعل هو؛ كيف نقوم بتجديد الخطاب الديني؟ ومن هو المؤهل للقيام بهذه المهمّة؟ هل الأزهر هو الجهة المهيأة والقادرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وخاصة في هذه الظروف وفي هذا التوقيت بالتحديد؟. هل يمكن توقّع تحقيق ذلك من مؤسسات واظبت على استنساخ فتاوى الردة والتكفير وتبرير الرق؟. ويشدّد أصحاب هذه الأسئلة على أن «الخطاب الأزهري غير عصري، يعادي الحداثة ويجهل تطور الأخلاق التي لم تعد تسمح بالرق مثلاً»!.

وعلى أية حال، فإن الأجوبة على مثل الأسئلة السابقة محسومٌ في نظر كثيرين، وخصوصاً أولئك الذين يرون أنّ الأزهر «فشل في تحقيق أية خطوة عملية على هذا الصعيد». بل وثمة من يعتبر أنه بصمته وعجزه «يساعد فعلياً على تنامي التشدّد والعنف في المجتمع».

الأزهر نفسه بدا أخيراً وكأنه يقدّم القول الفصل في ذلك، إذ أنه حسم أمره مع من يطالبه بالتجديد قائلاً: إنه سيستمر «في أداء رسالته بطريقته الحالية دون تغيير في الخطاب أو المناهج»، و«إن مناهج التعليم الأزهري وحدها الكفيلة بتعليم الفكر الإسلامي الصحيح الذي ينشر السلام والاستقرار بين المسلمين وغيرهم».

وفي تصعيد غير مسبوق، وصفت «هيئة كبار العلماء» فيه منتقدي الأزهر بأنهم «يضاهون أعداء الإسلام»، وقالت في بيان صحافي (19/4)، «إن المناهج الأزهرية تعتمد على القرآن والسنة والتراث، والحديث عن وجود نصوص ودروس تحضّ على التطرف والإرهاب هو نوع من التدليس وتزييف وعي الناس وخيانة الموروث»، ملوّحة بأنها مستعدّة «للدخول في معارك ضارية مع كل من يحاولون النيل منه».

ورأى مراقبون إن دفاع الأزهر عن مناهجه، على الرغم من تيار الغضب المتصاعد ضدها، «يعني أن الأمل في إقدامه على اتخاذ أيّ خطوات ملموسة في تجديد الخطاب الديني أصبح أمرا ميؤوسًا منه». وقال محللون إن تمسك الأزهر بمناهجه دون التطرق من قريب أو بعيد لإمكانية إعادة النظر فيها، يعني أنه «لا تغيير في هذه المناهج قبل تغيير القائمين على إدارة المؤسسة الأزهرية حالياً».

وتوقع هؤلاء أن تشتد المعركة بين المفكرين والمثقفين والبرلمان من جانب، والأزهر من جانب ثانٍ خلال الفترة المقبلة في ظل توجه الكثير من النواب، لما يلقونه من دعم من شخصيات أكثر انفتاحاً، نحو تبنّي رؤية شاملة لتنقيح المناهج الأزهرية.

ولم تقف الأصوات المطالبة بذلك عند الفئات المجتمعية من خارج الأزهر، بل إن مجموعات من المؤسسة الأزهرية ذاتها هاجمت المناهج ووصفتها بالمتطرفة، حيث قالت حركة «أزهريون مع الدولة المدنية»، إن «كتب التراث ومناهج الأزهر هي منبع الإرهاب».

ودلّل هؤلاء على ذلك بأن هناك «دروساً في كتب الفقه بالثانوية الأزهرية تحضّ وتدعو إلى قتل المخالفين صراحة، كتارك الصلاة والزاني والمرتد، ويستغلها بعض المتطرفين لإضفاء الشرعية على أعمالهم»؟!.